تحوّلت أزمة الكلاب الضالة في مصر إلى كابوسٍ يوميٍّ يهدد الأمن الصحي والاجتماعي للمواطنين، بعدما كشفت وزارة الصحة عن أرقام صادمة تفيد بتسجيل مليون و400 ألف حالة عقر خلال عام 2025 وحده، بنسبة زيادة مذهلة عن الأعوام السابقة. ومع هذا الاعتراف الرسمي غير المسبوق، يتواصل عجز الدولة وضعف مؤسساتها أمام انتشار الكلاب في الشوارع، وكأن مصر استسلمت لتحوّل أحيائها ومدنها إلى ساحات خطر مفتوحة.

 

التقارير الرسمية والبيطرية تؤكد أن عدد الكلاب الضالة في البلاد يتراوح بين 20 و40 مليون كلب، لتتصدر مصر دول العالم في أعداد هذه الحيوانات المتجولة. بينما تبلغ نسبة الإصابات المرتبطة بها نحو 90% من إجمالي حالات السعار، أحد أخطر الأمراض القاتلة التي تواجهها الصحة العامة. ومع تفاقم الظاهرة، تتزايد التساؤلات: أين الدولة؟ ولماذا تتحرك دائمًا بعد الكارثة لا قبلها؟

 

انفلات عددي وتهديد وبائي.. أرقام تفوق قدرة الحكومة

 

بحسب الجمعية الطبية البيطرية، يتكاثر الكلب الواحد بمعدلٍ يصل إلى 20% سنويًا، ما يعني أن كل تأجيل حكومي في المواجهة يضاعف الأزمة تلقائيًا. ومع تضاعف المخلفات البلدية وغياب نظم التعقيم والرقابة، تحوّلت أحياء مصر إلى بيئة مثالية لتكاثر الكلاب وانتشارها بلا رادع.

 

المتحدث باسم وزارة الصحة، حسام عبد الغفار، أكد أن الكلاب مسؤولة عن تسعة من كل عشرة إصابات بالسعار في البلاد، ما يجعلها التهديد الأبرز للأمن الصحي. لكن رغم خطورة هذه الأرقام، يظل تعامل الحكومة بيروقراطيًا باردًا، يقتصر على حملات موسمية، دون خطة وطنية فعالة لإدارة الملف.

 

الضغوط تتزايد على مستشفيات الحميات ومراكز السموم التي تعمل تحت ضغط دائم لتوفير الأمصال، وسط نقص متكرر في اللقاحات وارتفاع تكلفة التحصين التي تتجاوز مليار و200 مليون جنيه سنويًا. ومع غياب التنسيق بين وزارتي الصحة والزراعة، يصبح الملف بلا قيادة واضحة، وبلا رؤية طويلة الأمد.

 

فوضى في الشوارع.. وأمن المواطن تائه بين الوزارات

 

منصات التواصل الاجتماعي تمتلئ يوميًا بمقاطع صادمة لهجمات الكلاب على الأطفال والمراهقين والمسنين، في حين يكتفي المسؤولون بالوعود والتصريحات. من بورسعيد إلى القاهرة والإسكندرية، تتكرر المشاهد ذاتها: طفل يهاجمه كلب ضال في طريق المدرسة، ومسن يُفجع بهجوم جماعي عند عودته إلى منزله، وطلاب يركضون مذعورين من مطاردات مفاجئة وسط الشوارع.

 

القاسم المشترك في جميع الحوادث هو الغياب شبه الكامل لأي حضور حكومي استباقي أو رقابة ميدانية حقيقية. التحركات الأمنية والبيطرية لا تبدأ إلا بعد أن تُزهق الأرواح أو تنتشر الفيديوهات. وحتى حين تعلن وزارة الزراعة عن خططها، فإنها تبقى حبرًا على ورق: 12 مركزًا للإيواء، و30 سيارة مجهزة، ووعود ببرنامج 180 يومًا، لكنها مشروعات محدودة في مواجهة ملايين الكلاب المنتشرة عبر الجمهورية.

 

الحكومة تتذرع دومًا بارتفاع تكاليف التعقيم والتحصين، التي تتراوح بين 1000 و6000 جنيه للكلب الواحد، بينما تتجاهل أن كلفة الإهمال تفوق ذلك أضعاف المرات من حيث الأرواح المهدورة، والأعباء الصحية، وفوضى الشوارع التي تهدد حياة الملايين.

 

خطط مؤجلة.. ومقترحات تثير الجدل بين «التعقيم» و«التصدير»

 

ورغم توقيع مصر على الاستراتيجية العالمية “صفر سعار بحلول 2030” تحت إشراف منظمة الصحة العالمية، فإن المؤشرات تكشف عن بطء حاد في التنفيذ. فالحديث عن تعقيم الكلاب وتطعيمها لا يزال أقرب إلى «وعد مكرر» منه إلى فعل واقعي، بسبب ضعف التمويل وسوء التنسيق المؤسسي.

 

وفي محاولة لإيجاد مَخارج سريعة، طُرح مؤخرًا مقترح تصدير الكلاب الضالة إلى الخارج، باعتباره حلًا اقتصاديًا لتخفيف أعدادها. نقيب الفلاحين حسين أبو صدام اعتبره “مشروعًا استثماريًا واعدًا”، بينما أيّده بعض النواب باعتباره “حلًا بيئيًا آمنًا”. غير أن هذا الطرح أثار جدلًا واسعًا بسبب تخوّف حقوقيين وأطباء من أن ينتهي الأمر بتصدير الكلاب إلى دول تستهلك لحومها مثل الصين وفيتنام، ما يعد خرقًا أخلاقيًا وإنسانيًا.

 

الخبراء البيطريون يحذرون كذلك من أن اختفاء الكلاب فجأة قد يخلّ بالتوازن البيئي، إذ تسهم في الحد من تكاثر القوارض والقطط الضالة، مؤكّدين أن المعالجة السليمة لا تكون بالإبادة أو التصدير، بل بإدارة الأعداد عبر برامج مستدامة للتطعيم والتعقيم والتحصين، إلى جانب تحسين جمع القمامة الذي يعدّ أحد المحركات الرئيسية لتكاثرها.

 

وفي ظل غياب الإرادة السياسية الحاسمة، يبقى الملف عالقًا بين مقترحات لا تجد طريقها للتنفيذ ومؤتمرات تُعقد بلا نتائج ملموسة، وكأن الحكومة تتعامل مع كارثة صغيرة بينما تشير الأرقام إلى تهديد صحي خطير قد يتحول قريبًا إلى وباء.

 

مع استمرار هذا التقاعس الرسمي، يزداد إحساس المصريين بأن حياتهم في الشارع بلا حماية حقيقية. وبينما تعلن الوزارات عن “التزامها بالحلول الإنسانية”، فإن الشوارع تمتلئ بالقطعان الجائعة والمهجّرة التي تبحث عن طعام أو مأوى. وهكذا تظل أزمة الكلاب الضالة مرآة مكشوفة لفشل منهجي في إدارة أبسط قضايا الأمن العام، وجرس إنذار لسلطة تتحدث عن “الجمهورية الجديدة” بينما يعجز المواطن عن السير بأمان في الطريق إلى منزله.