شرعت القوات والآليات الإسرائيلية، صباح اليوم الاثنين، في تنفيذ عملية عسكرية وأمنية واسعة شمال مدينة القدس، شملت اقتحام بلدة كفر عقب ومحيط مخيم قلنديا، تخللتها عمليات هدم لمنشآت فلسطينية بحجة البناء دون ترخيص، وإخلاء قسري لعدد من الشقق السكنية، في مشهد يعيد إنتاج سياسة ميدانية باتت مألوفة لسكان المنطقة، تقوم على الجمع بين الهدم، والتطويق العسكري، واستهداف شروط الحياة اليومية.

 

محافظة القدس أوضحت في بيان صحفي أن قوات كبيرة اقتحمت عدة عمارات سكنية، وأجبرت بعض العائلات على مغادرة منازلها، بينما انتشر القناصة والجنود على أسطح المباني المرتفعة والشرفات، بالتوازي مع إطلاق كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، واستخدام الرصاص الحي والمطاطي في محيط كفر عقب ومخيم قلنديا. هذه العملية تأتي امتدادًا لحملة أوسع شهدتها المنطقة في الأسابيع الماضية، شملت هدم محال ومنشآت قرب المخيم وعمليات اقتحام واسعة للبيوت والمتاجر.

 

هدمٌ واقتحامات في ذروة خروج الطلاب من مدارسهم

 

بيان محافظة القدس وصف ما جرى بأنه نموذج جديد لسياسة «العقاب الجماعي»، إذ لم يقتصر الاقتحام على هدم منشآت بدعوى عدم الترخيص، بل شمل تحرير مخالفات بحق أعداد كبيرة من المركبات، وإلحاق أضرار متعمدة بعدد آخر منها، في رسالة ميدانية مفادها أن الحياة اليومية للسكان، بما فيها الحركة والتنقل والعمل، أصبحت جزءًا من بنك الأهداف.

 

الآليات العسكرية الإسرائيلية أقدمت على إزالة أجزاء من جدار الضم والفصل في نهاية شارع المطار، لتسهيل دخول عشرات الآليات والمركبات العسكرية المتمركزة في محيط وأراضي مطار القدس الدولي سابقًا، بالتوازي مع اقتحام أعداد كبيرة من الجنود مشاةً للمنطقة وتحويل بعض الأبنية إلى نقاط عسكرية مؤقتة. مشاهد مشابهة كانت قد سُجلت في عمليات سابقة حين استولت القوات على أسطح مبانٍ في مدخل مخيم قلنديا وحوّلتها إلى نقاط مراقبة وإطلاق نار.

 

اللافت أن الاقتحام تزامن مع ذروة خروج الطلبة والأطفال إلى مدارسهم في ساعات الصباح، ما تسبب بحالة واسعة من التوتر والارتباك، دفعت عددًا من المؤسسات التعليمية في كفر عقب ومحيط قلنديا إلى تعليق الدوام حفاظًا على سلامة الطلبة، وسط انتشار مكثف للجنود في الشوارع الرئيسية كشارع القدس وشارع المعهد وشارع المطار. ووفق روايات ميدانية في عمليات مشابهة خلال ديسمبر الماضي، كثيرًا ما رافقت هذه الاقتحامات حالات اختناق بالغاز وإصابات بالرصاص الحي والمطاطي واعتقالات طالت شبانًا وسكانًا تم احتجازهم بعد مداهمة منازلهم ومتاجرهم.

 

حلقة في سياسة أوسع لتشديد السيطرة على محيط القدس

 

محافظة القدس شددت في بيانها على أن ما يجري في كفر عقب ومخيم قلنديا ليس «حملة بلدية» عابرة ضد البناء دون ترخيص، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تشديد السيطرة الأمنية والإدارية على محيط المدينة، مستفيدة من تقارير إسرائيلية رسمية أقرت بوجود «ثغرات واسعة» في مسار الجدار الفاصل، خاصة شمال القدس، يجري استخدامها ذريعة لتكثيف الاقتحامات والهدم وإعادة تشكيل الواقع الميداني.

 

وسائل إعلام دولية، بينها الجزيرة ووكالة رويترز، كانت قد رصدت في الأسابيع الأخيرة تصاعدًا واضحًا في عمليات الهدم والانتشار العسكري في المناطق الواقعة خلف الجدار شمال القدس، بدعوى سدّ ثغرات أمنية ومنع عبور فلسطينيين إلى المدينة، في حين تحذر جهات فلسطينية ومنظمات حقوقية من أن هذه الإجراءات تعمّق حالة «الطرد الزاحف» للفلسطينيين من محيط القدس، عبر خنق الأحياء الواقعة خارج الجدار وتحويلها إلى جيوب محاصرة بين الجدار والحواجز العسكرية.

 

هذا التصعيد يتقاطع كذلك مع مسار أوسع لاستهداف البنية الفلسطينية في القدس، كان أبرز مظاهره مؤخرًا demolitions داخل مجمّع وكالة الأونروا في المدينة، وهو ما أدانته الوكالة بوصفه انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي ورسالة سياسية واضحة لتقليص حضور المؤسسات الفلسطينية والدولية على حد سواء في العاصمة المحتلة.

 

في المحصلة، تبدو عملية اليوم في كفر عقب ومحيط مخيم قلنديا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي تدمج بين الهدم الميداني، والسيطرة الأمنية، والعقاب الجماعي، وتدفع ثمنها المباشر العائلات والطلبة والسكان الذين يجدون أنفسهم في كل مرة بين فوهات البنادق وجرافات الهدم، تحت عنوان ثابت يتكرر: «البناء دون ترخيص» في مدينة تكاد تستحيل فيها إجراءات الترخيص للفلسطينيين أصلًا.