تشهد منطقة البرث جنوب رفح في شمال سيناء توترًا قبليًا غير مسبوق بين قبيلتي الترابين والتياها، بعد خلاف مالي تطوّر إلى اشتباكات مسلّحة وسقوط قتلى ومصابين، وسط غياب شبه كامل لتدخّل الدولة، مقابل حضور مكثّف للوجاهات القبلية والعائلات وصفحات التواصل الاجتماعي التي تحاول احتواء الأزمة قبل انفجارها على نطاق أوسع.
وبحسب شهادات قبلية وتقارير إعلامية، بدأ الخلاف بمنازعة على مستحقات مالية بين أفراد من القبيلتين، انتهت بمقتل أحد أبناء الترابين، ما فجّر موجة من الغضب والتحشيد المسلح من الطرفين، في منطقة مشحونة أصلًا بإرث السلاح والصراع مع تنظيم "داعش" وحضور رجل الأعمال إبراهيم العرجاني ونفوذه القبلي والأمني.
في ظل صمت الجيش والداخلية حتى لحظة كتابة هذه السطور، برزت أصوات داخلية من سيناء نفسها، من مشايخ وناشطين وصفحات قبَلية، تحاول أن تمسك بخيط التهدئة، وتمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أهلية مصغّرة قد تمتد آثارها إلى مجمل المشهد القبلي في شمال سيناء.
من خلاف مالي إلى حشد مسلح.. كيف اشتعلت شرارة البرث؟
وفق روايات محلية وتقارير صحفية، بدأت الأزمة بخلاف مالي بين أفراد من الترابين والتياها، تطوّر إلى مصادرة سيارات وملاحقات متبادلة، قبل أن يصل إلى ذروته بمقتل شاب من قبيلة الترابين في منطقة جنوب رفح، نُسب قتله إلى فرد من التياها.
هذا الحادث كان الشرارة التي أشعلت ما يشبه التعبئة العامة؛ عشرات المسلحين من الطرفين استُخدم فيها سلاح خفيف ومتوسط، بعضها من بقايا ترسانة السلاح التي انتشرت خلال سنوات الحرب على تنظيم "داعش" في شمال سيناء، حين سمحت الدولة بتسليح مجموعات قبلية و"اتحادات عشائرية" لمساندة الجيش، ثم تركت هذا السلاح بلا ضبط حقيقي بعد انحسار المعارك.
صفحة "تكنوقراط مصر" على منصة "إكس" (تويتر) وصفت المشهد بأنه "صدام مسلح بين قبيلتي الترابين والتياها في شمال سيناء وسط غياب رسمي"، مشيرة إلى أن جذور الخلاف مالية، لكن تصعيده يعود إلى مناخ السلاح المنفلت ورمزية القوة في المنطقة.
صدام مسلح بين قبيلتي الترابين والتياها في شمال سيناء وسط غياب رسمي
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) January 11, 2026
شهدت محافظة شمال سيناء، خلال الساعات الماضية، صدامًا مسلحًا عنيفًا بين أفراد من قبيلتي الترابين والتياها، في مناطق تقع جنوب رفح، ما أعاد التوتر القبلي إلى الواجهة في واحدة من أكثر المناطق حساسية أمنيًا في البلاد.… pic.twitter.com/WQclPCAHt1
تقارير أخرى تحدثت عن حصار متبادل لمناطق سكنية تابعة لكل قبيلة، مع محاولات فاشلة في بدايات الأزمة للتوصل إلى تهدئة عبر وساطات محدودة، قبل أن تتسع دائرة النداءات القبلية وتدخل أسماء من قبائل أخرى إلى المشهد، في اعتراف ضمني بأن القضية لم تعد مجرد "مشاجرة بين أبناء عمومة"، بل تهديد للبنية الاجتماعية بأكملها في رفح وما حولها.
فيسبوك بدل مجلس العرب.. نداءات التهدئة من صفحات القبائل
أمام غياب بيان رسمي واحد عن الجيش أو وزارة الداخلية حتى الآن، تحولت صفحات القبائل والناشطين السيناويين على فيسبوك إلى ما يشبه "ديوان طوارئ" مفتوح للتهدئة والاستغاثة.
على صفحة منصة وحدة القبائل العربية، وجّه الناشط مصطفى سلامة الصالحي نداءً واسعًا شمل أسماء مشايخ أكثر من عشرين قبيلة سيناوية وعربية، من الترابين والتياها والسواركة والرميلات إلى الحويطات والعيايدة ومزينة والصوالحة وغيرها، داعيًا الجميع إلى "السعي لحقن الدماء على رمل سيناء الحبيبة"، في إشارة واضحة إلى أن الفتنة لو اشتعلت فلن تقف عند حدود قبيلة بعينها.
نداءات مشابهة ظهرت في منشورات أخرى تستغيث بالمشايخ والعقلاء وتذكّر بعِشرة الدم والدين والجيرة بين القبيلتين، وتحذر من أن أي تصعيد لن يكون "نصرًا" لأحد، بل خسارة جماعية لكل سيناء.
من جهة أخرى، حاولت صفحات قريبة من الترابين نزع الطابع الجماعي عن الجريمة. صفحة "صوت الترابين f70" نشرت منشورًا واضحًا تقول فيه إن "السيئة لا تعمّ" وإن الخطأ فردي، وإن "قبيلة الترابين قبيلة عريقة وحكيمة… وقبيلة التياها كذلك، وبيننا علاقة حميمية"، في محاولة لكسر خطاب التعميم ومنع تحول الواقعة إلى "حرب قبائل".
https://www.facebook.com/Tarbynf70/posts/pfbid034QPEtS8ot3pY8q7xrVKDWe1gKXCN6QSFzeEWMjxZPKD88xJeaRA8CDTjCJdQogAyl
الفنان المعتزل سيد المعازي دخل على خط التهدئة بنداء ديني مؤثر عبر فيسبوك، ذكّر فيه بحرمة شهر رجب وحرمة الدم والسلاح في هذا الشهر، قائلًا: "أسألكم بالله أن تراعوا حرمة شهر رجب… واتقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله"، وهو خطاب يستند إلى رصيد الاحترام الشعبي للدين ورجال الدين والوجهاء في المجتمع السيناوي.
في الوقت نفسه، عبّر ناشطون مثل Khaled Awaad عن غضب مكتوم من استمرار الصمت، قائلًا: "إلى متى سنظل صامتين؟ الدم لا يترك، والصمت يزيد الفتنة… نطالب بتدخل عاجل من كبار وعقلاء القبائل".
هذه النداءات تكشف عن وعي حقيقي بخطورة اللحظة، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن نقل ثقل إدارة الأزمة بالكامل إلى المجتمع القبلي، في ظل غياب واضح لدور الدولة.
إرث السلاح وغياب الدولة.. سيناء على حافة فتنة أوسع
تقارير صحفية عربية، من بينها تقارير لـ"العربي الجديد" ووسائل أخرى، ربطت بين انفجار الأزمة الحالية وبين إرث السلاح الذي تركته العملية الشاملة 2018 وحرب الدولة على تنظيم "داعش"، حيث جرى تسليح مجموعات قبلية بعلم الأجهزة الأمنية، ثم لم يُستكمل مسار ضبط هذا السلاح أو دمجه في منظومة قانونية واضحة بعد انحسار المواجهات المباشرة مع التنظيم.
صحفيون وناشطون – منهم بلال العيساوي عبر منصة "إكس" – أشاروا إلى أن السلاح "سُلِّم… إلا أن بعض القبائل لم تسلّمه برعاية شخص كلنا عارفينه"، في تلميح مباشر إلى دور رجل الأعمال إبراهيم العرجاني وعلاقته بالأجهزة، وما ترتّب على ذلك من نفوذ مسلح يتجاوز أحيانًا سلطة الدولة نفسها في بعض مناطق شمال سيناء.
مغردون آخرون مثل أبو عايش (@aliAyyash86) طالبوا الدولة بتدخّل حاسم، مؤكدين أن سيناء "هدف قومي"، وأن من يرفع السلاح لحل مشكلة شخصية يجب أن يُحاسب، مع دعوة صريحة لإلزام قيادات الترابين بضبط السلاح داخل القبيلة ومنع حمله حتى في المناسبات والأفراح، تحسبًا لأي انفلات جديد.
في المحصلة، تكشف أزمة البرث ثلاث حقائق خطيرة:
- هشاشة البنية الأمنية في شمال سيناء حين يتعلق الأمر بصراع قبلي، مقابل صلابة القبضة الأمنية حين يتعلق الأمر بالمدنيين العزّل أو أصوات المعارضة.
- خطورة ترك السلاح الثقيل والخفيف في يد تشكيلات قبلية دون إطار قانوني واضح، ثم توقع أن تبقى الخلافات محصورة في "ديوان العرف" بلا انفجار.
- أن المجتمع السيناوي – رغم صراعاته – يمتلك حتى الآن قدرًا من الوعي والمسؤولية جعله يسارع إلى إطلاق نداءات التهدئة ورفض الفتنة، بينما تتأخر الدولة عن القيام بدورها الطبيعي في حماية الدم والأمن والسلم الأهلي.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا توجد بيانات رسمية عن حصيلة الضحايا ولا عن مسار التحقيق، فيما تبقى جهود التهدئة رهنًا بمبادرات المشايخ والعواقل، في مشهد يلخّص معاناة سيناء بين سلاح منفلت ودولة غائبة ومجتمع يحاول حماية نفسه بنفسه قبل فوات الأوان.

