نظم عمال شركة مطاحن مصر الوسطى بمحافظة المنيا، وقفة احتجاجية جديدة للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وضم العلاوات المتأخرة منذ 2016، في مشهد يعكس اتساع موجة الغضب العمالي من “حد أدنى على الورق” لا ينعكس في الجيوب. فبينما تعلن الشركة تحقيق أرباح قدرها 138 مليون جنيه في العام المالي 2024/2025، بزيادة عن العام السابق، لا يزال متوسط رواتب العمال يدور حول 5 آلاف جنيه شاملة الحوافز والبدلات، وهو ما يراه العمال إهانة في ظل الغلاء والانفجار المستمر في الأسعار.
وقفة المنيا: أجور متدنية وضغوط تدفع عمالًا إلى حافة الانتحار
بحسب شهادات عمال تحدّثوا لـ مواقع صحفية، استمر العمل داخل الشركة خلال الوقفة، لكن العمال لجأوا لوقف خروج الدقيق من المطاحن إلى المستودعات كأداة ضغط على الإدارة للاستجابة لمطالبهم. ظهر العمال في فيديوهات وهم يهتفون: “واحد اتنين علاوتنا راحت فين”، و“عايزين حقوقنا”، و“يا اللي ساكت ساكت ليه.. خدت حقك ولا إيه”، في حين وقعت حالات إغماء بين المحتجين، وسط حضور أمني حاول تهدئتهم ونقل رسالة مفادها أن “الاعتمادات جاهزة لكن في انتظار موافقة الشركة القابضة”، وهي رواية يشكك العمال في صحتها.
يقول أحد العمال إن متوسط رواتبهم يدور حول 5 آلاف جنيه فقط شاملة كل شيء، مضيفًا: “بقالي 20 سنة في الشركة ومرتبي مكملش 6 آلاف، نعمل إيه في الغلا ده؟”، متسائلًا إن كان هذا المبلغ يكفي للطعام والسكن ومصاريف المدارس. ضغوط المعيشة وتعنت الإدارة في صرف المستحقات دفعت أحد العمال، في ديسمبر الماضي، لمحاولة إنهاء حياته بإلقاء نفسه من أعلى إحدى الصوامع، في واقعة وثقتها تقارير حقوقية باعتبارها نتيجة مباشرة لليأس من تحسن الأوضاع.
هذه ليست المرة الأولى التي يحتج فيها عمال مطاحن مصر الوسطى؛ فوفق ما رصدته تقارير حقوقية، سبق لموظفي الشركة أن طالبوا بضم العلاوات الخاصة بأثر رجعي منذ 2015، وتعرض بعضهم لمضايقات إدارية وأمنية وصلت إلى ملاحقة من يديرون مجموعات التواصل الخاصة بالعمال على وسائل التواصل الاجتماعي.
حد أدنى للأجور بلا مضمون.. وأرباح لا تصل إلى جيوب العمال
المفوضية المصرية للحقوق والحريات أدانت في بيان سابق ما يتعرض له عمال شركة مطاحن مصر الوسطى من “انتهاكات مالية وإدارية”، من بينها تعطيل حقوق مالية مقررة، والإخلال بضمانات الأجر العادل، وغياب آليات إنصاف فعّالة. وحذرت المفوضية من تحويل الحد الأدنى للأجور إلى مجرد رقم شكلي يُستكمل عبر الحوافز والبدلات المتغيرة، بما يفرغ القرار من مضمونه الاجتماعي ويضعف الأجر الأساسي ويضر بالحقوق التأمينية للعاملين.
هذا التحذير يلتقي مع ما يطرحه المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، كمال عباس، الذي يذكّر بأن الحد الأدنى للأجر في جوهره أداة لتحقيق توزيع أكثر عدلًا للدخل وتقليص الفوارق الطبقية، ويجب أن يُحدد بناءً على تكاليف المعيشة الفعلية لأسرة العامل لا على قدرة صاحب العمل وحده. كما يؤكد أن أزمة مصر ليست في نصوص القوانين أو القرارات التي ترفع الحد الأدنى، بل في غياب آليات التنفيذ وعدم وجود رقابة فعّالة تمنع الالتفاف على القرار أو استثناء مؤسسات بعينها.
وتُظهر بيانات دار الخدمات أن قرارات الحكومة ووزير قطاع الأعمال برفع الحد الأدنى في شركات القطاع العام إلى 6 آلاف جنيه على الأقل بعد إضافة العلاوات والمنح، غالبًا ما تُنفذ بصورة انتقائية؛ إذ يُترك للتفسير “وفق أوضاع كل شركة”، ما يسمح لشركات رابحة – مثل مطاحن مصر الوسطى – بالتحايل عبر إدخال الحوافز والبدلات ضمن الحد الأدنى بدل رفع الأجر الأساسي.
من جهتها، ترى الباحثة والناشطة العمالية فاطمة رمضان أن نمط التعامل مع الأجور في كثير من مؤسسات القطاعين العام والخاص يقوم على تجميد الأجر الأساسي وتحويل معظم الزيادات إلى بدلات وعلاوات لا تُحتسب في التأمينات أو المكافآت، ما يعني أن العامل يظل عند التقاعد أسير أجر أساسي هزيل، رغم عشرات السنين من الخدمة. وتشير رمضان في أعمالها إلى أن ضم العلاوات إلى الأجر الأساسي حق قانوني طالما نصت عليه التشريعات، وأن حرمان العمال من هذا الحق يُعد انتقاصًا صريحًا من أجرهم المستقبلي وحقوقهم التأمينية.
صراع على الأجر ومسؤولية الدولة: ما بعد وقفة المطاحن؟
ما يجري في مطاحن مصر الوسطى ليس حالة معزولة؛ فوفق رصد صحفي حديث، شهد عام 2025 وحده نحو 100 فعالية عمالية بين إضرابات ووقفات واعتصامات، كان الدافع الرئيس في معظمها موجات الغلاء وعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور أو تجميد الحوافز. ويرى كمال عباس أن هذه العودة القوية للاحتجاجات العمالية تعبير طبيعي عن انفجار فجوة بين الأجور والأسعار، في ظل تآكل العملة وغياب حوار اجتماعي حقيقي.
المحامي الحقوقي خالد علي يلفت من جانبه إلى أن الحكومة لا تستطيع الاكتفاء بإعلان أرقام “جميلة” عن الحد الأدنى في المؤتمرات، بينما تبقى قرارات المجلس القومي للأجور حبرًا على ورق في قطاعات واسعة. وفي تعليق له على تصريحات رسمية بشأن تطبيق الحد الأدنى، انتقد علي ما سماه “الحد الأدنى الذي لا يغادر التصريحات الإعلامية”، مطالبًا بآليات رقابية وعقابية واضحة تُلزم الشركات – خاصة المملوكة للدولة – بتطبيق القرارات، وعدم السماح لها بالتحايل عبر تكييف البدلات والحوافز.
في ضوء هذه الرؤى، تبدو وقفة عمال مطاحن مصر الوسطى بالمنيا حلقة جديدة في سلسلة صراعات طويلة على الأجر العادل، في وقت تعلن فيه الدولة عن رفع الحد الأدنى إلى 7 آلاف جنيه في القطاعين العام والخاص، بينما يعيش آلاف العمال – ومنهم عمال المطاحن – على رواتب أدنى من ذلك، أو على حد أدنى “مضروب” تشكله الحوافز المؤقتة.
يبقى السؤال المطروح بعد هذه الوقفة: هل تتحرك الشركة القابضة ووزارة التموين ووزارة العمل لاستجابة حقيقية لمطالب العمال بتطبيق الحد الأدنى وضم العلاوات المتأخرة، أم يظل الرد الأمني ومحاولات التهدئة بديلاً عن الحلول الجذرية؟ الإجابة لن تحدد مستقبل عمال مطاحن مصر الوسطى وحدهم، بل ستبعث برسالة أوسع إلى كل عمال شركات قطاع الأعمال العام الذين يراقبون ما يجري في المنيا، ويربطون بينه وبين معاركهم اليومية من أجل أجر يكفي للعيش بكرامة.

