بينما تسابق الحكومة الزمن للإعلان عن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية، والاحتفاء بتراجع معدلات التضخم واستقرار سوق الصرف، جاءت تصريحات الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، لتعيد ترتيب المشهد من زاوية مغايرة تمامًا.
ففي حواره الأخير مع الإعلامية لميس الحديدي، ألقى محيي الدين حجرًا ثقيلًا في مياه "البيانات الراكدة"، مسلطًا الضوء على فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين "الأرقام الرسمية" التي تُطبع في التقارير الدولية، وبين "الواقع المعيشي" الذي يكابده المواطنون في شوارع مصر.
المفارقة التي طرحها محيي الدين ومعه نخبة من الخبراء الاقتصاديين، لا تتعلق فقط بجدوى الإصلاحات، بل بالعمى الإحصائي الذي يحيط بملف الفقر، مما يطرح تساؤلات مشروعة: هل تحسن الاقتصاد حقًا، أم أننا توقفنا عن عد الفقراء؟
الصندوق الأسود: فقر بلا بيانات حديثة
تكمن الإشكالية الكبرى التي فجرها محيي الدين في "غياب القياس". فآخر إحصاء رسمي لمعدلات الفقر في مصر يعود لعامي 2019-2020، حين أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن النسبة تبلغ 29.7% (وتقديرات البنك الدولي نحو 32%).
ومنذ ذلك الحين، مر الاقتصاد المصري بمنعطفات حادة وعنيفة، شملت تحرير سعر الصرف عدة مرات، وموجات تضخمية غير مسبوقة، ورفع الدعم عن خدمات أساسية.
ورغم هذه الزلازل الاقتصادية، لم تصدر الدولة نتائج بحث الدخل والإنفاق الجديد، وهو المؤشر الأساسي الذي يُبنى عليه خط الفقر.
هذا الغياب للبيانات يجعل الحديث عن "تحسن" ضربًا من التكهن، حيث يرى مراقبون أن عدم تحديث الأرقام قد يكون "تكتيكًا" لتجنب الاعتراف الرسمي بحجم الضرر الذي لحق بالطبقة المتوسطة والفقيرة.
فغياب البيانات يعني غياب التشخيص الدقيق، وبالتالي قصور آليات الحماية الاجتماعية التي يُفترض أن تُوجه للفئات الأكثر تضررًا، مما يحول الفقر من "أزمة يتم علاجها" إلى "واقع يتفاقم في الظل".
خديعة المؤشرات: لماذا لا يشعر المواطن بالتحسن؟
النقطة الجوهرية الثانية في هذا الملف هي "الانفصال عن الواقع".
شدد محيي الدين والدكتور مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، على ضرورة تصحيح المفاهيم لدى صانع القرار والمواطن على حد سواء.
فالاحتفاء الحكومي بـ "تراجع معدل التضخم" لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني أن الأسعار لا تزال ترتفع ولكن بوتيرة أبطأ.
الحقيقة المرة التي يواجهها المواطن هي أن الأسعار استقرت عند "قمة جبل" شاهقة الارتفاع، بينما ظلت الدخول تقبع عند السفح.
وهنا تبرز الفجوة القاتلة؛ فالنمو الاقتصادي الرقمي (GDP) لا يترجم تلقائيًا إلى رفاهية، وتراجع البطالة لا يعني جودة الوظائف أو كفايتها لسد الرمق.
ولهذا دعا محيي الدين لاستحداث مؤشرات أكثر إنسانية وواقعية، مثل "ثقة المستهلك" وقياس انطباعات الناس عن حياتهم اليومية، لربط الاقتصاد بحياة البشر لا بدفاتر الحسابات فقط.
فاتورة الإصلاح والعدالة الغائبة
يذهب التحليل إلى ما هو أبعد من مجرد غياب البيانات، ليشير إلى "أزمة هيكلية" في السياسات المتبعة.
يرى الدكتور وائل النحاس والدكتورة بسنت فهمي أن ما يحدث ليس موجة عابرة، بل نتيجة تراكمية لسياسات حملت الفئات الأضعف الفاتورة الأكبر.
الفقر في مصر، وفقًا لهؤلاء الخبراء، بات يتغذى على غياب العدالة الاجتماعية في توزيع أعباء الإصلاح. فبينما تتوسع الدولة في الضرائب غير المباشرة (التي يدفعها الغني والفقير بالتساوي) وترفع أسعار الطاقة والخدمات، لا يقابل ذلك شبكات حماية اجتماعية مرنة أو زيادة حقيقية في الأجور تواكب تآكل القوة الشرائية.
النتيجة هي انزلاق شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة إلى دائرة الفقر، وبقاء الفقراء في وضع أكثر هشاشة، مما يجعل الحديث عن "نجاح اقتصادي" دون معالجة هذه التشوهات نوعًا من الانفصال التام عن نبض الشارع.

