تحوّل أطباء الامتياز في المستشفيات الجامعية من طلاب قيد التدريب إلى العمود الفقري الفعلي لغرف الطوارئ والأقسام الداخلية، في ظل عجز كبير في أعداد الأطباء، ونظام إداري وجد فيهم الحلقة الأضعف والأسهل لاستغلالها. بدلًا من أن تكون سنتا الامتياز مساحة للتعلم العملي تحت إشراف الأطباء الأقدم، أصبحت – بحسب شهاداتهم – فترة “سَخرة مقنّنة” يعملون فيها حتى 18 و24 ساعة يوميًا، مقابل مكافأة لا تتجاوز 2500–2600 جنيه، لا تكفي سكنًا ومعيشة وكورسات، فضلًا عن الاستعداد للامتحانات ومستقبلهم المهني.
هذا الواقع لا يهدد فقط جودة تدريب جيل كامل من الأطباء، بل ينعكس مباشرة على سلامة المرضى في أقسام الطوارئ، حين يُترك طالب امتياز في مواجهة حالات حرجة، بلا إشراف كافٍ ولا وقت يسمح بالتعلم الحقيقي.
من متدربين إلى خط دفاع أول في الطوارئ
بحسب شهادة الطبيب «أ. البدري»، القادم من إحدى مدن الصعيد لقضاء سنتي الامتياز في مستشفى جامعي بالقاهرة، فإن تغيير نظام الدراسة إلى ٥ سنوات نظري وسنتين امتياز عملي لم يتحوّل على أرض الواقع إلى فرصة أفضل للتدريب كما رُوِّج له؛ لأن الامتياز في الواقع «تحوّل إلى شغل على طول اليوم، دون استفادة عملية حقيقية من الأطباء الأكبر».
نظام الامتياز يفترض أن يقضي الطبيب في السنة الأولى ٣ أشهر في كل من الأقسام العامة (باطنة – جراحة…)، ثم في السنة الثانية يمر على ٤ تخصصات إجبارية واختيارية، منها طب الأسرة (غالبًا في وحدات صحية خارج المستشفى)، والنفسية، والتخدير، والرعاية، والطوارئ، مع تخصصات يختارها لاحقًا. نظريًا، هذا التوزيع يضمن تعرُّضًا واسعًا للتخصصات، لكن عمليًا تُبتلع هذه الفرص داخل دوامة النوبتجيات ونقص الأطباء.
طبيب الامتياز «م. محمود» يصف الواقع بوضوح: من المفترض أن يكون وجوده في الطوارئ تحت إشراف مباشر من مقيمين وأخصائيين واستشاريين، لكن بسبب العجز الشديد في الأطباء، يجد نفسه المسؤول الأول عن استقبال الحالات وتشخيصها مبدئيًا، بينما يكون نائب القسم مشغولًا بمتابعة الحالات المحجوزة، وقد يطول الوقت قبل وصوله، في حين يكون المريض «محتاج كل دقيقة علشان يتلحق».
هكذا تتحوّل الطوارئ – أخطر نقطة تماس بين المنظومة الصحية والمواطن – إلى مدرسة معكوسة: طالب الامتياز لا يتعلم فيها، بل يُدفَع ليتحمل مسؤولية تفوق خبرته وسنه، في بيئة ضغط مستمر، ومخاطر مهنية وقانونية وأخلاقية هائلة.
18 ساعة عمل و2600 جنيه: امتياز أم استنزاف منظم؟
نظريًا، تمتد نوبتجية الامتياز 8 ساعات، ويُفترض أن يكون عدد النوبتجيات بين 10 و12 نوبتجية شهريًا، موزعة بين طوارئ وأقسام ومرور وعيادات. لكن الواقع – كما يرويه محمود وزملاؤه – أن الأطباء يتفقون بينهم عمليًا على نوبتجيات تمتد ١٢ ساعة، وأن كثيرين منهم يؤدون نوبتجيات بديلة عن زملائهم، إما لمساعدتهم على المذاكرة أو لحاجتهم الملحة إلى المال.
الطبيب «أ. عاطف» يختصر المأساة: يحصل طبيب الامتياز على 2600 جنيه شهريًا، يدفع منها ألف جنيه سكنًا بالقرب من المستشفى، ويتبقى له ما لا يكفي لطعام أو مواصلات أو كتب وكورسات. يسأل بمرارة: «أنا عندي 25 سنة، وبالمرتب ده هلحق أتجوز إمتى؟ وأشوف حياتي إمتى؟ ده غير الجيش اللي ممكن يوصل لـ3 سنين، وبعدها فترة النائب في القسم».
في بعض الفترات، قد يصل إجمالي ساعات العمل الفعلية إلى 16 أو 18 ساعة يوميًا، كما يصف أكثر من طبيب؛ إذا جمع الطبيب بين عيادة صباحية ونوبتجية طوارئ ليلية، أو إذا أخذ ورديات إضافية مكان زملائه. الطبيب «م. مؤمن» يلخّصها بجملة واحدة: «أكبر عقبة في الامتياز هي توفير عائد مادي جيد وتوفير وقت للمذاكرة… لو بنأخذ مرتبات كويسة مش هنلجأ للنوبتجيات البديلة وهنلاقي وقت نذاكر؛ لكن ده مش بيحصل».
هكذا يصبح الأجر الهزيل سببًا مباشرًا في إرهاق مضاعف: الطبيب يبيع مزيدًا من وقته وصحته ليتمكن فقط من البقاء بجوار المستشفى، بينما لا يجد وقتًا حقيقيًا لتطوير نفسه علميًا، ولا ليعيش حدًا أدنى من حياة إنسانية طبيعية.
تدريب غائب ومستقبل غامض لجيل كامل من الأطباء
المفارقة الأشد قسوة أن فترة الامتياز هي الفترة المفصلية في تكوين الطبيب؛ يفترض فيها أن يرى حالات متنوعة، تحت إشراف فعلي، وأن يكتسب مهارات فحص وتشخيص وعلاج، وأن يجد وقتًا للمذاكرة استعدادًا لامتحانات ومفاضلات تحدد تخصصه ومستقبله.
لكن شهادات الأطباء تكشف أن الامتياز تحوّل إلى فترة “مقاولة” لا تعليم:
في الأقسام، يقوم طبيب الامتياز بفحص المرضى، وقياس الضغط والسكر، وطلب التحاليل، وتسجيل كل شيء في ملف المريض، وتجهيز الحالات للطبيب المقيم أو الأخصائي، ثم متابعة التطورات وإبلاغهم بها.
في الطوارئ، يستقبل الحالات ويضع التشخيص المبدئي ويطلب الإسعافات والاشعات، ثم ينتظر أن يمر عليه طبيب أكبر – إن استطاع.
في العيادات الخارجية، تكون الفرصة الأفضل نسبيًا؛ حيث يجلس إلى جوار الطبيب المسؤول ويتعلم منه مباشرة، لكنها – كما يقول عاطف – أقل عددًا وأخف ضغطًا من الطوارئ والأقسام، فلا تكفي لتعويض ما يفوته من تدريب حقيقي.
إلى جانب ذلك، يظل طبيب الامتياز أسير أسئلة شخصية ثقيلة: متى سينتهي من الامتياز؟ متى يخدم في الجيش؟ متى يبدأ فترة النيابة؟ متى يكون قادرًا على تكوين أسرة أو الاستقرار ماديًا؟ هذه التساؤلات تضغط على جيل كامل يرى زملاءه في تخصصات أخرى يدخلون سوق العمل مبكرًا بأجور أفضل واستقرار أكبر.
في النهاية، «أطباء الامتياز» اليوم ليسوا فقط ضحايا لعجز الأطباء في المستشفيات الجامعية، بل ضحايا سياسة صحية قررت سد الفجوة بأضعف حلقة في السلسلة. النتيجة أن المنظومة تكسب عمالة رخيصة على المدى القصير، لكنها تخسر على المدى المتوسط والطويل أطباء مكتئبين، مرهقين، لم يحصلوا على تدريب حقيقي، ويبحث كثير منهم عن أي فرصة للهجرة خارج البلاد بدلًا من البقاء في نظام لا يعترف بحقهم في أجر عادل ولا في تعليم محترم، رغم أنهم خط الدفاع الأول عن صحة المجتمع.

