بين ليلة وضحاها، خرج الإعلامي مصطفى بكري ليُطلق واحدة من "بالونات الاختبار" المعتادة: الحكومة قد لا تعقد اجتماعًا هذا الأسبوع، وقد تعقد اجتماعًا تتقدم خلاله بالاستقالة.. الدكتور مصطفى مدبولي قد يبقى رئيسًا للوزراء وقد يجري تعديلًا وزاريًّا.
جملة واحدة تلخّص حقيقة المشهد: كل شيء "قد" يحدث، وكل شيء "قد" لا يحدث، لأن القرار الحقيقي ليس في مجلس الوزراء ولا في الأحزاب، بل في مكتب واحد فقط في قصر الاتحادية.
وسط هذا الضجيج المفتعل حول تعديل وزاري محتمل، يتعامل النظام مع المصريين كأن مشكلتهم في اسم الوزير، لا في بنية الحكم ذاتها التي جعلت الوزراء مجرد سكرتارية تنفيذية لرغبات الجنرال، وواجهة ناعمة لقرارات تُصنع في مكان آخر تمامًا.
وزراء بدرجة سكرتارية: من يحكم فعليًا في مصر؟
منذ 2014 لم يعد السؤال الحقيقي: من هو رئيس الوزراء؟ بل: من يملك القرار؟ الصورة التي تكوّنت تدريجيًا أن الحكومة، بمجلس وزرائها ومحافظيها، تحوّلت إلى جهاز تنفيذي تابع، لا يملك رؤية مستقلة ولا قدرة على الاعتراض، في ظل هيمنة مطلقة لمؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي.
الدكتور يزيد صايغ، الباحث البارز في مركز كارنيجي، وصف ما يجري في مصر بمفهوم "جمهورية الضباط"، حيث تتموضع المؤسسة العسكرية فوق الدولة، وتتحول الحكومة المدنية إلى مجرد أداة تنفيذ لسياسات تُحسم في دوائر أمنية وعسكرية مغلقة.
في ظل هذه المعادلة، يصبح تغيير الوزراء – أو حتى استقالة حكومة كاملة – مجرد تفصيل ثانوي، ما دام مركز السلطة الحقيقي ثابتًا لا يمس.
مصطفى مدبولي نفسه جاء بعد شريف إسماعيل، ولم يتغير شيء جوهري في اتجاهات السياسات: نفس الرهان على الاقتراض، نفس توسع الجيش في الاقتصاد، نفس تهميش البرلمان والقوى المجتمعية. التعديل، في كل مرة، يغيّر الوجوه، لكنه لا يمس يد من يمسك بالخيوط.
خبراء: المشكلة في السياسات والبنية.. لا في أسماء الوزراء
بعيدًا عن ضجيج الإعلام الموالي، أصوات عدد من الخبراء الحقيقيين تُجمِع – كل من زاويته – على أن الأزمة المصرية أكبر بكثير من تعديل وزاري أو تغيير رئيس حكومة.
الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، قال بوضوح قبل أيام إن تغيير السياسات يجب أن يكون أولوية، وليس تغيير الأشخاص فقط، وإن تغيير رئيس الوزراء أو مجموعة من الوزراء لن يكون مجديًا إذا لم يترافق مع تحول حقيقي في طريقة إدارة الاقتصاد والملف العام.
الدكتور عمرو حمزاوي، الباحث في قضايا التحول الديمقراطي، كتب في تحليله لـ"تشريع الاستبداد" في مصر أن المشكلة ليست في قانون واحد أو حكومة واحدة، بل في منظومة سلطوية تستخدم القوانين والمؤسسات لتكريس حكم الفرد وقمع الحياة السياسية، ما يجعل أي تغيير شكلي في الوجوه بلا أثر حقيقي على الأرض.
إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي، اعتبر أن إعادة تدوير رجال نظام مبارك والاستعانة مجددًا برجال أعمال ونخب قديمة دليل على فشل السياسات الاقتصادية، لا على الرغبة في الإصلاح، وأن السلطة عندما تعجز عن معالجة الاختلالات الهيكلية تعود لنفس الدائرة القديمة، مهما غيّرت من مسميات المناصب.
يزيد صايغ، مرة أخرى، يربط الأزمة ببنية "الرأسمالية القسرية" التي يقودها الجيش، حيث يتضخم دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد على حساب القطاع الخاص والمجتمع المدني، ما يُفرغ أي حكومة مدنية من مضمونها ويحيلها إلى واجهة شكلية.
هذه الآراء، على اختلاف أصحابها، تلتقي عند نقطة واحدة: المشكلة ليست في اسم رئيس الحكومة ولا في عدد الوزراء الذين سيغادرون، بل في النظام الذي يضع الجميع في دور الموظف لدى الرئيس، لا شريك في صنع القرار.
بكري وأمثاله: مكبّر صوت للجنرال لا ناقل لخبر
خروج مصطفى بكري بهذه "التسريبات" ليس اجتهادًا صحفيًا، بل وظيفة سياسية. هو جزء من ماكينة إعلامية تلعب دائمًا على الحافة: تلمّح بتعديل وزاري، تستكشف ردود فعل الشارع والنخب، ثم تعود لتسوّق أي سيناريو يقرره السيسي على أنه "إرادة الشعب" و"استجابة للمطالب".
هذا النوع من الخطاب يخدم هدفين:
- إشغال الناس بالتفاصيل الصغيرة: من سيأتي وزيرًا للتموين؟ من سيغادر الإسكان؟ هل يبقى مدبولي أم يأتي اسم جديد؟
- إخفاء مركز السلطة الحقيقي: لا أحد يجرؤ في هذه الدوائر على طرح السؤال الأخطر: ماذا عن المسؤول الأول عن السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع؟ من يحاسب الجنرال نفسه؟
الإعلام الموالي يعيد تدوير الوهم نفسه كل مرة: إذا تغيّر الوزير، سيتغير كل شيء. يُمنح المواطن جرعة أمل شكلية، ثم يعود ليكتشف أن الأسعار لم تنخفض، والحريات لم تُفتح، والديون لم تتراجع، وأن "السكرتير" الجديد لا يفعل أكثر من توقيع القرارات المعدّة سلفًا.
الحل أكبر من تعديل وزاري: صراع مع طريقة حكم لا مع كابينة وزراء
حين يقول زياد بهاء الدين إن "تغيير السياسات أهم من تغيير الأشخاص"، وحين يحلل عمرو حمزاوي كيف تُشرعن السلطة قوانين الاستبداد، وحين يصف يزيد صايغ مصر بأنها "جمهورية ضباط"، وحين يقرأ إلهامي الميرغني عودة رجال مبارك كاعتراف ضمني بفشل السياسات؛ فكل ذلك يعني أن التعديل الوزاري لم يعد حتى "مسكنًا مؤقتًا"، بل مجرد خدعة بصرية لإيهام الناس بأن شيئًا يتحرك.
الحل، كما يلمّح هؤلاء الخبراء وإن اختلفت لغاتهم، لا يكمن في تغيير الأسماء على الكراسي، بل في:
- تغيير نمط الحكم الذي يحتكر القرار في يد رئيس واحد ومجموعة ضيقة حوله،
- إعادة الاعتبار لمبدأ المساءلة الحقيقية،
- إنهاء تغوّل المؤسسة العسكرية على الاقتصاد والإدارة،
- فتح المجال العام أمام سياسة حقيقية لا أمام "سكرتارية" تُبدَّل كلما احتاج النظام إلى تجميل صورته.
في ظل بقاء هذه البنية كما هي، يمكن لمصطفى بكري أن يعلن عن مائة تعديل وزاري، ويمكن للنظام أن يغيّر عشر حكومات متتالية؛ لكن النتيجة واحدة: نفس السياسات، نفس الأزمات، ونفس الحاكم الذي لا يقترب منه أحد بالسؤال، فضلًا عن المحاسبة.

