بعد أكثر من عقد من "المغامرة" الخارجية التي قادها محمد بن زايد، تحوّلت الإمارات من نموذج يُسوَّق كواحة استقرار وازدهار، إلى لاعب متورّط في ملفات نزيف وحروب مفتوحة من اليمن إلى السودان وليبيا.
ومع اتساع كلفة هذه السياسات، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، يطرح كثيرون سؤالا مقلقا: هل بات ولي عهد أبوظبي الحاكم الفعلي للبلاد خطرا على تماسك أسرته الحاكمة وعلى استقرار اتحاد الإمارات نفسه، في ظل تململ مكتوم داخل بعض الإمارات من كلفة "قيادة" أبوظبي للمغامرات الخارجية؟
هذا التقرير يتتبع أبرز محطات الفشل والارتداد في سياسة بن زايد، من مستنقع اليمن إلى حريق السودان وفوضى ليبيا، وصولا إلى احتمالات انعكاس هذه المتتالية على تماسك الداخل الإماراتي نفسه.
اليمن.. من شعار "الحسم" إلى انسحاب مرتبك وصِدام مع الحليف
دخلت الإمارات حرب اليمن سنة 2015 تحت راية "التحالف العربي" بقيادة السعودية، بشعار استعادة "الشرعية" وحسم المعركة ضد الحوثيين سريعا. لكن بعد سنوات من التدخل العسكري المباشر وتمويل وتسليح قوى محلية متعددة، تحوّل الملف إلى واحدة من أكبر مستنقعات الفشل في تاريخ السياسة الخارجية لأبوظبي. تقارير بحثية غربية أشارت مبكرا إلى أن التدخل الإماراتي، بدلا من الحسم، ساهم في تعميق الصراع وإعادة رسم خرائط النفوذ وفتح الباب لمشاريع تقسيم في الجنوب.
مع الوقت، سحبت الإمارات الجزء الأكبر من قواتها المعلنة، لكنها أبقت على نفوذ واسع عبر تشكيلات مسلحة أبرزها "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الذي مثّل ذراعها الرئيسة في الجنوب وموانئ استراتيجية كعدن وسقطرى. ومع صعود نفوذ هذه التشكيلات، تصاعد التوتر مع السعودية، إلى حد الحديث اليوم عن "خلاف سعودي–إماراتي مفتوح" حول اليمن، بعد أن باتت القوى المدعومة من أبوظبي تُتهم بالسعي لإعادة دولة الجنوب السابقة، في تناقض مع هدف "استعادة الدولة الموحدة".
فشل الحسم العسكري، وتفاقم الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب، وتحوّل الجنوب إلى ساحة تنازع بين أذرع أبوظبي والرياض، كلها عناصر جعلت "الملف اليمني" عنوانا صارخا لفشل خيار القوة الذي تبناه بن زايد. ومع كل تطور جديد هناك، تصبح صورة الإمارات كـ"حليف موثوق" أكثر إرباكا، سواء لدى حلفائها الخليجيين أو لدى الشارع العربي المنهك من الحروب.
السودان وليبيا.. استثمارات في الفوضى ترتد على أبوظبي
في السودان، تتقاطع أصابع الاتهام عند دور إماراتي في دعم قوات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، سواء عبر مسارات السلاح أو الذهب أو الشبكات المالية العابرة للحدود، بحسب تحقيقات صحفية غربية ومنظمات مراقبة تسليح.
هذه التقارير ربطت بين تدفق السلاح والمال وبين قدرة الميليشيا على خوض حرب مدمرة ضد الجيش السوداني، ارتُكبت خلالها مجازر موثقة في دارفور، ووصفتها جهات حقوقية بأنها أقرب إلى الإبادة الجماعية، فيما اضطرت أبوظبي لاحقا للاعتراف بأن سياستها في السودان "لم تسر كما ينبغي"، وسط انتقادات دولية متصاعدة.
ورغم نفي الإمارات الرسمي تقديم دعم عسكري مباشر، فإن تكرار الإشارات في تقارير أممية وصحفية إلى دور شركات وشبكات مرتبطة بها في تغذية آلة الحرب، جعل اسمها جزءا من خطاب الإدانة الدولي لمسار الصراع في السودان، الذي بات يوصف بأنه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم" حاليا.
في ليبيا، كان المشهد أكثر وضوحا منذ 2014؛ إذ وثقت دراسات ومراكز بحث ومنظمات أممية أن الإمارات كانت الداعم السياسي والعسكري الأبرز للجنرال خليفة حفتر، من خلال السلاح والتمويل والدعم السياسي، بل والتسهيل اللوجستي لتحركات مرتزقة وقوى مسلحة أجنبية. هذا الدعم لعب دورا رئيسا في تمكين حفتر من السيطرة على مساحات واسعة شرق ليبيا، وشن هجومه الفاشل على طرابلس سنة 2019، في تحدٍ مباشر لمسار الأمم المتحدة آنذاك.
لكن بعد سنوات من الرهان على "رجل واحد قوي" في ليبيا، اضطرت أبوظبي لاحقا إلى مراجعة تكتيكاتها تدريجيا، وفتح قنوات مع السلطات المنافسة في الغرب الليبي. غير أن هذه "البراغماتية المتأخرة" لم تمحُ صورة الإمارات كمحرك لفوضى السلاح والمرتزقة، ولا كلفة الحرب على المدنيين الليبيين، ولا أثمان المواجهة مع قوى إقليمية أخرى دخلت الساحة الليبية ردا على هذا التدخل.
بهذا المعنى، تبدو ملفات السودان وليبيا امتدادا لنمط واحد: استثمار في قوى مسلحة غير دولية، رهان على الحسم بالقوة ضد الإسلاميين والخصوم السياسيين، ثم ارتداد الفوضى على صورة الإمارات ومصالحها وعلاقاتها، من دون تحقيق "نصر نهائي" في أي ساحة.
بين طموح "القوة الإقليمية" وتململ الداخل.. هل يتهدد تماسك الاتحاد؟
خلال العقد الماضي، قفزت الإمارات إلى مقدمة المشهد الإقليمي كلاعب يسعى لصياغة موازين القوى بعد الثورات العربية؛ تدخل في البحرين، دعم مفتوح لانقلاب عسكري في مصر، تمويل قوى مضادة للربيع العربي في أكثر من بلد، دخول مباشر في حروب اليمن وليبيا والسودان، ثم تطبيع متسارع مع الاحتلال الإسرائيلي، بالتوازي مع شبكة تحالفات اقتصادية وعسكرية عابرة للمنطقة.
بعض المراكز البحثية الغربية تصف هذا المسار بـ"التحول من دولة صغيرة إلى قوة إقليمية نشطة"، لكنه في الوقت ذاته راكم خصومات عميقة مع تيارات واسعة في المجتمعات العربية والإسلامية، وأدخل أبوظبي في تناقضات مكلفة: من جهة خطاب "محاربة التطرف"، ومن جهة أخرى دعم ميليشيات ومرتزقة في ساحات متعددة؛ من جهة ترويج صورة "واحة استقرار"، ومن جهة أخرى الانخراط في مغامرات عسكرية تشعل محيطها المباشر.
داخليا، يدفع هذا النمط من السياسة ثمنا صامتا:
- تركيز القرار الاستراتيجي في قبضة أبوظبي، وتهميش أدوار الإمارات الأخرى في ملفات مصيرية.
- تضخم كلفة التسلح والتدخل الخارجي مقارنة بحجم الاقتصاد والموارد البشرية المحدودة للدولة.
- توتر مكتوم مع بعض الشركاء الخليجيين، كما يظهر في الخلافات المتزايدة مع السعودية حول اليمن، وحدود النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
من الصعب الحديث الآن عن "تفكك وشيك" للاتحاد الإماراتي؛ فالبنية الأمنية الصلبة، والقبضة السياسية المحكمة، وشبكة المصالح الاقتصادية التي نسجها بن زايد وعائلته الحاكمة، كلها عوامل تؤجل أي انفجار داخلي كبير. لكن تزايد الفشل الخارجي وتآكل صورة "الحليف الموثوق" واحتدام الصراعات في جوار الإمارات المباشر، تجعل المخاوف من ارتداد هذه السياسات إلى الداخل أكثر واقعية.
أسئلة من قبيل:
- إلى أي حد سيقبل حكام الإمارات الأصغر استمرار دفع فاتورة مغامرات تُقرَّر في أبوظبي؟
- وما سقف صبر النخب الاقتصادية والبيروقراطية على مخاطر توريط البلد في مواجهات مع قوى إقليمية ودولية؟
- وهل يستطيع النظام في المدى المتوسط أن يجمع بين "الانفتاح الاقتصادي" و"التشدد الأمني" و"التدخل الخارجي" دون أن تنفجر إحدى هذه الدوائر؟
كلها أسئلة باتت تُطرح ليس فقط في أروقة المعارضين، بل أيضا في تقارير مراكز بحث غربية كانت حتى وقت قريب تُشيد بـ"النموذج الإماراتي".
في النهاية، متتالية الفشل في اليمن والسودان وليبيا وغيرها لا تهدد فقط صورة محمد بن زايد كمهندس "قوة إقليمية صاعدة"، بل تفتح الباب لسؤال أكبر: إذا استمرت هذه المغامرات بلا مراجعة حقيقية ولا محاسبة، فهل يتحول الرجل الذي قدّم نفسه ضامنا للاستقرار، إلى الخطر الأكبر على استقرار أسرته الحاكمة واتحاد دولته نفسه؟ سؤال قد لا تُجيب عنه البيانات الرسمية الآن، لكن ساحات الحروب المشتعلة من حول الإمارات تكتب جزءا من إجابته كل يوم.

