شريف أيمن
كاتب وصحافي مصري
لم ينقطع رجاء الحكّام (على مدار التاريخ) من محاولة السيطرة على الفقهاء والعلماء. ومع سيطرة العسكريين على الحكم في غير بلد في النصف الثاني من القرن العشرين، باتت هذه المحاولات أكثر خشونةً عبر حصر مصادر أقوات الدعاة والعلماء في يد الدولة، وهدم الأوقاف التي كانت مصدر استقلالٍ ماديٍّ لهم، فضلًا عن اشتراط التعيين بديلًا من اكتساب الداعية أو الفقيه مكانته وفقًا لجدارته العلمية وأدائه الخطابي. ومعلوم أن علوم الشريعة مفتوحة أبوابها لمن أراد، كما أن لقيود التعليم والتدريس قواعد ضابطة تعصم من التجنّي على تلك العلوم، سواء كان المُتجنِّي من أهلها أو دخيلًا عليها.
نجحت هذه الإجراءات الحكومية بدرجات متفاوتة في مصر، ضامنةً عدم خروج المؤسّسة الدينية الرسمية عن التوجه السياسي للنظام الحاكم، إلى أن جاءت ثورة يناير (2011)، وفتحت الباب أمام مؤسّسة الأزهر، وأحسن شيخه الاستفادة من الفرصة، فأعاد هيئة كبار العلماء بعد نصف قرن من تعطيلها على يد جمال عبد الناصر، وانتزع ضمانات دستورية لاستقلال الأزهر، فضلًا عن مواقف المؤسّسة القوية في التقريب بين الفرقاء السياسيين وإصدار مواقف داعمة لتطلّعات الشعوب نحو الحرية.
عندما انتكست الثورة المصرية، سعى الرئيس عبد الفتّاح السيسي إلى السيطرة على الحالة الدينية في مصر بدلًا من احتوائها. وقد قال في فترة ترشّحه للرئاسة عام 2014: "مفيش حاجة اسمها قيادة دينية تبقى موجودة، لأن المفروض أن رئيس الدولة مسؤول عن كل حاجة فيها حتى دينها (...) أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين". فهو يرى نفسه "قيادةً دينيةً وحيدةً"، حتى وإن لم يكن مؤهّلًا لذلك. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقّف محاولاته للتدخّل في الشأن الديني، بما في ذلك تفاصيل فقهية يجهلها تمامًا ولا علاقة له بها، مثل مسألة الطلاق الشفهي التي أشعلت خلافًا علنيًا مع شيخ الأزهر، ومطالب النظام السياسي المتكرّرة من المشيخة بتكفير المنتسبين إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، رغم خطورة التكفير، واستبعاد بعض الأسماء من مؤسّسة الأزهر في عدّة مواقع قيادية.
جديد إجراءات السيسي أخيرًا اشتراط حضور الدعاة في وزارة الأوقاف دورةً في "الأكاديمية العسكرية المصرية"، وأعلن بكل جرأة أن الشهادة التي ستُمنح لهم ستكون أكبر من شهادة الدكتوراه (!)، وشهدنا كيف أوقف السيسي الدعاة أمامه بشكلٍ غير مناسب يوم 26 نوفمبر 2025، ثم أعلنت الأكاديمية العسكرية المصرية تشكيل مجلس علمي برئاسة وزير الأوقاف لمناقشة الملتحقين بدراسات ما بعد الدكتوراه يوم 27 ديسمبر 2025، ثم حضر السيسي ما يُسمّى في الهيئات العسكرية "كشف الهيئة"، في 31 من الشهر نفسه، لكنّه كان لأئمة الأوقاف لا لعسكريين. و"كشف الهيئة" يتعلّق بالمرشّح وبوضعه الاجتماعي. وهذه سابقة في تاريخ الحالة الدينية في العالم الإسلامي؛ إذ إن شرط الصدارة هو الكفاءة العلمية ولا علاقة للهيئة به إطلاقًا، كما أن لا علاقة الوضع الاجتماعي ومدى التحصيل العلمي للأهل بالكفاءة العلمية كذلك.
اللافت أن موقع مدى مصر (المستقلّ) نشر تقريرًا يفيد باستبعاد 179 إمامًا وخطيبًا من دورة التأهيل للتعيين في وزارة الأوقاف بسبب الوزن أو الإعفاء الطبّي من التجنيد، وهي اشتراطات لا تتوافق مع أصحاب الرسالة الفكرية. ولو كنا، إذن، في زمن ازدهار الحضارة الإسلامية لمَُنع، بناء على هذا، آلاف الفقهاء والعلماء على مدار التاريخ من التصدّر للإفتاء والتعليم بدعوى زيادة الوزن أو عدم اللياقة الطبّية، وما إلى ذلك من الاشتراطات المناسبة للعسكريين. وقد تحدّث السيسي جالسًا أمام دعاة الأزهر عن تاريخ الحضارة الإسلامية وما أنتجته ممّا أسماه "غثًًّا".
إذا كان هناك لوم يُوجَّه إلى الدعاة الذين قبلوا هذا الموقف، فإن التماس العذر لهم يرجع إلى الأوضاع الأمنية في مصر، ما يجعلهم يفكّرون ألف مرّة قبل رفض التعليمات التي يوجّهها إليهم من يجب أن يقفوا على أعتابهم مستفتين ومتعلّمين. ورغم التماس العذر للدعاة، فإن الواجب في حقّ كل حامل لرسالة الدين أن يتمثّل بقول الله تعالى: "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا"، فكان الاعتصام بجلال الله وقوته أكرم وأولى لهم من تقديم الخوف من الحاكم على ذلك.
أما وزير الأوقاف فيبارك ما يحدث ولا يعترض، وهو صاحب واحدة من أغرب العمامات الأزهرية التي نراها بارتفاعها الملحوظ، وكأنه يريد إعلاء رأسٍ أخفضها التمسّح على أبواب "أولي الأمر"، حتى بات مجاورًا لرأس الدولة الحالي منذ أكثر من عقد، هانت فيه الحالة العلمية والدينية في مصر، عندما بات (وشيخه علي جمعة) من رموز المشهد الديني الرسمي في مصر الأزهر.
والعيب أيضًا على كل من وافقوا على إهانة الدعاة بهذه الطريقة، وعلى المسؤولين عن المراسم الذين لم ينبّهوا قادتهم إلى خطورة أمر دعاة يحملون أعظم رسالة وأعلى درجات علمية في تخصّصاتهم، بأن يقفوا أو يجلسوا بهذه الهيئة المعيبة. وسيكون هذا المشهد عارًا على كل من تسبّب وشارك فيه، وعلى قادة المؤسّسة العسكرية أن يرفضوا تكراره. وعليهم (كذلك) تذكّر أن حسني مبارك، وهو قائد عسكري حارب حربًا كبرى، وقف أمام الشيخ الشعراوي مستمعًا ومنصتًا، ولم يوقف مشايخ الأزهر أمامه يومًا، رغم محاولاته الدائمة لتدجين الأزهر واستمالة مشايخه سياسيًا.
من جهة أخرى، يحسن بشيخ الأزهر أن يتدخّل في المسألة. والتدخّل العلني غير مطلوب. يكفي ألا يتكرّر المشهد الذي أساء لعموم المصريين وآلمهم، خصوصًا أن المشهد كان مصحوبًا بخطاب تحقير لدور الحضارة الإسلامية وربطها بالظلام والإظلام. وشيخ الأزهر (نرى مواقفه الدينية تسعى إلى الحفاظ على الأزهر واستقلاله في مناخ شديد العداء لما يفعله) غير مدعو إلى الانخراط في مواجهة مباشرة وعلنية، ويكفي أن تتوقّف هذه المهزلة.
مكانة الأزهر إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة لمصر. وإذا كان بعضهم يجهل مكانة الأزهر وقيمته، في أجهزة الحكم وخارجها، فربما يجدر التذكير ببعض ما قيل في مكانة هذا المكان العظيم. يقول أحمد أمين في كتابه "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية": "والمجاورون (الذين يجاورون الجامع الأزهر من الطلبة) يُحترَمون في بلادهم، فلا يُشغَّلون في السخرة، ولا يُجنَّدون في الجيش (...) وقد كان العلماء في القديم واسطة جيّدة بين الحكومة، أو على الأدق الوالي، وبين الناس، فإذا شكا الجمهور من شيء وسّطوا العلماء في التظلم منه". "وللأزهريين أثر كبير في الحياة المصرية من حيث عاداتهم وتقاليدهم، حتى في الأمور السياسية – إلى يومنا هذا، فقد كان للأزهر دخل كبير في ثورة مصر سنة 1919. ويظهر أكبر تأثيرهم فيمن يتعلّمون في الأزهر من أهل القرى في الأرياف، ثم يعودون إلى بلادهم (...) ولبعضهم أثر كبير سيئ. فإصلاح الأزهر ليس أثره قصرًا عليه، بل يتعدّاه إلى سائر البلاد في العالم الإسلامي". "هذه هي صورة الأزهر أيام كنت طالبًا فيه، أي منذ نحو خمسين عامًا (صدر الكتاب عام 1953)، ولكنه تغيّر ككل شيء، كما تقول الأغنية البلدية: (كل شيء في الدنيا اتحوِّل.. وحُبِّنا مش زي الأول). والحقّ أن للأزهر ميّزات: منها أنه رفع راية الثقافة يوم حوربت الثقافات حتى انكمشت، وأنه كان قبلة المسلمين في الأقطار الإسلامية كلّها، وأن منهجه في التدريس يُعلِّم طلبته الصبر والدقّة، فلا يقبلون من العبارات إلا ما كان دقيقًا منطقيًا ومركّزًا".
وقبل هذا الوصف كتب علي باشا مبارك في كتابه "الخِطط التوفيقية الكبرى": "ولم يزل هذا الجامع [الأزهر] ملحوظًا عامرًا، مشارًا إليه، مقصودًا للاستفادة والتبرّك حتى للملوك والسلاطين، وكل حين يزداد عمارية وشهرة في الآفاق، ويؤتى إليه من جميع البلاد الإسلامية لتعلُّم العلوم الشرعية والعقلية والنقلية، فهو الجامع الجامع، والأزهر الأزهر، والمدرسة الكبرى، به يزول الجهل، وتخلد حياة العلم، فكم بزغت فيه شموس وأقمار، وغرّدت فيه بلابل المعلمين والمتعلمين في العشي والأبكار والأسحار". وكان علي باشا مبارك قد أتم كتابه نهاية عام 1287هجرية، كما يبدو من خاتمة الكتاب، وهو ما يوافق مطلع عام 1871 ميلادية، ونُشر عام 1306هجرية، وهو ما يوافق عام 1888 ميلادية تقريبًا.
وبالعودة إلى قرون سابقة، نجد أن ابن ظهيرة كتب في كتابه "الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة" عام 871 هجرية (1466ميلادية)، فصلًا بعنوان: "فصل في ذكر ما اختصّت به مصر والقاهرة وأهلها من محاسن وفضائل، وما شاركه فيه غيرها (وهو قليل بالنسبة إليها، على سبيل التفصيل)": "الثالث: جامعها الأزهر بالخصوص، فليس في الدنيا الآن، فيما أعلم، له نظير، ولا ينقطع ذكر الله تعالى عنه طرفة عين في ليل ولا نهار، وفيه أروقة لأصناف من الخلق منقطعين لعبادة الله تعالى، والاشتغال بالعلوم وتلاوة القرآن، لا يفترون ساعة".
هذه سيرة الأزهر العطرة على مرّ القرون وتعاقب الأيام والليالي. لكن أسامة السيّد، المنتسب إلى الأزهر، يستكمل خطًّا بدأه شيخه علي جمعة، أوصل الأزهر إلى هذا الموقف المُخزي، وبات مستحقًّا للازدراء. وسيبقى الأزهر، في المقابل، عصيًّا على التدمير، حتى إن تراجعت قوته بسبب شيوخ السلطان، أو بسبب سلطان غشوم غشيم غارق في الجهل والإخفاق في كل ما يقول ويفعل، يريد أن يسحق الحالة الدينية لأنه يراها سببًا لما يسمّيه "التطرّف"، بينما قتله وإفقاره للناس هو أصل العنف. فالتطرّف بدأ من عنده ويتغذّى من سلوكه.

