طارق الزمر

رئيس مركز حريات للدراسات السياسية، ورئيس حزب البناء والتنمية سابقًا

 

منذ اللحظة التي أعقبت انقلاب الثالث من يوليو عام 2013، لم يُطرح السؤال حول علاقة مصر بالإمارات باعتبارها معادلة معقدة أو ذات أبعاد استراتيجية متداخلة. بدا الأمر في ظاهره بسيطا وواضحا: دولة عربية "شقيقة" تتقدم لنجدة أكبر دولة عربية بعد اضطراب سياسي هائل، وتضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد المصري، وتقدم الدعم السياسي والإعلامي للنظام الجديد، وتعمل على حمايته من العزلة الدولية. تلك كانت الرواية التي رسختها السلطة والإعلام لعقد كامل تقريبا: أن الإمارات الحليفة هي أكبر الداعمين لمصر، وأن ما تقدمه ليس مشروطا ولا يحمل أجندة خفية، وأن العلاقة بين الدولتين هي نموذج للتضامن العربي في لحظة تاريخية حساسة.

 

غير أنه، وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام، يبدو أن هذه الرواية بدأت تتهاوى أمام الوقائع والنتائج والخرائط الجديدة للصراع الجيوسياسي. فالدعم الإماراتي الذي بدا أول الأمر كسلّم طوارئ اقتصادي وسياسي لإنقاذ الدولة، تحول تدريجيا إلى حالة تبعية مالية وسياسية متمكنة جعلت من القاهرة تابعا غير معلن لسياسات أبو ظبي الإقليمية، وأخرجت مصر من دورها القيادي الذي لعبته لعقود طويلة إلى ما يشبه موقع الدولة المنفذة لإرادة طرف خارجي أصغر حجما وأقل وزنا، لكنه أكثر شراسة في أدوات النفوذ.

 

فحين تلقّت مصر موجات المساعدات الإماراتية الضخمة في السنوات الأولى، بدا الأمر جزءا من ترتيب إقليمي يهدف إلى إسناد السلطة الجديدة ومنع عودة التيارات الثورية والإسلامية إلى الحكم. لكن هذه الأموال لم تُبنِ اقتصادا مصريا منتجا، ولم تذهب إلى الزراعة أو الصناعة أو التكنولوجيا أو مشروعات تنموية تؤسس لاستقلال اقتصادي طويل المدى. بل ذهبت في معظمها إلى عقارات وبنى فوقية ومدن إدارية وتجارية، وإلى تعزيز نمط اقتصاد قائم على الديون والإنشاءات وتوسيع شبكات النقل دون بناء قاعدة إنتاج حقيقية.

 

الأخطر أن المساعدات لم تكن مجرد مالية، بل فتحت الباب أمام نفوذ مركّب في الإعلام ورجال الأعمال وخريطة المصالح داخل الدولة. ظهر رجال يعلون بمكانتهم في مفاصل حيوية من الاقتصاد والإعلام والسياسة يرتبطون بأبو ظبي أكثر مما يرتبطون بمصلحة الدولة المصرية ذاتها. وامتد النفوذ إلى دوائر رسم القرار، فأصبحت الإمارات ليست فقط شريكا، بل مؤثرا فعليا في صياغة أولويات السياسة المصرية الخارجية والإقليمية.

 

ويمكن القول إن التحول الحقيقي ظهر أولا كان خارج حدود مصر، حيث تبين أن المشروع الإماراتي في المنطقة لا يتطابق مع المصالح المصرية، بل يناقضها في جوهره. ففي اليمن، دفعت الإمارات القاهرة للانخراط في التحالف العربي، لكنها ما لبثت أن انسحبت من مواجهة الحوثيين واتجهت لتأسيس نفوذ مستقل في الجنوب وباب المندب وسقطرى والمخا، وهو النفوذ الذي يهدد مباشرة قناة السويس وأمن الملاحة المصرية. وفي البحر الأحمر، لم تجد مصر نفسها في موقع قيادة، بل في ظل هيمنة إماراتية إسرائيلية على مفاصل التجارة العالمية.

 

وفي السودان، ظهرت تناقضات أكبر: فبينما ترى القاهرة أن وحدة السودان قضية أمن قومي لا تقبل المساومة، دعمت الإمارات قوات الدعم السريع التي تشكل نواة مشروع تفكيك السودان إلى كيانات متعددة. انهيار السودان لا يعني فقط دولة ضعيفة جنوب مصر، بل فوضى مسلحة ولاجئين وقطعا لسياقات استقرار وادي النيل، ومع ذلك تمضي أبو ظبي في هذا المشروع بلا اكتراث، وكأن السودان مجرد مساحة نفوذ خالصة لا مجال فيها لحسابات الجوار المصيري.

 

وفي ليبيا، بدا تقاطع المصالح بين مصر والإمارات في البداية متقاربا، قبل أن تتضح فجوة كبيرة في الرؤية. مصر تحتاج إلى ليبيا موحدة مستقرة على حدودها، بينما تتعامل الإمارات مع ليبيا كأرض لتجريب المليشيات وتحالفات المرتزقة وتمكين قيادات عسكرية دون مشروع دولة أو مؤسسات. ليبيا المفككة تستنزف مصر، بينما تمنح الإمارات فرصة للتفوق الجيوسياسي.

 

ويتضح التناقض بصورة أكثر صدمة في ملف شرق البحر المتوسط، حيث تمتلك مصر واحدة من أكبر الثروات الغازية المكتشفة في العقد الأخير، وتمثل منطقة المتوسط نافذة مصر الاستراتيجية نحو الخروج من أزمتها الاقتصادية وبناء استقلال اقتصادي قائم على الطاقة والتصدير. ورغم ذلك، لم تقف الإمارات إلى جانب شراكات مصر الطبيعية مع تركيا أو حتى الدول الأوروبية الباحثة عن بديل للغاز الروسي، بل استثمرت في مسارات تضيع على القاهرة قوتها التفاوضية. فتارة تدعم تحالفات تسعى لحصر مصر ضمن ترتيبات مرتبطة بإسرائيل واليونان وقبرص لتستبعد تركيا، وتارة تميل لتسهيل صفقات تمنح تل أبيب وتجار الغاز اليد العليا على خطوط التسييل والنقل، بينما تبقى مصر حبيسة منشآت محدودة وقدرات تفاوضية مقيدة. وفي اللحظة التي كان يمكن فيها للقاهرة أن تعيد رسم دورها كقوة غاز رئيسية في شرق المتوسط، ساعدت الإمارات -بحسابات مصلحية ضيقة- على خلق إطار اقتصادي وسياسي يجعل إسرائيل مركز الطاقة الجديد في المنطقة، بينما تتحول مصر إلى دولة عبور ومستهلك أكثر منها لاعبا حقيقيا في معادلة القيمة المضافة.

 

ولا يقل الملف المتعلق بقبرص واليونان تعقيدا عن المشهد نفسه، إذ بدلا من تشجيع مصر على بناء شراكات استراتيجية مرنة مع جميع الأطراف لضمان مصالحها، سعت الإمارات إلى تثبيت مصر داخل محور شرق متوسطي يهدف أساسا لمحاصرة تركيا، لا لتعظيم مكاسب القاهرة. ومع أن النزاعات البحرية بين تركيا واليونان ليست شأنا مصريا مباشرا، وجدت مصر نفسها محشورة في اصطفاف يخدم حسابات أبو ظبي ويدعم أثينا ونيقوسيا، رغم أن الخرائط البحرية التي تم توقيعها لا تزال تحرم مصر من مساحات غاز كبيرة محتملة كان يمكن استعادتها من خلال تفاهمات أكثر توازنا مع أنقرة. فجأة تحولت مصر من دولة تملك أوراق ضغط إلى دولة تتعامل مع أطراف المتوسط من موقع الدفاع، بينما يحصد الآخرون عوائد الطاقة.

 

ولم يقتصر التناقض على المتوسط أو ليبيا أو السودان أو اليمن، بل امتد إلى ملف غزة، حيث دعمت الإمارات مسارات اقتصادية وسياسية متماهية مع رؤية إسرائيل في إدارة القطاع وعزله تدريجيا عن أي سياق وطني شامل، ودفعت في اتجاه مشاريع توطين أو تهدئة بعيدا عن الحل السياسي الحقيقي. في الوقت ذاته، لم تقلق أبو ظبي من احتمال تفريغ غزة من سكانها أو إعادة هندسة دورها، طالما الترتيبات تمنح إسرائيل استقرارا وتحجّم حركات المقاومة. هذا التوجه لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد مصر من جهة أمن سيناء والحدود الشرقية والمياه، قبل أي شيء آخر.

 

وفي ملف سد النهضة، بينما ترى القاهرة أن وجود سد ضخم تحت سيطرة قوة إقليمية كإثيوبيا تهديد وجودي لأمنها المائي، دخلت الإمارات بكل ثقلها في دعم مشاريع الطاقة والسدود الإثيوبية، وتمويل أدوات سياسية واقتصادية منحت أديس أبابا مساحة مناورة أكبر، بدلا من دعم مصر في تحصيل اتفاق عادل وملزم. وفي لحظة فارقة، كانت تحتاج فيها القاهرة إلى وحدة موقف عربي وإقليمي، وجدت أبو ظبي تتحرك في الاتجاه المعاكس، متجاهلة أمن مصر المائي لصالح بناء نفوذ جديد في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

 

اليوم تبدو مصر أمام مفترق طرق: إما أن تبقى مرتبطة بالدور الإماراتي الاستتباعي، فتخسر السودان وليبيا والبحر الأحمر والمتوسط وسيناء والمجال الحيوي لغزة، وتتحول تدريجيا إلى دولة وظيفية تقف في الصف لا أمامه، أو تستعيد زمام المبادرة، وتبني تحالفات أوسع، وتعيد تعريف أمنها القومي بعيدا عن عقدة الخوف من الإسلاميين أو هوس مواجهة الثورات الذي تدفع اليه أبو ظبي.

 

إن مصر، بكل تاريخها وموقعها وسكانها وقدرتها على التأثير، أكبر بكثير من أن تعيش في ظل مشروع إقليمي لدولة صغيرة مهما بلغ طموحها. ولا يمكن لدولة بحجم مصر أن تخضع لطموحات مرتبطة بموانئ ومرتزقة وتحالفات ظرفية، لأن أمنها القومي لا يُدار من عاصمة أخرى، ولا تُحدد أولوياته بناء على حسابات اقتصادية لا تراعي جغرافيا وادي النيل وشرق المتوسط والبحر الأحمر.

 

الدعم الذي لا يحمي مصر ولا يقويها ولا يزيد استقلال قرارها؛ ليس دعما ولا تضامنا، بل اختراق ناعم يجري تمريره تحت غطاء من العلاقات الأخوية، والرعاية التي لا تبني دولة، بل تبني تبعية، ليست إلا أداة لتقييد الخيارات وجرّ مصر إلى صراعات ليست صراعاتها.

 

إن اللحظة العربية الراهنة -بما فيها من تحولات في اليمن والسودان وغزة والبحر المتوسط والتحالفات الجديدة المحتملة بين أنقرة والرياض وإسلام آباد- تمنح مصر فرصة لاستعادة موقعها الطبيعي. وهذه الفرصة لن تنتظر طويلا، فإما أن تستعيد مصر نفسها، أو تترك للإمارات وإسرائيل ومرتزقة الموانئ رسم حدود أمنها القومي بالوكالة.

 

لقد قدمت الإمارات دعما كبيرا، لكنه دعمٌ للنظام أكثر منه للدولة، دعم استثمر إخفاقاتنا، واستثمر صمتنا، واستثمر فراغنا القيادي. والسؤال الأخطر اليوم ليس ماذا قدمت أبو ظبي للقاهرة، بل ماذا أخذت منها؟ وما الذي باتت تمليه عليها؟ وما الذي ستخسره مصر إذا بقيت في هذا الخط؟

 

في النهاية، ليست الدول التي تُهزم بالحرب وحدها التي تخسر، بل الدول التي تسلم قرارها السيادي طوعا. ومصر أكبر من أن تُقاد، وأحرى بها أن تقود.