مصطفى جاويش

مسئول سابق بوزارة الصحة

 

أثار الهروب الجماعي لعشرات النزلاء من إحدى المصحات الخاصة لعلاج الإدمان في منطقة المريوطية جنوب محافظة الجيزة، في الأيام الأخيرة من عام 2025، حالة واسعة من الجدل والقلق المجتمعي. وقد وثّقت مقاطع مصورة قيام عدد من الشباب بتحطيم أبواب ونوافذ المنشأة قبل فرارهم إلى أحد الشوارع الرئيسية، فيما صرّح بعضهم بتعرضهم لانتهاكات داخل المصحة، شملت التكدس، وسوء المعاملة الجسدية، وغياب الرعاية الطبية.

 

الواقعة دفعت الجهات المعنية إلى التحرك، حيث أعلن المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان أن المصحة محل الواقعة صدر بحقها قرار غلق إداري منذ شهرين، مؤكدا أن لجان التفتيش التابعة للإدارة المركزية للمنشآت الطبية غير الحكومية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية، انتقلت إلى الموقع. كما تقرر اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك الغلق النهائي للمنشأة، في حين ألقت وزارة الداخلية القبض على القائمين عليها وأحالتهم إلى جهات التحقيق المختصة.

 

غير أن هذه التطورات تفتح بابا أوسع للتساؤل؛ إذ إن استمرار مصحة صدر بحقها قرار إغلاق في ممارسة نشاطها، ثم وقوع حادث هروب جماعي من داخلها، يعكس بوضوح خللا في منظومة الرقابة والمتابعة، وضعفا في التنسيق بين الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارات الصحة والداخلية والجهات الرقابية.

 

أرقام رسمية وصورة غير مكتملة

 

وفقا لبيانات رسمية، يبلغ معدل الإدمان في مصر نحو 3.1 في المئة من إجمالي السكان، بينما تصل نسبة التعاطي إلى قرابة 6 في المئة، بما يعني وجود أكثر من ثلاثة ملايين مريض إدمان. وقد أفاد المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، في بيان صادر في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بأن معدلات الإدمان في مصر تتوافق مع المتوسطات العالمية، مشيرا إلى انخفاض ملحوظ بين بعض الفئات الوظيفية، وزيادة عدد المصحات الحكومية، وتنفيذ برامج توعوية موسعة في المدارس والجامعات ومراكز الشباب، إلى جانب حملات ميدانية وإعلامية استهدفت أماكن العمل والسائقين والجمهور العام، فضلا عن إطلاق برامج أكاديمية متخصصة في علاج الإدمان.

 

غير أن هذه الصورة الرسمية الإيجابية تغفل جانبا مهما من الأزمة، يتمثل في الأسباب الهيكلية التي كشفت عنها واقعة الهروب الجماعي، والتي تشير إلى تدهور خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، لا بوصفه مشكلة حديثة، بل أزمة ممتدة الجذور.

 

فجوات ثلاث في منظومة علاج الإدمان

 

أولا: فجوة البنية التحتية

 

تشير أبحاث قومية صادرة عن الأمانة العامة للصحة النفسية إلى أن مصر تحتاج إلى ما لا يقل عن ستة آلاف سرير لعلاج مرضى الإدمان. وفي المقابل، أوضح بيان رسمي لوزارة الصحة في يوليو 2023 أن عدد الأسرّة المخصصة لعلاج الإدمان في المنشآت الحكومية يبلغ 1747 سريرا فقط، موزعة على 34 مركزا في 19 محافظة، إلى جانب نحو 250 مصحة خاصة مرخصة في 27 محافظة.

 

وفي تقرير حديث للمركز المصري للحق في الدواء، جرى الإعلان عن إغلاق نحو 338 مركزا غير مرخص لعلاج الإدمان خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2025، بسبب العمل خارج الإطار القانوني وعدم الالتزام بالكوادر الطبية أو البروتوكولات العلاجية.

 

ثانيا: الفجوة المالية

 

في أغسطس 2025، أصدرت وزارة الصحة لائحة مالية جديدة تضمنت مضاعفة أسعار العلاج والإقامة في مستشفيات الصحة النفسية ومصحات علاج الإدمان، بهدف تغطية تكاليف الخدمات المتزايدة. إلا أن هذه الزيادة فرضت عبئا إضافيا على المرضى وأسرهم، وقلّصت قدرة شريحة واسعة على الوصول إلى العلاج، في ظل وجود ملايين المصريين الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو إدمان.

 

ورغم تعاقد بعض المستشفيات الحكومية مع صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي لتقديم العلاج المجاني، فإن إجراءات الدخول المعقدة، وطول فترات الانتظار، وتركز الخدمات في محافظات محددة مثل القاهرة والجيزة والإسكندرية، تقلل من فاعلية هذا الدعم. كما أن الاعتماد شبه الكامل على صندوق خاص في تمويل العلاج يثير تساؤلات حول الاستدامة والديمومة في ظل محدودية موازنة الصحة.

 

ثالثا: الفجوة التشغيلية

 

يعاني قطاع الصحة النفسية من نقص حاد في الكوادر الطبية. ووفقا لبيانات منشورة عن وزارة الصحة، يبلغ عدد الأطباء الأخصائيين والاستشاريين المسجلين في المجلس القومي للصحة النفسية نحو 1106 أطباء فقط، في بلد يتجاوز عدد سكانه 110 ملايين نسمة. ويواجه الأطباء النفسيون تحديات تتعلق بضعف الرواتب، وزيادة أعباء العمل، وغياب الحوافز وبرامج التطوير المهني، ما يدفع كثيرين إلى الهجرة أو العمل خارج المنظومة الحكومية، ويؤدي إلى اتساع الفجوة التشغيلية.

 

لماذا يلجأ المرضى إلى المصحات الخاصة؟

 

رغم خطورة تزايد أعداد المدمنين، فإن هناك مجموعة من المعوقات التي تدفع المرضى إلى الهروب من المنظومة الحكومية واللجوء إلى المصحات الخاصة، رغم أن كثيرا منها غير مرخص، ومن أبرزها:

 

1- الفجوة بين العرض والطلب: الطاقة الاستيعابية الحالية للمراكز الحكومية لا تتناسب مع حجم الحاجة الفعلية.

 

2- قوائم الانتظار: فترات الانتظار الطويلة للحصول على سرير تمثل عائقا حقيقيا أمام استمرارية العلاج، وتدفع بعض الأسر إلى البحث عن حلول سريعة خارج الإطار القانوني.

 

3- انتشار المراكز غير المرخصة: مستفيدة من فجوة الخدمات وضعف الرقابة، وتستقطب المرضى بوعود العلاج السريع والسرية، رغم ما تشهده من انتهاكات وسوء معاملة.

 

4- الوصمة الاجتماعية: لا يزال الخوف من الفضيحة أو الملاحقة القانونية حاجزا يمنع بعض المرضى من التوجه إلى المنشآت الحكومية.

 

الهروب الجماعي: عرض لخلل أعمق

 

إن تكرار حوادث الهروب الجماعي من مراكز علاج الإدمان الخاصة لا يمكن فهمه باعتباره سلوكا فرديا أو خللا في المرضى، بل بوصفه مؤشرا على اختلالات بنيوية داخل بعض هذه المراكز، التي لا تعمل كنظم علاجية، بل كنظم احتجاز قسري. ففي كثير من الحالات، يُعامل المدمن باعتباره مذنبا لا مريضا، ويُحتجز دون موافقة مستنيرة، في بيئات مغلقة، ومكتظة، وتفتقر إلى الإشراف الطبي المتخصص، وتعتمد على مشرفين غير مؤهلين وبروتوكولات علاج بدائية، مع إطالة مدة الإقامة لأسباب مالية بحتة.

 

في المقابل، لا تشهد المراكز الحكومية هذه الظاهرة بالحدة نفسها، نظرا لاعتمادها على العلاج الطوعي، ووجود إشراف طبي رسمي، وآليات شكوى واضحة، وإمكانية الخروج القانوني، انطلاقا من اعتبار المدمن مريضا يستحق الرعاية الصحية لا العقاب.

 

نحو حلول جذرية

 

تتطلب مواجهة هذه الأزمة تبني حلول هيكلية، في مقدمتها توحيد جهة الترخيص بنظام "الشباك الواحد"، وإغلاق أي مركز لا يضم طبيبا نفسيا مقيما، واشتراط الموافقة المستنيرة للمريض. كما يبقى التحدي الأهم في توسيع نطاق العلاج المجاني، وزيادة عدد الأسرّة، وتحقيق توزيع جغرافي عادل للخدمات. ويمكن البدء عمليا بتخصيص عشرة أسرة لعلاج الإدمان في كل مستشفى حكومي على مستوى الجمهورية، مع دعم صندوق مكافحة وعلاج الإدمان من الخزانة العامة للدولة.

 

فالهروب من مصحات علاج الإدمان ليس رفضا للعلاج، بل هروبا من غيابه، ولن تُحل الأزمة إلا بإصلاح المنظومة التي يفترض أن تحمي المرضى وتمنحهم فرصة حقيقية للتعافي.