دخلت احتجاجات عمال شركة السكر والصناعات التكاملية يومها السابع وسط حالة من التصعيد غير المسبوق، شملت إضرابات واعتصامات ومسيرات داخل 9 مصانع تابعة للشركة في محافظات الجيزة وقنا وأسوان، في وقت وافقت فيه الجمعية العمومية للشركة على حزمة القرارات المالية التي أعلنتها وزارة التموين، وهي القرارات التي قوبلت برفض قاطع من جانب العمال المحتجين، الذين أكدوا استمرار تحركاتهم حتى تحقيق مطالبهم كاملة.

 

ومنذ العاشر من يناير الجاري، تشهد مصانع السكر موجة جديدة من الاحتجاجات العمالية، بدأت بإضرابات متزامنة في مصانع إدفو بأسوان، ودشنا ونجع حمادي بقنا، وعدد من مصانع مجمع الحوامدية بالجيزة، قبل أن تمتد إلى قطاعات أخرى، بينها النقل والمعدات والتكرير والتقطير، في تصعيد وصفه العمال بأنه «رسالة أخيرة» للإدارة ووزارة التموين.

 

هتافات الغضب ومطالب الإقالة

 

ونظم العمال خلال الأيام الماضية مسيرات جابت ساحات المصانع، رددوا خلالها هتافات غاضبة من بينها: «واحد اتنين.. فلوسنا راحت فين»، و«ارحل ارحل يا صلاح.. خلي العمال ترتاح»، في إشارة مباشرة إلى الرئيس التنفيذي للشركة، صلاح فتحي، الذي يطالب المحتجون بإقالته، متهمين إياه بممارسة سياسات تعسفية ضد العمال ومعاقبة المشاركين في الاحتجاجات السابقة.

 

وأكد عدد من العمال أن الإدارة تتعامل مع مطالبهم بمنطق «الاحتواء المؤقت»، دون الاستجابة الجذرية للأزمة المتراكمة منذ سنوات، معتبرين أن قرارات وزارة التموين الأخيرة لا ترتقي إلى حجم الغضب داخل المصانع ولا تعالج فجوة الأجور والحوافز.

 

قرارات مرفوضة وجمعية عمومية غامضة

 

وكانت وزارة التموين قد أعلنت، الثلاثاء الماضي، موافقة مجلس إدارة الشركة على زيادة الأرباح السنوية من 42 شهرًا إلى 45 شهرًا، ورفع بدل الوجبة من 1000 إلى 1500 جنيه، وزيادة الحافز بنسبة 25% من الراتب الأساسي، إضافة إلى إتاحة الخدمات العلاجية بالمركز الطبي بالحوامدية لجميع العاملين.

 

غير أن العمال المعتصمين رفضوا هذه القرارات، معتبرين أنها «جزئية ومجتزأة»، ولا تحقق الحد الأدنى من مطالبهم، وعلى رأسها تطبيق الحد الأدنى للأجور بأثر رجعي، وزيادة الأرباح السنوية إلى 60 شهرًا، ورفع نسبة الحافز الشهري إلى 350%، وزيادة بدل الوجبة إلى 1800 جنيه، والبدل النقدي إلى 1500 جنيه، فضلًا عن ضم علاوتي 2017 و2018.

 

وبينما وافقت الجمعية العمومية للشركة، بحسب ثلاثة مصادر عمالية، على قرارات وزارة التموين، لم تعلن إدارة الشركة رسميًا تفاصيل ما دار في الاجتماع حتى وقت النشر، ما زاد من حالة الغموض والاحتقان بين صفوف العمال، الذين قالوا إن موعد الجمعية ظل «محاطًا بالتكتم»، لدرجة أن بعضهم لم يكن متأكدًا من انعقادها من الأساس.

 

إضرابات توقف الصيانة مع اقتراب موسم الإنتاج

 

وفي تطور لافت، كشف عمال في مصانع دشنا ونجع حمادي بقنا، وإدفو بأسوان، أن عمال الصيانة أوقفوا أعمالهم بالكامل استعدادًا لموسم الإنتاج، الذي يبدأ عادة في النصف الثاني من يناير، وهو ما ينذر بتداعيات اقتصادية خطيرة على الشركة وقطاع السكر بأكمله، إذا استمرت حالة الشلل داخل المصانع.

 

ويرى العمال أن توقيت الاحتجاجات يحمل «ورقة ضغط حاسمة»، في ظل اعتماد الدولة على الإنتاج المحلي من السكر لتغطية احتياجات السوق وتقليل فاتورة الاستيراد، مؤكدين أن الإدارة تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي خسائر محتملة.

 

تاريخ من التعسف والعقوبات

 

وتستند اتهامات العمال للإدارة إلى وقائع سابقة، أبرزها محاولة انتحار عامل بمصنع سكر كوم أمبو في نوفمبر الماضي، بعدما نُقل تعسفيًا إلى مجمع الحوامدية بالجيزة، عقب مطالبته بتنفيذ وعود زيادة الرواتب.

كما شملت الإجراءات التعسفية، بحسب شهادات عمالية، نقل خمسة عمال من مصنعي إدفو وكوم أمبو، وتسريح أكثر من 40 عاملًا مؤقتًا من مصنع الخشب الحبيبي التابع لكوم أمبو، على خلفية مشاركتهم في إضراب سبتمبر الماضي.

 

وفي سبتمبر أيضًا، فصلت إدارة الشركة بالجيزة ثلاثة عمال، وفق روايات عمالية، بسبب نشاطهم الاحتجاجي، وهو ما عزز شعورًا عامًا داخل المصانع بأن الإدارة تتعامل مع المطالب الاجتماعية بـ«منطق أمني» بدلًا من الحلول التفاوضية.

 

أرقام الأرباح وصراع الروايات

 

وتأتي الاحتجاجات رغم تحقيق شركة السكر والصناعات التكاملية إيرادات بلغت 44 مليار جنيه خلال عام 2025، مقارنة بـ33 مليار جنيه في 2024، مع توقعات بوصول الإيرادات إلى ما بين 50 و55 مليار جنيه خلال العام المالي المقبل، بحسب تصريحات رسمية للرئيس التنفيذي.

 

لكن مصادر عمالية تشكك في رواية الإدارة التي تقول إن مصانع القصب لا تحقق مكاسب، معتبرة أن هذه الخسائر «مصطنعة»، نتيجة بيع السكر لوزارة التموين بسعر 12 جنيهًا للكيلو، في حين تصل تكلفة الإنتاج إلى نحو 35 جنيهًا، وهو ما يؤدي، بحسب العمال، إلى «استنزاف أرباح المصانع فعليًا لصالح سياسات تسعير مدعومة».

 

مطالب تتجاوز الأجور

 

ولا تقتصر مطالب العمال على الأجور والحوافز، إذ يطالب المحتجون أيضًا بتثبيت العاملين بعقود مؤقتة، وإجراء تسويات شاملة للحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة، وعودة مساهمة الشركة في علاج أسر العاملين بنسبة 50% من تكلفة الكشف والعلاج دون حد أقصى، إضافة إلى مطلب سياسي–إداري يتمثل في إعادة تبعية الشركة إلى وزارة الاستثمار بدلًا من وزارة التموين.