محمود الريماوي
قاص وروائي وكاتب سياسي من الأردن
إلى جانب الضجّة الكبيرة بشأن مجلس ترامب للسلام، تردّدت أخيرًا أنباء عن توجّه أنقرة إلى الانضمام إلى معاهدة الدفاع المشترك التي تجمع السعودية بباكستان، التي وُقّعت في الرياض في سبتمبر الماضي (2025). وقد ظهرت هذه الأنباء منسوبةً إلى مصادر تركية تحدّثت إلى منابر مهمّة، منها وكالة بلومبيرغ الأميركية، بينما لم تصدُر تأكيدات أو إيضاحات من الرياض وإسلام أباد حول هذه المسألة الحيوية.
ويعزّز هذا التوجّه ما يجمع تركيا والسعودية من تقارب سياسي متزايد إزاء التطوّرات في المنطقة، من سورية إلى السودان وفلسطين واليمن، فيما يتواصل التعاون التركي – الباكستاني على مستوياتٍ مختلفة، منها التعاون العسكري الوثيق بين البلدَين. أما الأهم فهو ما يبدو من حاجة المنطقة إلى مواجهة تحدّيات إقليمية ودولية، وبخاصّة مع ما تبدو عليه هياكل التعاون القائمة، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، من عجز عن صوْغ سياساتٍ مشتركة فعّالة. أما الصيغ السابقة، مثل التحالف ضد الإرهاب أو السعي إلى إنشاء تحالف واسع، من قبيل "ناتو إسلامي"، فقد طُويت (كما يبدو) صفحاتها، أولًا مع تغيّر الظروف، وثانيًا لأن التحالفات الواسعة الفضفاضة لا تطمس الفوارق والاختلافات في الإمكانات والأولويات لكل دولة، ما يعيق التعاون.
وأمام التعتيم على هذه المسألة، أوضح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في تصريحات له قبل أيام، أن "المشاورات في طورها الأولي، وأن المحادثات والمفاوضات جارية، ولم يُوقَّع أيُّ اتفاق". وهو ما يدلّ على أن الأنباء في هذا الشأن صحيحة، وأن التباحث مستمرّ بين الأطراف الثلاثة. فيما تحدّثت مصادر أن الأمر يتعلّق بتحالف دفاعي، أو تعاون عسكري محدّد وربما ضيّق، وليس بالضرورة ضمّ تركيا إلى معاهدة الدفاع الثنائي المشترك، التي تنصّ على أن أيَّ اعتداء على أحد الطرفَين يُعدّ اعتداءً على الطرفَين معًا.
وكانت السعودية قد حظيت خلال زيارة ولي العهد محمّد بن سلمان واشنطن (نوفمبر الماضي) بمنزلة "حليف رئيس من خارج خلف شمال الأطلسي (الناتو)"، بما يعنيه ذلك من ضمانات أمنية أميركية للرياض. بينما تحافظ تركيا على عضويتها في حلف الناتو، وتشهد علاقاتها تحسّنًا مع واشنطن منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض قبل نحو عام. أما باكستان، فقد أثبتت مناعة وضعها الدفاعي في حربها القصيرة مع الهند في مايو الماضي، وتنجح في إقامة علاقة متوازنة (بما في ذلك في المجال الدفاعي) مع كل من الولايات المتحدة والصين، مع التنويه إلى أنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك قوةً نووية. وفي المقابل، تتشارك وتتعاون مع كل من السعودية وتركيا في الطموح لبناء قوة دفاعية ضاربة.
وفي حال نجحت المباحثات الثلاثية في تشكيل حلف دفاعي، أو تطوير التعاون العسكري بصورة ملموسة، فإن ذلك يؤذن بتشكيل قوة إقليمية ذات وزن وشأن، بالنظر إلى مكانة السعودية الاقتصادية والسياسية، وإلى التطوير المطّرد للصناعات الدفاعية التركية، إذ يتشارك القطاع الصناعي الخاص مع الجهات الحكومية في بناء هذه الصناعات وتمويلها، فيما تحتفظ باكستان بقدرات دفاعية وخبرات عسكرية عالية رغم مصاعب اقتصادية.
وتستحقّ الملاحظة هنا أن الدول الثلاث إسلامية، بيد أن ما يجمعها في هذه الظروف إدراك حجم التحدّيات في عالم لم تعد تحكمه القواعد، والحاجة إلى تعزيز الأمن المشترك، وليس العامل الأيديولوجي (الديني) الذي كان طاغيًا في الماضي لمواجهة ما كان يسمّى "الخطر الشيوعي"، وأدّى إلى نشوء مؤتمر التعاون الإسلامي. وبينما كانت الدول الثلاث جزءًا ممّا سُمّي "حلف بغداد" في خمسينيّات القرن الماضي، فإن هذا الحلف الثلاثي إذا قام لن يكون برعاية الولايات المتحدة، ولن يكون مضادًّا للدولة العظمى، لكنّه يعكس الرغبة في اصطفاف قوى وازنةٍ ذات عمق تاريخي وحضاري وبتعداد سكّاني كبير بجانب بعضها بعضًا، أمام جموح بعض الدول وطموحاتها المفرطة في العبث بالمعادلات والتوازنات، وحتى المساس بالخرائط ومصائر الشعوب، كما يحدث في السودان واليمن وسورية وفلسطين ولبنان والصومال وغيرها.
وفي هذا الإطار، تلعب دولة الاحتلال الإسرائيلي دورًا بارزًا في تهديد محيطها واستباحة دول مجاورة، وحتى تهديد العمق العربي (الصومال واليمن مثلًا). ويحول تحالفها مع واشنطن دون قيام الأخيرة بدور كابح للعربدة الإسرائيلية. فيما يظلّ التحدّي الإيراني قائمًا، إذ ما زالت طهران ترفض الانكفاء داخل حدودها، كما هو الحال في تدخّلاتها المستمرّة في العراق واليمن، ومحاولاتها المحمومة لزعزعة الوضع في سورية.
وأمام مشاريع توسّعية لتل أبيب في المقام الأول، وبنحو صارخ، ولطهران في المقام الثاني، باتت الحاجة ماسّةً إلى تكتل إقليمي عربي – إسلامي يضمّ دولًا هي السعودية وتركيا وباكستان، وذلك لملء ما يبدو من فراغ استراتيجي أو جيوسياسي في المنطقة، يشكّل عامل صدّ في مواجهة مشاريع توسّعية وعدوانية.
ويُذكر هنا أن جمهورية باكستان الإسلامية لا تقيم علاقات مع الدولة الصهيونية، وكذلك الحال مع السعودية التي تتمسّك بضرورة احترام دولة الاحتلال حقوق شعب فلسطين في أرضه وبناء كيانه الوطني المستقل، لفتح الباب أمام السلام مع الدولة العبرية. أما تركيا فقد خفّضت مستوى تعاونها مع تل أبيب وقطعت العلاقات الاقتصادية معها، في ظروف إيغال تل أبيب في حربها الوحشية ضد سكّان غزّة وعلى أبناء الضفة الغربية المحتلة.
ومن شأن قيام مثل هذا التحالف الثلاثي، (إلى جانب عوامل أخرى، دفع تل أبيب إلى مراجعة حساباتها، والكفّ عن سلوكات الدولة المارقة المشبعة بثقافة استعلائية عنصرية. وكذلك الأمر مع إيران التي سوف تجد نفسها أكثر فأكثر مدعوةً إلى احترام الكيانات العربية وعدم التدخّل في شؤونها، والتوقّف عن نشر الفِتن المذهبية.
وبمناسبة ازدياد الآمال بنشوء تحالف ثلاثي سعودي – باكستاني – تركي، ثمة من يدعو (من باب الشيء بالشيء يذكر) إلى انضمام البلد العربي الكبير مصر إلى هذه الصيغة، وهو ما يدعم الموقف المصري تجاه سدّ النهضة، ويعزّز التوجّه المصري إلى وقف حربَي الإبادة على حدود مصر الجنوبية في السودان، وحدودها الشرقية في غزّة. والكلمة الفصل في هذا الشأن هي للقاهرة.

