في اللحظة التي أُعلن فيها رحيل محمد ناجي شحاتة، لم تفتح منصات التواصل باب العزاء بقدر ما فتحت دفاتر الأحكام والمؤبدات والإعدامات.

رحل الرجل الذي عُرف شعبياً بلقب «قاضي الإعدامات»، لكن اسمه لم يغادر ذاكرة مئات العائلات التي دفعت ثمن توقيعه على أوراق قضت على حياة أبنائها أو سنوات عمرهم.

ومع انتشار خبر وفاته، تحوّل الخبر القصير إلى عاصفة غضب رقمية، استدعت ملفات كرداسة ورابعة والاستقامة ومجلس الوزراء وغيرها، وجعلت موته مناسبة لإعادة فتح سؤال أكبر: ماذا يفعل المجتمع حين يموت القاضي قبل أن يُسأل عمّا فعل؟

 

منصّة القضاء تتحوّل إلى منصّة اتهام شعبي

 

أول موجة رد فعل جاءت من المعسكر المعارض الذي كان يرى في شحاتة واحداً من أبرز وجوه القضاء المسيس بعد انقلاب 2013.

اليوتيوبر عبدالله الشريف عبّر عن شعور قطاع واسع حين وصفه في منشوره بأنه «قاضي الإعدامات» الذي قتل بلسانه، داعياً ألا تُكتب له رحمة ولا تُقبل له توبة:

 

 

 

الكاتب الصحفي سليم عزوز لجأ إلى سخرية سوداء، داعياً المواقع المصرية إلى فتح «سرادقات عزاء افتراضية» للقاضي، حتى يتمكّن الناس من أداء «واجب الوقت» كما سماه، في إشارة واضحة إلى رغبة الجمهور في التعبير عن غضب مكبوت لا عن مواساة ميت:

 

 

 

وعلى الضفة الحقوقية والسياسية، قدّم حزب تكنو قراط مصر صياغة أقرب إلى البيان الاتهامي منه إلى النعي، إذ وصف شحاتة بأنه عنوان لمرحلة دامية في سجل العدالة، تحولت فيها منصة القضاء إلى «سيف مسلط على رقاب المعارضين لا ميزاناً للحق»:

 

 

 

أما الصحفي تركي الشلهوب فاختصر المشهد في جملة حادة: قاضٍ حكم على مئات الأبرياء بالإعدام يقف الآن أمام «قاضي السماء والأرض»:

 

 

 

هذه التعليقات وغيرها لم تتعامل مع وفاة شحاتة كحدث عابر، بل كرمز لسقوط مرحلة كاملة من القمع القضائي، وكمحطة لتسجيل موقف أخير من رجل يرونه شريكاً مباشراً في واحدة من أعتى موجات التنكيل السياسي في تاريخ مصر الحديث.

 

شهادات الضحايا: جرحٌ مفتوح لا يغلقه الموت

 

في قلب هذه العاصفة برزت شهادة د. مراد علي، الذي حُكم عليه بالمؤبد أمام دائرة شحاتة في «غرفة عمليات رابعة». كتب علي أن القاضي رحل عن الدنيا لكنه لم يخرج من حياته؛ ترك وراءه جرحاً مفتوحاً وسنوات مسروقة، وحكماً بُني على نصف سطر كاذب في لائحة الاتهام، يزعم انتماءه إلى جمعية لا يعرفها أصلاً:

 

 

 

يروي علي تفاصيل محاكمة جرت داخل قفص زجاجي لا يرى فيه المتهمون القضاة ولا يسمعونهم، ولا يستطيعون حتى إيصال صوتهم للمحامين أو للمحكمة، بينما تُتلى عليهم أحكام المؤبد والإعدام بلا دفاع حقيقي ولا ضمانات. أربع سنوات في سجن العقرب، كما يقول، دفع ثمنها هو وأسرته وأطفاله وأمواله، فقط لأنه رفض الإطاحة بالرئيس محمد مرسي.

 

هذه الشهادة الفردية تلتقي مع توثيق جماعي أوسع قدّمه المجلس الثوري المصري، الذي ذكّر بأن شحاتة كان في عنقه 266 حكم إعدام ظالم بحسب وصفه، وأنه:

 

  • أحال أوراق 12 متهماً للمفتي في قضية اقتحام كرداسة، نُفذ الإعدام بالفعل في بعضهم.
  • حكم بإعدام 13 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، بينهم المرشد العام محمد بديع، في قضية مسجد الاستقامة.
  • أصدر أحكاماً بالمؤبد على 229 متهماً في قضية أحداث مجلس الوزراء، وغرّمهم 17 مليون جنيه، مع أحكام قاسية على العشرات من الأحداث.
  • اشتهر بسرعة وغزارة الأحكام حتى أصدر – وفق ما يذكر المجلس – 183 حكماً بالإعدام، و230 مؤبداً في 48 ساعة فقط.

 

 

المجلس أشار كذلك إلى بلاغات قُدمت ضد شحاتة في 2013 تتهمه بتزوير انتخابات برلمانية لصالح الحزب الوطني قبل الثورة، لكنها حُفظت بلا تحقيق جدي، في إشارة إلى أن مسار القاضي مع السلطة لم يبدأ مع دوائر الإرهاب، بل سبقها بعلاقة طويلة مع منطق الولاء السياسي لا استقلال القضاء.

 

«اذكروا جرائم موتاكم»: ذاكرة لا تُطوى بموت صاحبها

 

رحيل ناجي شحاتة استدعى أيضاً سياقاً أوسع لتكوّن طبقة من القضاة ارتبطت أسماؤهم في الوعي العام بملفات الدم بعد الثورة.

 

الشاعر شادي جاهين أشار إلى سلسلة وفيات سابقة لقضاة ومسؤولين، مثل تهاني الجبالي وشعبان الشامي وسامي عبد الرحيم، ليضع شحاتة في «سرب الهالكين» الذين يراهم كثيرون مسؤولين عن تشييد بنية القمع الحالية:

 

 

 

الداعية محمد الصغير وصفه بأنه رئيس محكمة أمن الدولة العليا ورئيس دوائر الإرهاب السابق، الذي انتقل إلى «ساحة القضاء الكبرى» حيث ينتظره خصوم كثر أمام الحكم العدل الذي لا تضيع عنده الحقوق:

 

 

 

أما الإعلامي هيثم أبو خليل فرفع شعاراً معاكساً للقاعدة الشائعة «اذكروا محاسن موتاكم»، ودعا صراحة إلى «ذكر جرائم موتاكم حتى يتعظ السفلة الأوغاد»، مذكّراً بأن الرجل الذي تحرسه المواكب وأطقم الأمن في الدنيا، يقف اليوم وحيداً أمام دعاوى من حرمهم من حياتهم أو حريتهم بأحكام وصفها بالمزوّرة والموجَّهة:

 

 

 

ووصل الغضب ببعضهم حدّ الدعاء المباشر عليه في الآخرة، كما فعل د. يحيى غنيم الذي سأل الله أن تذهب روحه إلى الجحيم وألا تنفعه شفاعة الشافعين وأن تغرقه دماء المظلومين:

 

 

 

هذه اللغة القاسية لا تعكس فقط موقفاً أخلاقياً متشدداً من شخص القاضي، بل تكشف أيضاً حجم الشرخ الذي أحدثته أحكامه في الوعي الجمعي، حيث لم يعد ممكناً التعامل مع موته بمنطق الاحترام الشكلي المعتاد مع رحيل المسؤولين، بل بمنطق كشف الحساب التاريخي، ولو بالكلمات.

 

العدالة المؤجلة: ماذا بعد موت «قاضي الإعدامات»؟

 

رحيل شحاتة لا يعني – في نظر كثيرين – سقوط الملف؛ بل ربما العكس. المستشار وليد شرابي، وهو واحد من أبرز القضاة المنحازين لثورة يناير والمقيمين في الخارج، ذكّر بأن الرجل أصدر أحكاماً مسيّسة بالإعدام يصعب حصرها في قضايا كرداسة وغرفة عمليات رابعة ومجلس الوزراء ومسجد الاستقامة، داعياً إلى ألا يُنسى من الدعاء في «ساعة الإجابة» يوم الجمعة:

 

 

في المقابل، اختار آخرون مثل اليوتيوبر عبد الله الشريف، والحقوقي مراد علي، أن يربطوا بين موته ويوم القيامة، لا من باب الخطاب الوعظي التقليدي، وإنما كتأكيد على أن العدالة الأرضية التي حُرِموا منها، لا بد أن تُستدرك في ساحة أخرى لا تخضع لسلطة الأجهزة ولا لضغوط السياسة.

 

اللافت أن أغلب هذه المواقف، سواء جاءت في صيغة دعاء قاسٍ أو شهادة شخصية أو تحليل سياسي، تتفق على ثلاث نقاط رئيسية:

 

  1. أن إرث شحاتة لا يُختزل في شخصه، بل هو تجسيد لمرحلة كاملة استخدم فيها القضاء كأداة لإدارة الصراع السياسي، لا لفضّه بعدل.
  2. أن غياب المحاسبة الجنائية أو السياسية عن القاضي وهو على قيد الحياة، عزّز شعور الضحايا بأن الدولة تحمي من ارتكبوا في حقهم مظالم جسيمة، ما يجعل الموت نفسه يبدو – في وعيهم – أقل من كونه نهاية طبيعية، وأكثر من كونه إفلاتاً من العدالة البشرية.
  3. أن ذاكرة المظلومين أطول من عمر القضاة والأنظمة؛ فالأسماء وإن غابت عن عناوين الأخبار تبقى حاضرة في القصص الشخصية، وفي أرشيف الأحكام، وفي وجدان أسرٍ ما زالت تعيش بين صور شهداء ومفقودين ومحكومين غيابياً أو حضورياً بأحكام قاسية.

 

بهذا المعنى، لا يُقرأ رحيل محمد ناجي شحاتة كخبر وفاة عابر، بل كصورة مكثفة لزواج قاتل بين السياسة والقضاء في مصر خلال العقد الماضي.

موته يفتح الباب مجدداً أمام سؤال مؤلم: كم من قضاة الإعدامات ما زالوا على المنصة يصدرون أحكامهم باسم الشعب، بينما يقف الشعب كله خارج قاعة العدالة ينتظر يوماً لا قفص زجاجياً فيه ولا نظارة سوداء، بل ميزاناً يرى الجميع كفتَيه بوضوح؟