في مطلع يناير الجاري، أعلنت الحكومة المصرية سداد 400 مليون دولار من المستحقات المتأخرة لشركات النفط الأجنبية، لتتراجع المتأخرات – بحسب مسؤول حكومي تحدث لـ"الشرق بلومبرغ" – إلى نحو 1.1 مليار دولار فقط، بعد أن نجحت الحكومة في سداد نحو 1.4 مليار دولار خلال أربعة أشهر، مع تعهّد رسمي بتصفية كامل المتأخرات قبل نهاية الربع الأول من 2026. تبدو الصورة على الشاشات كأنها "إنجاز"، لكن قراءة الأرقام وسياقها المالي والطاقة تكشف أن ما يجري أقرب إلى هروب للأمام لسداد ثمن سنوات من سوء الإدارة ونزيف العملة الصعبة.
400 مليون دولار لا تُخفي جبل الديون
بحسب ما نقلته منصات اقتصادية عن "الشرق بلومبرغ"، فإن دفعة 400 مليون دولار الأخيرة تأتي ضمن خطة لسداد ما بين 750 مليونًا إلى مليار دولار من متأخرات شركات النفط العالمية قبل نهاية الربع الأول من 2026، بعد سلسلة دفعات بدأت في 2024 حين أعلنت الحكومة تخصيص ما يصل إلى 1.5 مليار دولار لبدء تقليص المتأخرات المتراكمة.
خلال 2024 و2025، دفعت الحكومة أكثر من 3.5 – 4.5 مليار دولار من ديون شركات النفط، منها مليار دولار في الأسبوع الأول من يناير 2025، في محاولة لطمأنة الشركات الأجنبية واستعادة ثقتها بعد سنوات تراكمت فيها المتأخرات إلى مستويات قاربت 1.7 – 2 مليار دولار ثم أكثر، قبل بدء خطة السداد المكثف.
لكن هذه ليست المرة الأولى التي تضطر فيها مصر للدخول في دوامة "الديون – السداد – إعادة التراكم":
في 2013، قدّرت تقارير دولية المتأخرات المستحقة لشركات النفط الأجنبية بما بين 5 و6 مليارات دولار، نصفها متأخرات تجاوزت آجالها، ما عكس عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها في ظل فاتورة دعم وقود متضخمة ونقص حاد في الدولار.
لاحقًا، أعلنت الحكومات المتعاقبة سداد مليارات الدولارات لتهدئة الشركات وجذب استثمارات جديدة، قبل أن تعود الأزمة إلى الواجهة مع كل موجة شح في العملة الصعبة أو اضطراب في إمدادات الغاز والإنتاج المحلي.
بمعنى آخر: الـ400 مليون دولار اليوم ليست علامة قوة بقدر ما هي اعتراف ضمني بأن الدولة اضطرت – مرة أخرى – لاستخدام ما توفر من عملة صعبة لإطفاء حريق عاجل، خشية أن تتوقف الاستثمارات والإنتاج أو تتجه الشركات لمقاضاة القاهرة أو خفض إنفاقها في السوق المصري.
أزمة طاقة مزمنة.. ودولارات النفط تهرب من جيوب المصريين
سداد المتأخرات لا يحدث في فراغ، بل في قلب أزمة طاقة وعملة صعبة متصاعدة:
منذ 2024 عادت مصر إلى مقعد المستورد الصِرف للغاز، بعدما كانت تروّج لنفسها كـ"مركز إقليمي للطاقة"، مع تراجع إنتاج الغاز المحلي – وخاصة من حقل ظهر – إلى أدنى مستوى في سبع سنوات بحلول سبتمبر 2024.
في 2025، وقّعت القاهرة صفقات غاز مسال (LNG) مع "شل" و"توتال إنرجيز" بنحو 3 مليارات دولار لتأمين 60 شحنة لعام واحد، ثم دخلت في مفاوضات جديدة لشراء 40–60 شحنة إضافية بتكلفة قد تصل إلى 3 مليارات دولار أخرى وسط أزمة كهرباء وصيف حار وانقطاعات واسعة.
تقدّر تقارير بلومبرغ أن فاتورة استيراد المنتجات البترولية والغاز المسال لمصر قفزت إلى نحو 20 مليار دولار في 2025 مقابل 12.5 مليار دولار في 2024، مع استمرار نزيف احتياطي النقد الأجنبي لصالح الوقود بدلًا من الاستثمار والإنتاج.
فوق ذلك، تعتمد القاهرة على غاز الاحتلال الإسرائيلي لسد فجوة الإمدادات، بنحو 1 – 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا ترتفع تدريجيًا مع بداية 2026، في ظل اتفاقيات طويلة الأجل تمتد حتى 2040، ما يجعل جزءًا من أمن الطاقة المصري مرتهنًا لتقلبات الإقليم والحرب في غزة والبحر الأحمر.
في هذا السياق، يصبح سداد 400 مليون دولار لشركات النفط الأجنبية ليس "خبرًا جيدًا" للمواطن بقدر ما هو ضمانة للمستثمر الأجنبي بأن أمواله لن تضيع، بينما يظل المواطن نفسه يدفع ثمن هذه السياسة في شكل:
- زيادات متتالية في أسعار الوقود والكهرباء.
- تضخم مرتفع يرتبط بتكاليف الطاقة والنقل.
- تقليص دعم الخدمات الأساسية لتوفير دولارات لخدمة ديون الطاقة.
بمعنى أوضح: الدولة تسدد ديونها لشركات النفط بالدولار، بينما تسدد الطبقات الوسطى والفقيرة فاتورة هذه الديون بالجنيه وارتفاع الأسعار وتدهور مستوى المعيشة.
بين تجميل بيئة الاستثمار وتجاهل جذور الأزمة
رسميًا، تروّج الحكومة لهذه الدفعات باعتبارها "جزءًا من تحسين بيئة الاستثمار في قطاع الطاقة" ورسالة طمأنة للشركات العالمية، وشرطًا ضروريًا لزيادة الاستكشاف والإنتاج وجذب شركاء جدد. ولهذه الحجة جانب صحيح؛ فشركات النفط لا تضخ استثمارات مليارية في بلد تتأخر حكومته عن سداد المستحقات لسنوات.
لكن الوجه الآخر للصورة أن تكرار أزمة المتأخرات يكشف خللًا هيكليًا مزمنًا:
نموذج دعم وتشوه سعري يجعل الدولة تشتري الطاقة بسعر عالمي ثم تبيعها محليًا بأسعار لا تغطي التكلفة أو تحمّل الصناعات كثافات سعرية مفاجئة تهز قدرتها التنافسية.
مشروعات كبرى كثيفة الاستهلاك للعملة الصعبة – من عاصمة إدارية وتسليح ثقيل إلى توسعات بنية تحتية – استنزفت الاحتياطي دون عائد إنتاجي سريع، ما جعل أي صدمة خارجية (حرب في غزة، اضطراب البحر الأحمر، وقف غاز الاحتلال مؤقتًا) تتحول إلى أزمة خانقة في الطاقة والدولار معًا.
الاعتماد على الخارج كحل دائم: قروض من صندوق النقد، حزم تمويل من الاتحاد الأوروبي بقيمة 7.4 مليارات يورو بينها 5 مليارات كمساعدة مالية، ودعم من دول خليجية لشراء شحنات غاز، تُستخدم في جانب كبير منها لسداد فاتورة الطاقة والديون بدلًا من إعادة بناء اقتصاد إنتاجي قادر على توليد العملة الصعبة ذاتيًا.
هكذا يبدو إنجاز 400 مليون دولار أشبه بـ"طلاء جديد على جدار متشقق": قد يمنع سقوطه اليوم، لكنه لا يعالج أساسه المهترئ. ما لم تغيّر الحكومة نموذج إدارة ملف الطاقة – من سياسة أسعار شفافة وعدالة توزيع للكلفة، إلى أولوية مطلقة للاستثمار الإنتاجي على حساب الإنفاق الاستعراضي – ستعود أزمة المتأخرات لتطل برأسها مجددًا، ومعها سؤال أكبر: إلى متى يمكن لاقتصاد يعيش على الأكسجين الخارجي أن يواصل سداد الفواتير دون أن يختنق المجتمع؟

