عودة وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي إلى الشاشات، متوشحًا بصفة «الخبير الاقتصادي الدولي» وهو يهاجم مقترحات تصفير الديون ويرفض أي مساس بقناة السويس أو أصول الدولة، ليست مجرد نقاش اقتصادي عابر، بل استدعاء فجّ لأحد أبرز رموز الحقبة التي مهّدت لانفجار غضب يناير.
الرجل الذي يقدّم اليوم نصائح عن خطورة «التفريط في الأصول» هو نفسه الذي ارتبط اسمه بقضايا إهدار المال العام، واستغلال النفوذ، والهروب من العدالة، وأحكام بالسجن لسنوات طويلة صدرت ضده غيابيًا، قبل أن تعاد هندسة المشهد قضائيًا وسياسيًا بعد ذلك.
حين يتصدر يوسف بطرس غالي شاشات الإعلام ليحاضر المصريين في الانضباط المالي، فإن السؤال البديهي ليس: ما رأيه في سندات بضمان قناة السويس؟ بل: كيف يعود من أدار جزءًا أساسيًا من السياسات التي عمّقت الفجوة الاجتماعية، ثم فرّ من البلاد عند أول هبّة غضب شعبي، ليمنح الشعب «تشخيصًا» لأزمة هو شريك أصيل في صناعتها؟
وزير الهروب والأحكام الغيابية لا «الخبير المحايد»
بعد ثورة يناير 2011، لم يكن يوسف بطرس غالي مجرد اسم في قائمة مسؤولين سابقين، بل كان في صدارة المتهمين في قضايا فساد وتربح وإهدار مال عام. محكمة جنايات القاهرة حكمت عليه غيابيًا بالسجن 30 عامًا بتهمة الاستيلاء على 6 ملايين دولار من أموال الدولة وإساءة استخدام سلطاته الوزارية.
ثم توالت الأحكام، ليُحكم عليه لاحقًا في قضية أخرى بالسجن 25 عامًا في ملف يتعلق بإهدار المال العام عبر منظومة كوبونات أنابيب البوتاجاز المدعومة. وفي قضية أخرى صدر ضده حكم بالمؤبد (السجن مدى الحياة) في قضايا فساد مرتبطة بالجمارك واستغلال المنصب، وكلها أحكام صدرت وهو هارب خارج البلاد.
لم يتوقف الأمر عند حدود القضاء المصري. فقد طاردته مذكرة توقيف دولية، وتم توقيفه بالفعل في فرنسا عام 2014 بناءً على إخطار من الإنتربول يتعلق باتهامات الفساد وإساءة استخدام السلطة، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا وتبقى قضاياه عالقة بين السياسة والقضاء. كما وضعته تشريعات دولية، مثل لوائح تجميد أصول المسؤولين الفاسدين في كندا، ضمن قوائم من اتُّهموا باختلاس أموال عامة مصرية من مواقعهم الرسمية.
صحيح أن بعض هذه القضايا أُعيدت محاكمتها، وأنه حصل في 2023 على براءة في «قضية الجمارك» بعد إعادة الإجراءات، لكن الذاكرة العامة ليست ورقة قانونية تُمحى بحكم جديد. الأحكام السابقة، والهروب، وملاحقات الإنتربول، وتجميد الأصول، كلها تشكل سجلًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يمكن شطبه بجملة «خلاص أنا اتبرّأت».
عائلة فساد ممتدة… من وزارة المالية إلى تهريب الآثار
مشكلة يوسف بطرس غالي ليست فردية فقط، بل جزء من شبكة نفوذ عائلية كانت رمزًا لتشابك المال والسلطة في عصر مبارك. فإلى جانب كونه وزيرًا نافذًا مقربًا من دوائر جمال مبارك الاقتصادية، ظهر اسم شقيقه ضمن قضية دولية لتهريب الآثار، بعدما ضبطت السلطات الإيطالية عام 2018 حاوية دبلوماسية خرجت من ميناء الإسكندرية إلى ميناء ساليرنو الإيطالي، بداخلها أكثر من 21 ألف قطعة أثرية، واتهمت التحقيقات «شقيق الوزير السابق» وآخرين بالضلوع في الشبكة.
حتى لو اختلفت الصياغات القانونية وانتهت بعض الملفات إلى تسويات أو غلق ناعم، يبقى جوهر الصورة واحدًا: عائلة سياسية – اقتصادية استثمرت قربها من السلطة في تضخيم الثروات والنفوذ، في بلد كان فيه ملايين المصريين يقفون في طوابير الخبز والغاز الذي أصبح لاحقًا جزءًا من قضايا غالي نفسه.
حين يعود يوسف بطرس غالي اليوم متحدثًا عن «عدم التفريط في الأصول» و«خطورة بيع قناة السويس» فهو لا يدافع عن المال العام من موقع الضمير الوطني، بقدر ما يحاول إعادة تسويق نفسه كخبير لا غنى عنه، بينما سجل عائلته نفسه جزء من حكاية نهب وإفقار ممنهج عاشها المصريون قبل 2011، ولا تزال ظلالها ممدودة حتى اللحظة.
من مهندس الخصخصة إلى واعظ ضد «الوصفات الجهنمية»
في تصريحاته الأخيرة، هاجم يوسف بطرس غالي مقترحات تصفير الديون عبر سندات دولية بضمان قناة السويس أو مقايضة الأصول بالدين، واصفًا هذه الطروحات بأنها «كلام فارغ» وأفكار «جهنمية» لا تُطبَّق في أي دولة محترمة. قد يبدو كلامه اقتصاديًا منضبطًا في ظاهره، لكن الخلل ليس في رقم الإيرادات أو حساب فوائد الديون، بل في من يتحدث.
هذا الرجل نفسه كان أحد أبرز أركان المدرسة النيوليبرالية المتوحشة في عصر مبارك: خصخصة بالجملة، بيع للأصول بسعر التراب، توسع في الاقتراض الخارجي والداخلي، تضييق على الطبقات الفقيرة باسم «إصلاح الدعم» و«تحرير الأسعار». تلك السياسات، التي روّج لها غالي مع حكومة أحمد نظيف، أدت إلى اتساع فجوة الغنى والفقر، وصناعة طبقة صغيرة مرتبطة بالسلطة تحتكر الثروة والفرص، بينما ملايين المصريين يُحشرون تحت خط الفقر أو فوقه بقليل.
اليوم، حين يحذر بطرس غالي من «التفريط في الأصول» أو «بيع المستقبل» عبر مقايضة الدين بالأصول، يتجاهل أن جزءًا كبيرًا من هذا المستقبل ضاع في عهده هو، يوم تم بيع شركات القطاع العام والأراضي بأثمان زهيدة، ويوم حُرر الاقتصاد لصالح قلة متحكمة، ويوم كانت حملات التلميع الإعلامي لنظام مبارك تُموَّل من أموال عامة في قضايا حوكم فيها هو وغيره بتهمة توجيه ملايين الدولارات للدعاية السياسية.
إذا كانت هناك «أفكار جهنمية» حقًا، فهي تلك التي طبّقها غالي في سياسات الضرائب غير العادلة، والخصخصة المشوهة، وترك السوق يلتهم الفقراء تحت شعار «الإصلاح»، ثم الهروب من المشهد عند أول انفجار شعبي وترك الناس وحدهم يواجهون تركة الديون والفقر والبطالة.
في النهاية، المشكلة ليست في أن يظهر وزير سابق ليتحدث عن الاقتصاد، بل في أن يُعاد تدوير رموز فساد سياسي – اقتصادي عرفتهم مصر جيدًا، وكأن شيئًا لم يكن. يوسف بطرس غالي ليس «خبيرًا» محايدًا، بل طرف أصيل في الأزمة التي ما زال المصريون يدفعون ثمنها، وعودته إلى الشاشات بهذا القدر من الثقة لا تعكس قوة حججه بقدر ما تكشف حجم ما تمّت تسويته فوق جراح لم تلتئم بعد.

