كشف تقرير ستاندرد آند بورز غلوبال عن عودة انكماش القطاع الخاص غير النفطي في مصر خلال فبراير 2026، للمرة الأولى منذ 4 أشهر، مع تراجع الطلب وارتفاع ضغوط التكاليف، في وقت تتجه فيه الدولة لبيع أصول استراتيجية مثل شركات الموانئ وسط ضغوط مالية متزايدة.

 

مؤشر مديري المشتريات هبط إلى 48.9 نقطة في فبراير مقابل 49.8 نقطة في يناير. الرقم أقل من عتبة 50 نقطة الفاصلة بين النمو والانكماش. ورغم أنه لا يزال أعلى من متوسطه التاريخي البالغ 48.3 نقطة، فإن الاتجاه يعكس تباطؤًا واضحًا في النشاط.

 

البيانات تأتي في لحظة حساسة. الاقتصاد يواجه ضغوطًا خارجية. تكاليف ترتفع. والطلب يتراجع. وفي الخلفية، تزداد وتيرة صفقات الأصول الكبرى.

 

الطلب يتراجع… والإنتاج ينكمش

 

الإنتاج انخفض للمرة الأولى منذ أكتوبر 2025. المؤشرات الفرعية الخمسة أظهرت ضعفًا في ظروف الأعمال مقارنة بشهر يناير. النشاط لم يتوقف، لكنه تباطأ بشكل ملحوظ.

 

ديفيد أوين، المحلل الاقتصادي لدى ستاندرد آند بورز غلوبال انتليجنس، قال إن بيانات فبراير تشير إلى تباطؤ القطاع الخاص غير النفطي مع تراجع النشاط وضعف أحجام الطلبيات الجديدة. الانكماش كان طفيفًا، لكنه واسع النطاق.

 

الطلبيات الجديدة انخفضت في الصناعات التحويلية، والبيع بالجملة والتجزئة، والخدمات. قطاع البناء كان الاستثناء الوحيد، إذ سجل زيادة في الأعمال الجديدة. لكن مساهمته لم تكن كافية لتعويض التراجع في القطاعات الأخرى.

 

الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، يرى أن “هبوط المؤشر تحت 50 نقطة في ظل ضغوط تضخمية يعني أن الشركات تعمل في بيئة مزدوجة المخاطر”. ويضيف أن تراجع الطلب يعكس ضعف القوة الشرائية المحلية وتأثر الصادرات بالاضطرابات الإقليمية.

 

الانكماش ليس حادًا، لكنه يأتي بعد فترة قصيرة من التحسن النسبي. وهذا يعزز صورة اقتصاد يتحرك على حافة النمو دون قدرة على الانطلاق.

 

تكاليف ترتفع… وأسعار البيع ثابتة

 

ضغوط التكاليف ارتفعت بقوة خلال فبراير، مدفوعة بزيادة أسعار السلع العالمية، خصوصًا النفط والمعادن. التقرير أشار إلى أكبر زيادة في تكاليف الأعمال خلال 9 أشهر.

 

ورغم ذلك، لم تشهد أسعار البيع تغيرًا يُذكر. نسبة صغيرة فقط من الشركات مررت الزيادة إلى العملاء. هذا يعني أن هوامش الربح تتآكل.

 

الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، تؤكد أن “عدم قدرة الشركات على تمرير التكلفة يعكس ضعف الطلب”. وتضيف أن استمرار هذا الوضع سيضغط على أرباح القطاع الخاص ويؤثر على قدرته التوسعية.

 

إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، قد تواجه الشركات خيارًا صعبًا. إما رفع الأسعار والمخاطرة بفقدان العملاء، أو تحمل الكلفة على حساب الأرباح. كلا الخيارين يحد من الاستثمار.

 

تراجع معدلات التوظيف للشهر الثالث على التوالي يعكس هذا الضغط. الشركات جمدت التوظيف وخففت التسريح. لكنها لم تتوسع. سوق العمل يتحرك ببطء.

 

مناخ أعمال هش… ورسائل متناقضة

 

رغم أن المؤشر عند 48.9 نقطة أعلى من متوسطه الطويل البالغ 48.3، فإن الاتجاه العام يظل دون مستوى النمو المستدام. الفارق بسيط رقميًا، لكنه كبير معنويًا.

 

الدكتور هاني توفيق يرى أن “الاقتصاد المصري يعيش في منطقة رمادية”. لا انهيار. ولا تعافٍ قوي. ويشير إلى أن أي صدمة خارجية إضافية، مثل ارتفاع النفط أو تراجع السياحة، قد تدفع المؤشر إلى مستويات أدنى.

 

البيانات تعكس أيضًا مفارقة. الحكومة تمضي في صفقات استراتيجية لجذب استثمارات خارجية، مثل تحركات «موانئ أبوظبي» في قطاع الموانئ. وفي الوقت نفسه، يعاني القطاع الخاص المحلي من ضعف الطلب وضغوط التكلفة.

 

الحرب الامريكية الإيرانية تظهر صورة اقتصاد يحاول التوازن بين إصلاحات هيكلية وضغوط سوقية آنية. القطاع الخاص غير النفطي يمثل العمود الفقري للنشاط المحلي. وإذا ظل في منطقة الانكماش، سيؤثر ذلك على النمو الكلي.

 

انخفاض الإنتاج لأول مرة منذ أكتوبر ليس رقمًا عابرًا. بل مؤشر على أن التعافي الذي بدأ أواخر 2025 لم يترسخ بعد. ضعف الطلبيات الجديدة يعني أن الأشهر المقبلة قد تشهد استمرار التباطؤ إذا لم يتحسن الطلب.

 

في ختام المشهد، تتراكم المؤشرات. انكماش طفيف. تكاليف مرتفعة. توظيف متراجع. صفقات أصول كبرى في الخلفية. والقطاع الخاص ينتظر استقرارًا أوسع في بيئة الأعمال قبل أن يستعيد زخمه الكامل.