عادت قضية الديون العامة في مصر لتتصدر النقاش العام مع بدء عمل مجلس النواب الجديد، وتصاعد التساؤلات حول مستقبل الحكومة الحالية وقدرتها على التعامل مع واحد من أخطر الملفات الاقتصادية في البلاد. وجاء هذا الاهتمام المتجدد بعد حديث رسمي عن قرب إطلاق استراتيجية جديدة لإدارة الدين، جرى تأجيلها قرابة عام كامل من دون تفسير مقنع، ومع تسريبات عن إعداد «سردية حكومية» شاملة لتبرير المسار القائم أكثر من تقديم بديل حقيقي له.
بالتوازي، عاد إلى السطح طرح مقترحات قديمة بثوب جديد، في مقدمتها ما يُعرف إعلاميًا بـ«المقايضة الكبرى» التي تربط بين خفض الدين واستخدام أصول الدولة أو تحميل البنك المركزي بأعباء إضافية، في مشهد يثير قلقًا متزايدًا حول السيادة الاقتصادية ومستقبل الأجيال القادمة.
استراتيجية مؤجلة وغموض يعمّق فقدان الثقة
رغم تكرار تأكيد الحكومة نيتها خفض الدين العام وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية، فإنها لم تعلن حتى الآن عن خطة مفصلة لإدارة الدين: لا أدوات محددة، ولا جداول زمنية، ولا حدود واضحة للمخاطر. كل ما يظهر هو عناوين عريضة وعبارات مطمئنة من نوع «نستهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي»، من دون أن يعرف الرأي العام كيف سيتم ذلك، وعلى حساب من، وبأي كلفة اجتماعية واقتصادية.
هذا الغموض فتح الباب أمام اجتهادات فردية ومبادرات إعلامية ومقترحات غير رسمية تتصدر المشهد، وكأن الملف مفتوح لمن يملك المنبر الأعلى صوتًا، لا لمن يمتلك رؤية علمية. ويرى مراقبون أن غياب خريطة طريق معلنة يعكس ارتباكًا داخل دوائر صنع القرار، خاصة مع تضخم أعباء خدمة الدين التي تلتهم الجزء الأكبر من إيرادات الموازنة، وتحدّ من قدرة الدولة على الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية.
في ظل هذه الأرقام، يصبح الحديث عن «استراتيجية لإدارة الدين» بلا شفافية أقرب إلى محاولة لكسب الوقت وتهدئة الأسواق، لا مواجهة جذرية لمسار امتد لسنوات من التوسع في الاقتراض لتمويل مشروعات كثيفة التكلفة، لم تحقق العائد الموعود سواء في التصدير أو في خلق عملة صعبة.
«المقايضة الكبرى».. بيع للأصول أم حل استثنائي؟
أحد أكثر المقترحات إثارة للجدل هو ما يُسمى إعلاميًا بـ«المقايضة الكبرى»، التي تقوم على خفض الدين العام عبر استخدام أصول مملوكة للدولة: إما ببيعها، أو برهنها، أو بنقل ملكيتها لصناديق سيادية تدخل كشريك أمام الدائنين، أو عبر نقل أعباء ضمان الدين إلى البنك المركزي. أنصار هذا الطرح يقدّمونه كحل استثنائي في لحظة استثنائية، يخفف الضغط عن الموازنة العامة ويمنح الدولة فسحة من الوقت لإعادة ترتيب أوراقها.
لكن الخبير الاقتصادي محمد فؤاد، النائب السابق، يرى أن أي حل يقوم على تسييل أصول الدولة من دون معالجة جذور الأزمة الإنتاجية «ينقل المشكلة من خانة إلى أخرى» ولا يحلها. فالقضية ليست مجرد نقص في السيولة أو عجز مرحلي في الموازنة، بل نموذج اقتصادي قائم على الاقتراض لتمويل إنفاق حكومي كثيف، من دون توسع موازٍ في الصناعة والزراعة والتصدير وتوليد القيمة المضافة. في هذه الحالة، كل أصل يُباع اليوم لسداد دين، يولّد حاجة لبيع أصل آخر غدًا لسداد دين جديد.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق حذّر بدوره، في أكثر من مناسبة، من أن رهن أو بيع الأصول الاستراتيجية لسداد الديون يمثل مخاطرة عالية تهدد السيادة الاقتصادية؛ فهذه الأصول – من موانئ ومناطق لوجستية وشركات ناجحة وأراضٍ مميزة – هي مصادر دخل مستدامة على المدى الطويل، والتنازل عنها من أجل حل أزمة سيولة قصيرة الأجل يشبه – وفق تشبيهه – «من يبيع أرضه ليأكل»، فيبقى بلا أصل ولا دخل في المستقبل.
هذا الجدل يكشف أن «المقايضة الكبرى» ليست مجرد أداة مالية تقنية، بل خيار سياسي يمس بنية الاقتصاد نفسه، ويحدد من يملك السيطرة على الأصول الكبرى ومن يجني ثمارها لعقود مقبلة.
البنك المركزي في مرمى الضغوط.. وأزمة هيكلية أكبر من المسكنات
جانب آخر لا يقل خطورة من المقترحات المتداولة يتعلق بالزجّ بالبنك المركزي كضامن مباشر أو غير مباشر للديون العامة، سواء عبر تحمل جزء من أعبائها أو عبر تحويل ديون حكومية إلى التزامات على البنك نفسه. اقتصاديون يحذرون من أن هذا التوجه يخلط بين السياسة المالية (مسؤولية الحكومة) والسياسة النقدية (مسؤولية البنك المركزي)، ويقوّض استقلال الأخير الذي يفترض أن يكون تركيزه على استقرار العملة وكبح التضخم، لا تمويل عجز الموازنة.
الخبير المصرفي أشرف دوابة يؤكد، في تحليلات منشورة، أن تحميل البنك المركزي أعباء لا تدخل في اختصاصه يعرّض الاحتياطي النقدي لضغوط متزايدة، ويضعف ثقة المتعاملين في الجهاز المصرفي، خصوصًا في ظل بيئة عالمية مضطربة وارتفاع تكلفة التمويل الخارجية. فحين يتحول البنك المركزي إلى «ممّول أخير» للحكومة بلا ضوابط، يصبح هو ذاته جزءًا من المشكلة، بدل أن يكون صمام أمان للاقتصاد.
ورغم كل هذه التحذيرات، تتفق أغلب الآراء الاقتصادية المستقلة على أن أزمة الديون في مصر أزمة هيكلية لا يمكن حلها بحلول ترقيعية أو بمسكنات مالية. الدكتورة بسنت فهمي، أستاذة الاقتصاد، تؤكد أن أي حديث عن إدارة الدين من دون إصلاح حقيقي يشمل الصناعة والزراعة والتصدير وجذب الاستثمار الخاص الجاد، يبقى في إطار «إدارة الأزمة لا حلها». فالمطلوب ليس فقط خفض نسبة الدين إلى الناتج على الورق، بل تغيير مسار الاقتصاد من الاعتماد على المشروعات العقارية والإنفاق الإنشائي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على توفير فرص عمل حقيقية وتوليد عملة صعبة.
في النهاية، يبدو أن السؤال الأكبر لا يتعلق بتفاصيل «الاستراتيجية الجديدة» التي لم تُعلن بعد، بل بخيارات النظام نفسه: هل يجرؤ على الاعتراف بأن نموذج الاقتراض والإنفاق الحالي وصل إلى حدوده القصوى، وأن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب مراجعة جذرية لأولويات المشروعات وأدوار الدولة والقطاع الخاص؟ أم يواصل البحث عن صيغ جديدة لبيع الأصول وإعادة تدوير الديون، بينما تُرحَّل الكلفة الثقيلة إلى أجيال لم تشارك في صنع القرار، لكنها ستدفع ثمنه طويلًا؟

