مع انطلاق امتحانات الشهادة الإعدادية في عدد من المحافظات، وفي مقدمتها الغربية، عاد “البوكليت” إلى الواجهة بوصفه وصفة الوزارة الجاهزة لكل موسم امتحانات: كراسة مختلفة، تعليمات أكثر، وتشديدات أشد.

لكن خلف هذه الضجة الإدارية تقف أزمة أقدم وأخطر: حكومة تُدير التعليم بمنطق “التحكم” لا بمنطق “التطوير”، ووزير يصرّ على حلول شكلية تُرضي نشرات الأخبار ولا تُنقذ الفصول.

فحين تتحول السياسة التعليمية إلى إجراءات أمنية، يصبح الطالب هو الخاسر الأول، وتصبح المدرسة مجرد محطة امتحان لا مساحة تعلم.

 

وزارة تتعامل مع الامتحان كمعركة أمنية لا كأداة تقييم

 

تتمسك وزارة التربية والتعليم بتطبيق نظام البوكليت للعام الثاني على التوالي، وتقدمه باعتباره ضمانة للعدالة ومكافحة الغش وقياس نواتج التعلم.

لكن المشكلة أن خطاب الوزارة يبدو وكأنه يختزل التعليم كله في “منع التسريب” و“ضبط اللجان”، بينما تتراجع الأسئلة الأهم: ماذا تعلم الطالب فعليًا؟ وكيف تعلمه؟ ومن أصلح الفصول المكدسة والشرح القائم على الحفظ؟

إن الإصرار الرسمي على تقديم البوكليت كإنجاز يفضح عقلية إدارة الأزمة لا حلها: تغييرات في العبوة بدل إصلاح المحتوى.

 

وفي هذا السياق يضع الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي بالمركز القومي للبحوث التربوية، يدَه على جوهر الخلل عندما يصف البوكليت بأنه “إجراء أمني فقط” لا يمت لتطوير التعليم بصلة، مؤكدًا أن الأزمة تبدأ من المناهج وطريقة التدريس وكثافة الفصول.

وهذه ليست ملاحظات نظرية؛ إنها تشخيص لمنظومة تُنفق طاقتها على شكل ورقة الامتحان بينما تترك الفصل بلا موارد، والمعلم بلا تدريب، والطالب بلا مهارات حقيقية.

 

الأخطر أن الحكومة تتعامل مع الامتحان باعتباره “واجهة” ينبغي تلميعها، لا مرآة تعكس قصور المناهج والتدريس. ومع كل موسم، تتكرر نفس الأسطوانة: تشديدات، تهديدات، لجان طوارئ… ثم تتبخر الوعود بمجرد انتهاء الامتحانات.

 

قرارات من فوق: وزير يفرض سياسة بلا تقييم وبلا حوار

 

إذا كان البوكليت قرارًا إداريًا، فالسؤال المنطقي: أين التقييم العلمي الشامل؟ أين نتائج معلنة تقيس أثره الحقيقي على الفهم والتحصيل؟ وأين النقاش مع المتخصصين والمعلمين وأولياء الأمور؟ هنا تظهر المشكلة السياسية قبل الفنية: مركزية خانقة تُدار بها المدرسة المصرية، حيث تُصنع القرارات في المكاتب وتُلقى على المديريات كتعليمات واجبة التنفيذ، بلا مراجعة ولا شفافية.

 

الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، انتقد بوضوح إصرار الوزارة الحالية على تعميم البوكليت دون تقييم علمي شامل، مشيرًا إلى أن الوزارة تتخذ قراراتها “بشكل مركزي دون حوار حقيقي مع المتخصصين أو المجتمع التعليمي”.

وهذه الجملة وحدها تكشف مأزق الوزير وحكومته: سياسة تعليمية تُدار بمنطق “نفّذ ثم اسكت”، لا بمنطق “اشرح، اختبر، صحّح”.

 

إن استمرار فرض البوكليت باعتباره الحل النهائي يوحي بأن الوزير يبحث عن “أداة ضبط” أكثر مما يبحث عن “منظومة تعلم”.

فحتى لو نجح النظام في تقليل بعض صور الغش، يبقى السؤال: هل أنتج طالبًا يفهم؟ هل قلّص فجوة الدروس الخصوصية؟ هل رفع كفاءة المعلم؟ أم أننا نضع قيودًا جديدة على ورقة الامتحان ونترك جذور الأزمة تتوحش؟

 

ومع غياب الحوار، تتحول المدرسة إلى ساحة تنفيذ للأوامر، لا بيئة تعليمية تتطور بالخبرة والتجربة. وهنا يتساوى الوزير والحكومة في المسؤولية: الأول يكرر الحلول الشكلية، والثانية تمنحه الغطاء السياسي والبيروقراطي ليستمر.

 

الضغط على الطالب… وغياب العائد: شهادة الميدان تفضح “الإنجاز الورقي”

 

بينما تُقدَّم إجراءات الامتحانات كإنجاز، يزداد العبء النفسي على الطلاب، خصوصًا في المرحلة الإعدادية التي تمثل مفترق طرق تعليميًا واجتماعيًا. فالتلميذ لا يواجه امتحانًا فقط، بل يواجه توترًا جماعيًا تصنعه الوزارة بإجراءاتها الصارمة وخطابها المهووس بالضبط.

 

هنا تبرز شهادة الدكتور خلف الزناتي، نقيب المعلمين الأسبق، الذي يرى أن البوكليت “زاد من الضغط النفسي على الطلاب… دون أن يحقق تحسنًا ملحوظًا في مستوى الفهم أو التحصيل”، مؤكدًا أن مواجهة الغش تتطلب إصلاحًا شاملًا يشمل تدريب المعلمين وتطوير المناهج، لا مجرد تغيير شكل كراسة الامتحان. هذا كلام من قلب المهنة، لا من برج عاجي: أي نظام تقييم ينهار إذا ظل التعليم داخل الفصل ضعيفًا ومشوّهًا.

 

ويتقاطع ذلك مع رؤية الدكتور طارق شوقي، وزير التعليم السابق، الذي لخّص الحقيقة بعبارة صارمة: “الامتحانات لا تُصلح التعليم… وإذا لم يتغير أسلوب التعليم نفسه فلن تنجح أي منظومة تقييم”.

أهمية هذا الكلام أنه يفضح وهم الحكومة الحالية: يمكنك تغيير شكل الامتحان عشر مرات، لكنك لن تغيّر النتائج إذا ظل التدريس قائمًا على التلقين، وإذا بقيت المدرسة عاجزة عن بناء مهارات التفكير والتحليل.

 

في النهاية، البوكليت ليس “شيطانًا” ولا “منقذًا”. إنه أداة ضمن منظومة، تُصبح مفيدة فقط إذا جاءت ضمن إصلاح حقيقي يبدأ من المناهج والمعلم وكثافة الفصول. أما أن تتعامل حكومة كاملة مع التعليم كملف إدارة امتحانات، فهذا اعتراف غير مباشر بأن المشروع الإصلاحي غائب، وأن الوزير يراهن على الإجراءات بدل السياسات. والنتيجة: تعليم يتراجع، وطلاب يدفعون الثمن، ووزارة تتباهى بكراسة بينما تتسع الفجوة داخل الفصل.