د. عبد التواب بركات
كاتب وأستاذ مساعد في مركز البحوث الزراعية بالقاهرة
لا يجد المتضامنون مع أهالي جزيرة الوراق المصرية مبررًا ولا يملكون حيلة لوقف ما يتعرضون له منذ سنة 2017 من انتهاكات حكومية بقرارات تحرمهم من حقوقهم الدستورية في الملكية الخاصة وخدمات توثيق الشهر العقاري والخدمات العامة الأساسية وهدم المستشفى الوحيد ومركز الشباب، والانتهاكات الأمنية باقتحام قوات الشرطة للجزيرة والاعتداء على الأهالي بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والخرطوش، وقتل أحد أبنائها واعتقال العشرات منهم، بهدف إرهابهم وإجبارهم بقوة السلطة والسلاح على التنازل عن منازلهم التي ولدوا وعاشوا فيها، وعن أراضيهم الزراعية التي عاشوا على خيراتها إرثًا عن جدودهم، وحرمان أولادهم من حقهم في السكن والزواج، والإصرار على إخلاء الجزيرة وتحويلها من مجتمع زراعي ريفي إلى مشروع استثماري عقاري لصالح مستثمرين أجانب.
وأحالت النيابة العامة المصرية في نوفمبر الماضي إلى محكمة الجنايات أعدادًا من الأهالي بينهم محامية من أعضاء هيئة الدفاع عن أهالي الجزيرة، محبوسين بتهمة مقاومتهم قوات أمن وزارة الداخلية في الاشتباكات التي شهدتها الجزيرة قبل أسابيع، وقالت هيئة الدفاع عن الأهالي إنّ المجني عليهم تحولوا إلى جناة للضغط على الأهالي مقابل ترك منازلهم وأراضيهم وتسليمها للحكومة التي تسعى لتفريغ الجزيرة من السكان لبيعها لمستثمرين أجانب.
لعنة المكان
موقع الجزيرة الفريد في وسط نهر النيل عند ملتقى محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية وبين حيي إمبابة وشبرا الخيمة جعلها مطمعا للمستثمرين الداعمين للحكومة الغارقة في الديون والفساد، فأصبحت ضحية لموقعها العبقري وأصابتها لعنة المكان بتعبير فيلسوف الجغرافيا المصري جمال حمدان. بدأت الأزمة بتعريض من رأس النظام في منتصف سنة 2017 يحسد أهالي الجزيرة على موقعها المتميز ومساحتها الواسعة ويتهمهم بالبناء دون ترخيص وإلقاء الصرف الصحي في مياه النيل بقوله، "ألاقي جزيرة موجودة في وسط النيل مساحتها أكتر من 1250 فدان، أنا مش هاذكر اسمها، وابتدت العشوائيات تبقى جواها والناس تبني عليها، لو فيه 50 ألف بيت هيصرفوا فين؟.. على نهر النيل اللي إحنا بنشرب فيه.. علشان كده الجزر دي تاخد أولوية في التعامل معها".
وتجاهل حقيقة أن الجزيرة التي يتأفف من ذكر اسمها يعيش عليها أكثر من 100 ألف مواطن، وبادعائه الباطل قلب حياتهم الآمنة رأسا على عقب، بسطاء يعملون في الزراعة وتربية الماشية والصيد والنقل النيلي، وربوا أجيالا من المعلمين والأطباء والمحامين والمهندسين والحرفيين في شتى المهن، وتوارثت الأجيال أراضيها بصكوك وعقود ملكية مسجلة منذ قرون طويلة. وليس ذنبهم أن نظاما أهملهم عشرات السنين وآخر يشردهم ليستغل موقع جزيرتهم المتميز في بناء ناطحات سحاب. وهل يقبل عاقل بطمس معالم بلده وتحويل إستاد القاهرة وحديقة الحيوان وجامعة القاهرة ودور الأوبرا والدفاع الجوي والمشاة ومجلس الشعب والقصر العيني إلى مشاريع ناطحات سحاب لموقعها المتميز!
الصرف الصحي في النيل
التذرع بغياب الصرف الصحي من الجزيرة ليس مبررًا لطرد سكانها، والحكومة هي المتهم الأول بحرمانهم من خدمة الصرف الصحي، وقد اعترف وزير الإسكان في حينه، مصطفى مدبولي، بأن 85% من قرى مصر لم تصل إليها خدمة الصرف الصحي، فهل يطردون من مساكنهم في 4600 قرية لأنها محرومة من الصرف الصحي! ولماذا ينزعج النظام من الصرف الصحي في مياه النيل، ولا ينتفض من 30 مصنعًا تابعًا للقطاع العام، وفق إحصائيات وزارة البيئة، يصرفون 150 مليون متر مكعب من الكيميائيات والصرف الصناعي سنويًا، مباشرة ودون معالجة في نهر النيل، منها 14 مليون طن مخلفات صلبة، و25 ألف طن مخلفات مستشفيات شديدة الخطورة ومسرطنة، وتصب جميعها في مجرى النهر مباشرة من أسوان حتى الإسكندرية وتحت نظر المسؤولين من الوزراء والمحافظين وبأوامر منهم؟ والصرف الصناعي أخطر على الصحة العامة والبيئة من الصرف الصحي.
ولماذا يغض النظام الحاكم الطرف عن نوادي القوات المسلحة والشرطة المقامة في حرم نهر النيل وتصرف في مجراه مباشرة ودون معالجة؟ وإذا كان بقاء أهالي جزيرة الوراق في بيوتهم ووقف مخطط التهجير من أرضهم مرهونًا بحلّ أزمة الصرف الصحي، فإنّ محطة معالجة صغيرة كافية لحل الأزمة، ولكن المطلوب هو إخلاء الجزيرة من السكان لإنشاء مجمع سكني عليها لصالح طبقة النيو ليبرالية التي فجرت ثورة يناير، وما دون ذلك مبررات لا أساس لها من الصحة.
مجمع سكني
يرفع النظام شعار حماية الأراضي الزراعية، ودأب على اتهام المصريين بالجهل بقيمتها والبناء عليها. ونص في دستور 2014 على "تجريم" البناء على الأرض الزراعية، واعتبرها من الجرائم المخلة بالشرف والأمانة الموجبة للعزل من الوظيفة العامة والحرمان من الحقوق السياسية ودعم الخبز والتموين والحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه. وقام بنشر قوات الجيش ومعدات هندسية في القرى لهدم المباني المقامة عليها. وصرحت وزيرة التنمية المحلية منال عوض بأن قوات إنفاذ القانون أزالت 33 ألف مخالفة بناء على الأراضي الزراعية الخاصة والعامة.
ورغم ذلك، أبدى النظام تناقضًا عجيبًا في تحويل الأراضي الزراعية إلى عمرانية، وتمكين الهيئة الهندسية للقوات المسلحة من بناء مساكن عليها وبيعها بأسعار خيالية. وفي أحد لقاءات السيسي توعد من يبني على الأرض الزراعية قائلًا: "لو عاوز تبني خليني أنظملك وأبنيلك أنا... حتى لو على أرض زراعية. أنا أخططلك الأرض وأبنيلك حتى لو كانت على أرض زراعية". واتخذ قرارًا بتحويل 77 ألف فدان من الأراضي الزراعية حول مدينة السادات لإنشاء مدينة سفنكس الجديدة بالقرار الرئاسي رقم 566 لسنة 2020، وآخر بتحويل 70 ألف فدان من الأرض الزراعية في منطقة الحزام الأخضر بمحافظة الجيزة إلى القوات المسلحة لبناء مساكن عليها.
وأعطى صلاحيات لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي بإصدار قرارات مشابهة. وفي حفل افتتاح الجامعة المصرية اليابانية بمدينة برج العرب، تباهى مدبولي بقوله: "حجم الأراضي التي وقع على نزع ملكيتها بنفسه وتحويلها من النشاط الزراعي إلى العمراني بلغ 62 ألف فدان". وبقرار منه نزع ملكية 1024 فدانًا زراعيًا من أصل 1300 فدان، في جزيرة الوراق لإنشاء 94 برجًا سكنيًا وممشى على النيل. وأصدر سلفه، شريف إسماعيل، قرارًا في يونيو 2017، باستثناء جزيرة الوراق من اعتبارها محمية طبيعية، وتبعه بقرار في يونيو 2018 بإنشاء مجتمع عمراني على أراضي الجزيرة المستباحة.
الاستثمار الأمثل
أهالي جزيرة الوراق مواطنون مصريون، وليسوا هنودًا حمرًا، ومساحة الجزيرة 1850 فدانًا، منها 1300 فدان زراعي ملكيات خاصة. والدستور يلزم الدولة بحماية الملكية بأنواعها الثلاثة، العامة والخاصة والتعاونية. ونص على أن الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلّا في الأحوال المبينة في القانون وبحكم قضائي.
وفي سنة 2001، أصدر رئيس الوزراء الأسبق، عاطف عبيد، القرار رقم 848 بعدم جواز التعرض لحائزي الأراضي الزراعية بجزيرتي الدهب والوراق، ولا يجوز إخلاء أي مبنى مقام في الجزيرتين. وما زال الأهالي متمسكين ببيوتهم، متجذرين فيها، حريصين على عدم مغادرتها، ولولا إجبارهم بالترغيب والترهيب على التنازل عن أراضيهم الزراعية وغياب المتضامنين معهم في مواجهة قوات الجيش والشرطة لما فرطوا فيها.
السياحة الريفية واعدة عالميًا، ومصر علمت العالم الزراعة والري، ويمكن أن تكون وجهة عالمية لتلك السياحة. والاستثمار الأمثل لجزيرة الوراق، وغيرها من عشرات الجزر النيلية التي ستلقى المصير نفسه، هو الإبقاء على تراثها الريفي الزراعي النيلي المصري الأصيل، وتطويره ليكون متحفا زراعيا مفتوحا ومزارا سياحيا لرواد السياحة الريفية في قلب القاهرة. يستمتع فيها السائح والمواطن القاهري بالقرية والغيط وقطف ثمار التوت والجميز والجوافة والعنب، وتناول الأكلات الشعبية، الفول والطعمية والفطير المشلتت والعسل والجبنة القديمة، والسمك النيلي الطازج، والأفران البلدية وأدوات الخبيز والخبز المرحرح والبتاو، والبط والأوز والدجاج والبيض البلدي، والتعرف إلى نماذج حية لأدوات الزراعة القديمة والمعاصرة، الشادوف والطنبوشة والمحراث والنورج، والمراكب الشراعية وأدوات الصيد، وأشجار النخيل على ضفاف النيل، والمحاصيل المصرية المشهورة عالميا، القطن والمانجو والبصل والأرز، وحيوانات المزرعة، البقر والجاموس والغنم واللحوم البلدية والمنتجات المنزلية من الجبن والقشدة والزبد البلدي والأرز المعمر والبطاطا والذرة المشوية، وغيرها من منتجات مصر المروية بماء النيل والتي ليس لها مثيل على مستوى العالم.
تطوير الوراق وفق هذا المقترح يحفظ حق الأهالي في ملكية الأرض والبيوت والتي كفلها الدستور، وحق أولادهم في إرثها والزواج فيها، وحقهم في قطف ثمار التنمية ويعزز السلم الأهلي، ويمنع تكرار مأساة تهجير الأهالي في رفح والشيخ زويد والعريش ومثلث ماسبيرو، وحتى لا يدان رموز النظام في المستقبل بالاستيلاء على أراضي الوراق وتحويلها إلى مبانٍ لصالح الليبراليين الجدد، كما أدين رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد ووزير الزراعة يوسف والي بتسهيل الاستيلاء على جزيرة البيضية ومساحتها 36 فدانًا في نهر النيل بالأقصر، وحكم القضاء عليهم بالسجن عشر سنوات.
الأستاذ بقسم التخطيط البيئي في كلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة ورئيسه الأسبق مجدي قرقر، يعتبر جزيرة الوراق رئة خضراء ومتنفسًا لمدينة القاهرة المليونية، ويوصي بأن تظل على طبيعتها الريفية، على أن يحفظ التطوير حقوق الأهالي ويحمي المساحات الخضراء، ولا تزيد نسبة البناء عن 20%، وفي حالة زيادة ارتفاع المباني، يجب أن تقابلها مساحة خضراء على الأرض، مع المحافظة على نظافة نهر النيل وحماية شواطئ الجزيرة من عمليات النحر.

