أعادت رسالة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وعرضه استئناف الوساطة في أزمة سد النهضة، فتح ملف النيل على اتساعه؛ إذ تباينت ردود الفعل بين من يراها فرصة جديدة لاحتواء التصعيد، ومن يحذر من «فخ» أمريكي يعيد صياغة قواعد اللعبة دون أن يضمن حقوق مصر المائية.

وبين الموقف الرسمي الذي يكرر أن «الكرة في ملعب إثيوبيا»، والطيف الواسع من التحليلات الصحفية والحقوقية، تبدو الساحة المصرية أمام جدل محتدم حول جدوى التعويل على واشنطن مرة أخرى، وحدود الدور الأمريكي في القرن الأفريقي.

 

رؤية رسمية تربط الوساطة بالأمن في القرن الأفريقي

 

وزير الري الأسبق، الدكتور محمد نصر علام، ينطلق من أن المبادرة الأمريكية لن تحل الأزمة ما لم تتوافر لدى أديس أبابا إرادة سياسية جادة؛ فـ«الكرة في ملعب إثيوبيا»، كما يقول.

ويذكّر بأن الدول الثلاث سبق أن تفاوضت تحت إشراف وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي وصولًا إلى «اتفاق واشنطن» عام 2020، ووقّعت مصر عليه بالأحرف الأولى، بينما تراجعت إثيوبيا عن الحضور للتوقيع، ما يعني أن «مسودة اتفاق» موجودة بالفعل، ولا ينقصها إلا توقيع إثيوبي لإنهاء الأزمة إذا أرادت.

ويربط علام بين المبادرة الأمريكية والصراع في القرن الأفريقي، معتبرًا أن التوصل لاتفاق حول السد أصبح جزءًا من معادلة الاستقرار في المنطقة ومصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

 

هذه الخلفية تلقي ضوءًا إضافيًا على مضمون رسالة ترامب كما عرضها الناشط إسماعيل حسني؛ إذ يشير إلى أن ترامب أشاد في خطابه بدور القاهرة في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وأعلن استعداده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا، مع إرسال نسخ من الرسالة إلى قادة السعودية والإمارات وإثيوبيا والسودان، ما يعكس رغبة أمريكية في الإمساك بخيوط الملف إقليميًا.

 

 

بين الترحيب الحذر والتساؤل عن «المقابل»

 

في معسكر يميل إلى قراءة الرسالة بإيجابية، يرى الصحفي مؤمن فندي أن خطاب ترامب إلى السيسي «رسالة بالغة الأهمية» وتنطوي على «قدر كبير من الاحترام لمصر ورئيسها»، بل يصفها بأنها من أفضل الرسائل التي قرأها بين رئيس أمريكي ورئيس مصري، وتوحي – في تقديره – بأن حل قضية المياه بات قريبًا، كما تتضمن اعترافًا واضحًا بمجلس السيادة السوداني سلطةً شرعيةً في الخرطوم من خلال إرفاق نسخة منها إلى الفريق عبد الفتاح البرهان.

 

 

الصحفي خالد محمود يتناول الرسالة من زاوية أخرى؛ إذ يقدّم «تحليلًا سياسيًا جديدًا» حول السد الإثيوبي ورسالة ترامب وتداعيات «ساعة الصفر» في ملف المياه، متوقفًا عند الإشارات العسكرية والسياسية التي تضمنها الخطاب، وطارحًا سؤالًا صريحًا: هل ما يجري «وساطة أم فخ؟».

 

 

من جهته، يطرح الصحفي علاء البيومي سلسلة تساؤلات من قبيل: «ترامب وسد النهضة؟ تطويق مصر؟ ماذا يريد ترامب من مصر؟ ولماذا تذكر السد في اللحظة الراهنة؟ فخ؟»، في إشارة إلى شكوك عميقة في دوافع واشنطن وتوقيت التحرك.

 

 

الإعلامي مصطفى عاشور يذهب أبعد، متسائلًا بسخرية: إذا كان ترامب «يُظهر القلق» على عطش المصريين، فلماذا موّلت واشنطن سد النهضة كما اعترف بنفسه بأن التمويل أمريكي؟

 

 

أما السفير المصري السابق في إسبانيا أيمن زين الدين فيتبنّى موقفًا دبلوماسيًا متحفظًا؛ إذ يتمنى «عدم التعاطي» مع عرض ترامب للوساطة، حتى لو بدا من الحكمة عدم رفضه صراحة، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على هامش مناورة دون الوقوع تحت ضغط أمريكي مباشر.

 

 

المحامي أسامة شتات يعضّد هذه الرؤية، معتبرًا أن كلام السفير «سليم»، لأن ترامب – في رأيه – يسعى في الأغلب إلى «توريط مصر»، داعيًا إلى التعامل معه بحذر شديد «فهو ليس له كلمة في كل الأحوال».

 

 

وتسلّط شرين هلال الضوء على بُعد إعلامي آخر، بنشرها فيديو تحليل للصحفية أسماء الحسيني، مدير تحرير الأهرام والمتخصصة في الشؤون الأفريقية والعربية، لخطاب ترامب وعرضه الوساطة، ما يعكس اهتمامًا متزايدًا داخل دوائر الصحافة المصرية المتخصصة بتفكيك دلالات الرسالة.

 

 

في السياق نفسه، يطرح الإعلامي أسامة جاويش سؤالًا بسيطًا ومباشرًا: «ترامب يعرض على السيسي الوساطة في أزمة سد النهضة.. يا ترى إيه المقابل؟»، ليعيد النقاش إلى نقطة جوهرية تتعلق بثمن أي وساطة أمريكية محتملة سياسيًا أو استراتيجيًا.

 

 

خطاب مقلق

 

الصحفية ماجدة القاضي تقدم قراءة شديدة النقد للخطاب الأمريكي؛ إذ تصفه بأنه «ليس وديًا بالمرة»، وترى أن اعتباره رسالة تهدئة «قراءة سطحية خاطئة».

فالخطاب – برأيها – لا يحمل وعودًا ولا ضمانات ولا ضغطًا على إثيوبيا، بل يعمل على «إعادة تعريف الأزمة وضبط حدود الحركة داخلها». لا يقول لمصر «نحن معك»، ولا يطالب أديس أبابا بالتراجع، بل يوجّه رسالة للطرفين مفادها: «لا تغيّروا قواعد اللعبة، أنا ربكم الأعلى لن أسمح بذلك»، مستخدمًا لغة تبدو هادئة لكنها «تفرغ القضية من مضمونها».


 

من زاوية أخرى، تكتب الصحفية رانيا الخطيب أن سد النهضة أصبح «أمرًا واقعًا بموافقة مصرية على مدار عشر سنين»، معتبرة أنه لو كانت هناك نية لأي تحرك مصري حقيقي «لكنا حلّينا من زمان»، وأن أقصى ما يمكن توقعه من الوساطات هو «أي شيء» تحصل عليه القاهرة من إثيوبيا ليُقدَّم للجمهور على أنه انتصار، حتى لو كان «وهميًا».

 

 

المدوّن والناشط وائل عباس يصف بيان ترامب بأنه «يفتقر إلى اللياقة ويتضمن تهديدات»، ما يشير إلى أن الرسالة – في نظره – لا تُعامِل مصر كشريك، بل كطرف يُملى عليه مسار محدد تحت طائلة الضغط.

 

 

الناشط خالد السرتي يذهب إلى نقد أكثر جذرية، منتقدًا «تناول النخبة المصرية لكارثة سد النهضة» ومندهشًا من الاختلاف في تفسير بيان ترامب بين من يراه ضغطًا على السيسي ومن يراه محاولة مساعدة مقابل ثمن. ويعتبر أن «الكارثة» تكمن في أن هناك من يظن حتى الآن أن السيسي يمكن أن يُضغط عليه بالسد، بينما – في رأيه – «ليس أقل حرصًا على إتمام السد من آبي أحمد».

 

ويسأل بحدة: ما الذي اكتشفه النظام فجأة حتى يصعّد لغة الخطاب الآن ويعترف بخطورة ما كان يصرخ به المعارضون منذ عشر سنوات؟

 

وساطة مشروطة أم إعادة تموضع أمريكي؟

 

مجمل هذه المواقف يرسم لوحة معقدة: وزير سابق يرى أن الحل في يد إثيوبيا، وصحفيون يعتبرون رسالة ترامب فرصة أو نقطة تحول، في مقابل آخرين يحذرون من «فخ» يهدف إلى تثبيت أمر واقع وإعادة تعريف الأزمة بما يتوافق مع مصالح واشنطن. في الخلفية، يبقى سؤال «المقابل» حاضرًا بقوة: هل تسعى الإدارة الأمريكية – الحالية أو القادمة – إلى استثمار دور مصر في ملفات إقليمية، من غزة إلى البحر الأحمر، مقابل تحريك بطيء لملف المياه دون ضمانات حقيقية؟

 

بين التفاؤل الحذر والتشكيك الصريح، يتفق كثير من الأصوات على أن الاعتماد على الوساطة وحدها لا يكفي؛ فبدون إرادة سياسية إثيوبية واضحة، واستراتيجية مصرية صلبة تستند إلى أوراق ضغط قانونية ودبلوماسية واقتصادية، سيظل أي خطاب أمريكي عرضة لأن يُقرأ كجزء من إدارة الأزمة لا حلّها، وكأداة لضبط السقوف لا لاستعادة الحقوق التاريخية في مياه النيل.