بدأ رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مؤتمرًا صحفيًا بـ«تأكيد الجاهزية» للتعامل مع تداعيات الحرب، وبأن لدى الحكومة خططًا وسيناريوهات مُعدة سلفًا. الرسالة كانت سياسية بقدر ما هي اقتصادية: لا داعي للقلق. لكن المشكلة ليست في إعلان الاستعداد، بل في غياب أي مؤشرات قابلة للقياس حول تكلفة السيناريوهات نفسها، ومن يدفعها، ومتى تتحول «الاستثناءات» إلى سياسة يومية.

 

قال مدبولي إن إطالة أمد الصراع قد تدفع الدولة إلى إجراءات استثنائية «لا ترغب في اللجوء إليها»، مع التشديد على أولوية الاستقرار الاقتصادي وتأمين احتياجات المواطنين. هذه جملة واحدة تحمل كل شيء ولا تُفصّل شيئًا. الاستثناءات في الاقتصاد ليست شعارًا، بل قرارات تمس الاستيراد والطاقة والسعر والإنفاق العام. والامتناع عن تحديدها يضع المواطن والسوق أمام منطقة رمادية، تُدار فيها التوقعات بالخوف بدل المعلومات.

 

«سيناريوهات» بلا أرقام.. ومسؤولية بلا محاسبة

 

ربط رئيس الوزراء المؤتمر بما بعد اجتماع موسّع في العاصمة الإدارية الجديدة لمراجعة ملفات اقتصادية «ذات أولوية». لكن العرض العلني اكتفى بالعنوان، وترك التفاصيل داخل الغرف. إذا كانت الحكومة تتحدث عن حرب قد تطول، فالمطلوب كشف الحد الأدنى من خطوط الطوارئ: حجم المخزون الاستراتيجي، سقف تحمل الموازنة، وترتيب الأولويات بين الإنفاق الاجتماعي وخدمة الدين. دون ذلك، تتحول كلمة «جاهزون» إلى مطالبة ضمنية بالثقة العمياء.

 

يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن تحسن سوق الصرف في مصر يرتبط أساسًا بتدفقات النقد الأجنبي وبسيطرة آليات العرض والطلب، لا بخطاب الطمأنة وحده. هذا يعيد النقاش إلى جوهره: الحرب ليست خبرًا سياسيًا فقط، بل صدمة محتملة للتدفقات والسياحة والاستثمار وتكلفة التأمين والشحن. أي ضغط على هذه القنوات يختبر «المرونة» فعليًا، ويُظهر إن كانت السيناريوهات الحكومية ممولة أم مكتوبة على الورق.

 

«لن يؤثر على سعر الصرف».. تصريح قطعي في سوق غير قطعي

 

شدّد مدبولي على أن الحرب لن تؤثر على سعر الصرف، وقال إن مصر تمتلك احتياطات كافية، وإن الدولار يخضع لآليات العرض والطلب ضمن سياسة الصرف المرن. المشكلة هنا ليست في تبني الصرف المرن، بل في صياغة تعهد نهائي لا يملكه أي مسؤول في اقتصاد مفتوح على صدمات الطاقة والتجارة. حتى مع الاحتياطي، يبقى السعر نتيجة توازنات يومية، وأحيانًا نفسية، تتغير مع الأخبار وتكلفة التمويل وتوقعات المستثمرين.

 

الخبيرة المصرفية سحر الدماطي تتحدث عن الاحتياطي باعتباره عنصر دعم للاستقرار المالي والنقدي، وتربط زيادته بإصلاحات وتدفقات. هذا توصيف واقعي لدور الاحتياطي: وسادة أمان، لا «درعًا» يمنع حركة السوق. لذلك يصبح واجب الحكومة أن تفصل بين ما تستطيع التحكم فيه (إدارة السيولة وتوقيتات الاستيراد) وما لا تستطيع (مزاج الأسواق العالمية). إطلاق جملة «لن يتأثر» يُحمّل الدولة تعهدًا يصعب الدفاع عنه إذا تبدلت المؤشرات.

 

«لا أزمة في العملة».. بينما الأزمة تُقاس بالتكلفة لا بالتوفير

 

قال مدبولي إنه لا توجد أزمة في تدبير العملة الصعبة، وإن الحكومة قادرة على توفير أي سلع أو بدائل غذائية لمواجهة نقص محتمل، مع «تأمين سوق النقد الأجنبي بالكامل». مرة أخرى، الصياغة تخلط بين توافر السلعة وتكلفتها. توفير القمح أو الوقود أو الزيوت ممكن، لكن بسعر أي دولار، وبأي عبء على الدعم، وبأي ضغط على الأسعار المحلية؟ السوق لا يسأل فقط: هل ستتوفر السلع؟ بل: هل ستتوفر دون موجة غلاء جديدة؟

 

محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين بالمجموعة المالية هيرميس، تحدث سابقًا عن توقعات تتعلق بمسار الاحتياطي عند مستويات بعينها. جوهر الفكرة هنا أن الاحتياطي مؤشر يتحرك وفق المدفوعات والتدفقات، وليس رقمًا ثابتًا يُستخدم لإغلاق النقاش. إذا كانت الحكومة واثقة من «عدم وجود أزمة»، فالمطلوب عرض بيانات دورية: حجم الالتزامات قصيرة الأجل، فجوة التمويل، وتأثير سيناريو الحرب على السياحة والتحويلات والشحن. الشفافية وحدها تقلل الهلع، لا العبارات القطعية.