خلال الفترة من 11 إلى 16 يناير 2026 أجرى وزير التعليم الإسرائيلي يوآف كيش زيارة رسمية إلى دولة الإمارات على رأس وفد من وزارة التعليم ومجلس التعليم العالي، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ اتفاقيات أبراهام. اللافت أن الإعلان عن الزيارة جاء بعد انتهائها، إذ أشارت تقارير إلى أنها خضعت لاعتبارات أمنية ورقابة إعلامية حتى عودة الوفد. 

 

وبينما قُدمت الزيارة على أنها “توسيع للتعاون” و”تبادل خبرات”، فإن ما تسرّب عن مضمون النقاشات—خصوصًا ما يتعلق بالمناهج—فتح بابًا واسعًا للجدل حول حدود هذا التعاون، ومن يدفع ثمنه داخل الفصل الدراسي.

 

ماذا حدث في أبوظبي؟ تفاصيل الزيارة واللقاءات

 

بحسب ما نُشر، التقى كيش بوزيرة التربية والتعليم الإماراتية سارة الأميري، إلى جانب مسؤولين آخرين، كما شملت الجولة زيارات لمؤسسات أكاديمية مثل جامعة خليفة وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مواقع ذات طابع ديني/ثقافي مثل “بيت العائلة الإبراهيمية”.

 

الجانب الإسرائيلي تحدث صراحة عن أن هدف الزيارة هو توسيع التعاون في التعليم والتعليم العالي وفتح مسارات بحث علمي مشترك، وجرى تداول أفكار حول مشروع تعاون في الذكاء الاصطناعي.

 

ومن زاوية إماراتية، جرى تسويق اللقاء بوصفه استعراضًا لتجربة الإمارات التعليمية و”استكشاف فرص تطوير العمل المشترك” و”تبادل الخبرات” بما يخدم “التطلعات المشتركة”.

 

“المناهج” في قلب النقاش: أين يبدأ التعليم وأين تنتهي السياسة؟

 

أخطر ما ورد في التغطيات ليس الحديث العام عن “التعاون”، بل الإشارة إلى أن المناقشات تطرقت إلى المناهج الدراسية وما يرتبط بـ اليهود/إسرائيل/الهولوكوست داخل المحتوى التعليمي. 

 

هنا تحديدًا يبدأ السؤال الحساس: هل نتحدث عن إثراء معرفي يضيف موضوعات تاريخية وإنسانية بصورة متوازنة، أم عن إعادة هندسة للسرد بحيث يصبح المنهج أداة لتطبيع سياسي مُقنّع تحت لافتة “التحديث”؟

 

المشكلة ليست في تعليم التاريخ بحد ذاته، بل في من يضع الإطار: هل سيكون إطارًا نقديًا متعدد الزوايا يراعي السياق الإقليمي وحقوق الفلسطينيين، أم إطارًا انتقائيًا يُقَدِّم رواية واحدة ويُهمّش أخرى؟ لأن المنهج حين يُكتب تحت ضغط التحالفات، يتحول من “تعليم” إلى “توجيه”.

 

وفوق ذلك، فإن الإعلان المتأخر عن الزيارة يضيف طبقة من الشك: إذا كان كل شيء “طبيعيًا” و”أكاديميًا”، فلماذا أُحيطت الزيارة بهذا القدر من الحساسية؟

 

سياق أوسع: مسار قديم يتجدد واتفاقيات تُترجم داخل المدارس

 

هذه الزيارة لا تأتي من فراغ؛ فهناك اتفاق/مذكرة تفاهم تعليمية بين الإمارات وإسرائيل تعود إلى نوفمبر 2021، وتتحدث عن لجنة مشتركة وتبادل زيارات وبرامج طلابية وتعاون مؤسسي وتدريب وفعاليات مشتركة. 

 

أي أن المشهد الحالي يبدو كحلقة جديدة في مسار يحاول نقل “السلام الدبلوماسي” إلى الجامعات والمدارس. لكن الإشكال أن المدرسة ليست منصة علاقات عامة، والطالب ليس مادة اختبار لنجاح التحالفات.

 

التعاون الأكاديمي يمكن أن يكون مفيدًا حين يُدار بشفافية ويخضع لرقابة مجتمعية ومعايير تربوية واضحة. أما حين يُقدَّم كأمر واقع، ويُدار خلف الأبواب ثم يُعلن بعد انتهائه، فإنه يتحول إلى سياسة “فرض هادئ” تُربك المجتمع وتُفقد العملية التعليمية ثقتها ومصداقيتها.

 

وأخيرًا فان التعليم ليس مساحة للمقايضة السياسية

 

المأخذ الأساسي على الإمارات هنا ليس مجرد استقبال مسؤول إسرائيلي، بل طريقة إدارة الملف: “سرية/تأخير إعلان”، ثم خطاب ناعم عن “التطوير” دون كشف تفاصيل كافية للرأي العام حول ما الذي سيُناقش داخل المناهج وما هي الضمانات. 

 

إذا كانت الإمارات ترى نفسها نموذجًا تعليميًا عالميًا، فالقاعدة الأولى لأي نموذج محترم هي الشفافية والمحاسبة: ما الذي سيتغير؟ ومن يراجعه؟ وكيف نضمن ألا يتحول المنهج إلى “ساحة تلميع” بدلًا من مساحة معرفة؟

 

التعليم في المنطقة يحتاج تحديثًا حقيقيًا: جودة، مهارات، بحث علمي، تفكير نقدي. لكنه لا يحتاج إلى “تحديث انتقائي” يُدخل السياسة من بوابة التاريخ، ثم يطالب المجتمع بالتصفيق. باختصار: لا قيمة لأي نهضة تعليمية إذا كانت تُدار كملف علاقات عامة، وتُكتب بعين على التحالفات أكثر من عينها على الطالب والهوية والعدالة.