في سابقة لافتة، رُفعت جلسات مجلس النواب المصري دون تحديد موعد واضح للعودة، تحت عنوان “أسباب تنظيمية” مرتبطة بإلحاق الأعضاء الجدد ببرنامج تدريبي يُعقد في الأكاديمية الوطنية للتدريب وبمقر المجلس في العاصمة الإدارية. 

 

القرار قُدّم باعتباره خطوة “تأهيل” طبيعية، لكن توقيته—وسط كثافة طعون انتخابية وقرارات قضائية مؤجلة—حوّله إلى مادة جدل: هل نحن أمام تنظيم إداري، أم أمام تعطيل عملي للوظيفة التشريعية في لحظة يفترض فيها أن يبدأ البرلمان عمله الرقابي والتشريعي فورًا؟

 

“رفع الجلسات دون عودة”.. تعطل بلا سقف زمني ومعنى سياسي يتجاوز التنظيم

 

تقارير صحفية تحدثت عن رفع الجلسات “دون تحديد موعد العودة”، وربطت ذلك بتنظيم دورة تدريبية للنواب الجدد.

 

ووفق ما نشرته وسائل محلية، يمتد البرنامج التدريبي على أيام متفرقة حتى 29 يناير، بين مقر الأكاديمية الوطنية للتدريب ومقر مجلس النواب بالعاصمة الإدارية. 

 

المشكلة هنا ليست في “التدريب” كفكرة؛ فالمؤسسات البرلمانية المحترفة تُدرّب أعضاءها على اللائحة وآليات التشريع والرقابة. الإشكال في المنطق الذي يُقدّم التدريب كبديل مؤقت عن انعقاد البرلمان، وكأن المؤسسة التشريعية لا تستطيع الجمع بين التعلم والعمل، أو وكأن أول اختبار للبرلمان هو أن يتوقف عن أداء دوره حتى تُعيد جهة تنفيذية/مرتبطة بالرئاسة “تأهيله”.

 

هكذا يتحول التعطيل من إجراء فني إلى رسالة سياسية: البرلمان يبدأ مشواره معلّقًا، ومشروطًا بترتيبات خارجية، بدل أن يبدأ باعتباره سلطة قائمة بذاتها.

 

الطعون وقرارات النقض.. برلمان يبدأ فوق أرض غير ثابتة

 

في الخلفية، هناك ملف لا يقل حساسية: طعون صحة العضوية. تغطيات متعددة أشارت إلى إحالة طعون انتخابية لمحكمة النقض، وإلى كونها محطة حاسمة في تقرير مصير عدد من النتائج. 

 

وفي 17 يناير 2026، قررت محكمة النقض مدّ أجل الحكم في طعن بارز متعلق بقطاع “غرب الدلتا” إلى جلسة 7 فبراير.

 

كما تناولت صحف محلية جلسات للنقض للفصل في طعون متعلقة بنتائج مراحل انتخابية، بما يعكس حجم النزاع القضائي المصاحب لبداية البرلمان.

 

هنا يصبح تعطيل البرلمان أكثر خطورة: حين تتراكم الطعون وتؤجل أحكام حاسمة، فإن الحاجة الطبيعية هي مزيد من الشفافية والنقاش البرلماني حول قواعد العملية الانتخابية وضماناتها، لا أقل. لكن ما يحدث عمليًا أن المؤسسة التي يفترض أن تفتح الملفات وتراجع القوانين وتستدعي الحكومة، تُرفع جلساتها في لحظة سياسية وقانونية حساسة، بما يخلق فراغًا مقصودًا أو على الأقل “مريحًا” للسلطة التنفيذية.

 

فوضى الأداء أم أزمة تصميم؟ من “برلمان رقابي” إلى “برلمان مُدار”

 

تفسير التعطيل بحجة أن بعض النواب “لا يعرفون العمل البرلماني” يظل حتى لو صدق في بعض الحالات إدانة للنظام الذي أفرز هذه التركيبة: كيف تُدار انتخابات تُنتج كتلة كبيرة تحتاج إلى “دورة إنقاذ” قبل بدء العمل؟ وكيف يُترك الإعداد المؤسسي الحقيقي حتى ما بعد إعلان النتائج؟

 

وفي نقد أوسع لطبيعة المنافسة السياسية، تناول تقرير صحفي أن طعنًا أمام النقض اعتبر ما جرى “خرج عن كونه انتخابات تنافسية وتحول عمليًا إلى استفتاء على قائمة واحدة”، بما يضعف معنى التمثيل ويُفرغ البرلمان من جوهره كمساحة صراع سياسي مشروع ورقابة على الحكومة.

 

والأكثر دلالة أن التدريب يتم عبر الأكاديمية الوطنية للتدريب وهي كيان يُقدَّم إعلاميًا بوصفه قناة تأهيل مرتبطة بالدولة  الرئاسة ما يفتح سؤال الاستقلال: هل يُفترض بالبرلمان أن يتلقى “التأهيل” من خارج مؤسساته، أم يبني أدواته من خلال لائحته وأمانته العامة وخبرائه؟

 

حين تُدار بدايات البرلمان بهذا الشكل، يصبح التعطيل جزءًا من “هندسة السيطرة”: برلمان يبدأ من نقطة التبعية، لا من نقطة الندية بين السلطات.

 

تعطيل البرلمان هو تعطيل للناس

 

تعليق أعمال البرلمان “لأسباب تنظيمية” ليس تفصيلًا إداريًا؛ إنه تعطيل لأداة رقابة المواطنين في مواجهة حكومة تُمسك بالقرار الاقتصادي والأمني بلا كلفة سياسية حقيقية. في لحظة تشهد طعونًا مؤجلة وملفات ملتهبة، يصبح إغلاق قاعة البرلمان ولو مؤقتًا هدية مجانية للسلطة التنفيذية، ورسالة بأن الأولوية ليست للتشريع والرقابة، بل لإدارة الصورة وترتيب الصفوف.

 

إذا كانت الدولة جادة في بناء مؤسسة تشريعية محترمة، فالتدريب لا يكون ذريعة لوقف العمل، ولا يكون تحت سقف “معلّق” بلا موعد عودة، ولا يكون بديلاً عن الانعقاد الدائم ومحاسبة الحكومة. أما استمرار هذا النمط، فهو دليل إضافي على أن “حكومة الانقلاب” لا تريد برلمانًا قويًا… بل تريد برلمانًا يتوقف متى طُلب منه التوقف، ويعود متى سُمِح له بالعودة.