وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
هذه المرّة، لا كلام عن حماية الديمقراطية أو وقف الانتهاكات، كما كانت واشنطن تُدخِل توحّشها الإمبريالي في أغلفةٍ أنيقةٍ حين تستهدف نفط الشعوب وثرواتها بحجّة الدفاع عن "قيمٍ إنسانية". لا يحتاج دونالد ترامب هذه المساحيق الخادعة كلّها لتبرير غزو فنزويلا واختطاف رئيسها، وفرض السيطرة على النفط والثروة، والاستيلاء على الحكم فيها، وتكليف وزير خارجيته بإدارتها إلى أن يُعيَّن من تختار أميركا من عملائها.
هذه المرّة، لم يردّ ترامب على الانتقادات الدولية بادّعاء أن الديمقراطية تستحقّ تحريك الأساطيل، وأن الحرية تستدعي ممارسة أعمال القرصنة أحيانًا. الرجل واضح ومحدَّد في منطلقاته وغاياته: النفط والمعادن. يقولها من دون مواربة للصين وروسيا: "لدينا علاقاتٌ جيّدةٌ مع الرئيس الصيني، وبكين لن تكون لديها مشكلة مع عملية فنزويلا… ستحصل على نفط… سنبيع نفط فنزويلا لروسيا والصين بكميات أفضل". أمّا الأوروبيون فلا حاجة لتهدئتهم أو طمأنتهم، ولا لتكبّد مشقّة التبرير؛ ذلك أن أوروبا القديمة أُلحقت بالإمبراطورية الأميركية، كما أن مبدأ مونرو نافذ منذ أكثر من قرنين (1823): على أوروبا ألا تمدّ يدها أو بصرها إلى ما يدور في نصف الكرة الأرضية غربي الأطلسي؛ فهذه منطقة نفوذ وسيطرة أميركية خالصة، مقابل ألا تتدخّل واشنطن في شؤون أوروبا. غير أن ترامب ذهب إلى أبعد ممّا قرّره جيمس مونرو، فصار يدير شؤون القارّة الأوروبية كما لو كان يتصرّف في ولايات الجنوب الأميركي.
مع ذلك، لا تبدو المسألة بحاجة إلى مونرو أو غيره؛ إذ حضرت أوروبا إلى وليمة فنزويلا قبل أن يدعوها ترامب: قططٌ أليفة جذبتها روائح الطعام، فتجمّعت حول المائدة وتحتها، وكلّها أملٌ في فتاتٍ متساقط من تقاليد الاستعمار القديم. وكأن ترامب ليس سوى استطراد تاريخي للغزاة الأوائل الذين عبروا الأطلسي باتجاه الغرب، يقودهم كريستوفر كولومبوس إلى الأرض التي سُمّيت لاحقًا "أميركا".
لا يضيّع ترامب وقتًا أو جهدًا في البحث عن لافتة أخلاقية أو حضارية لتمرير القرصنة على النفط. لا يستدعي الأمر إقحام شعاراتٍ روحيةٍ من نوع "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان"… والمعادن الثمينة؛ على غرار ما فعل كولومبوس، حين أبيد الهنود الحمر ودشّن إمبراطورية استعمارية استعلائية على جثثهم وهو يهتف: "من أجل الذهب والمال… والمسيح".
يفعلها ترامب تحت شعارٍ وحيد: "أميركا أولًا… وأخيرًا". فما الحاجة إلى استئذان أوروبا أو محاولة كسبها إلى صفّه، أو إشراكها في الغنيمة وعوائدها؟ هو في غنى عن "عقيدة مونرو"، كما أنه لا يحتاج ما عُرف في التراث الإمبريالي الأميركي بطريقةٍ أو "وصفة غلادستون"، التي نصح المؤلف نيل فيرغسون بها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بعد غزو العراق وتدميره والسيطرة على نفطه، في كتابه الصادر في أوائل الألفية "الصنم... صعود وسقوط الإمبراطورية الأميركية". وتعود تلك الوصفة إلى رئيس الوزراء البريطاني إبّان احتلال مصر وإدارتها في القرن التاسع عشر، وقامت على السماح بمصالح وبدور لمستعمرين آخرين كي يحملوا أعباء البلد المحتلّ بدل الانفراد به. وهكذا نصح فيرغسون إدارة بوش، بعد غزو العراق، بأن تتنازل عن تفرّدها بكل شيء، وتفتح المجال لدول أوروبية تقاسمها الغنيمة والعبء هناك، لأن ذلك يمنح ممارسات الإمبراطورية "شرعيةً دولية". فالشرعية الدولية (في عصر الاحتلال) تُنال أحيانًا بالمشاركة في استغلال الضعفاء وقتلهم والاستيلاء على ثرواتهم؛ وبذلك يغدو التنسيق بين المستعمرين "شرعيةً دوليةً".
وعوضًا عن ذلك كلّه، يكتفي ترامب بعقيدة نتنياهو في استباحة كل ما يحقّق مصالحه وأطماعه في الهيمنة على محيطه الديموغرافي: كل "الأغيار" مستباحون، وفي أراضيهم وثرواتهم متّسع لأحلام الهيمنة الإمبراطورية. وكل المطلوب أن تبالغ في إظهار القوة المفرطة، وأن توهم الآخرين بأنه لا قبل لأحدٍ بقدراتك، وأن مناوأتك هلاك، وأن تصنع لهم مشاهد "خارقة" عمّا حدث وما لم يحدُث، كما في عملية كاراكاس، التي صوّرها ترامب على أنها كانت أسهل من تقشير ثمرة موزٍ مسروقة، ومن دون قتلى أو جرحى.
بينما الحقيقة (كما تحدّثت عنها صحفٌ عالمية منها نيويورك تايمز وديلي ميل) أن 40 شخصًا قُتلوا في الهجوم الأميركي على فنزويلا. لكن دونالد ترامب، وبكل وقاحة واستخفاف بالعالم، يزعم إن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته تمت من دون نقطة دم واحدة، وفي غضون 74 ثانية فقط.. إنها هوليوود تحضر في مخيلة الإجرام الأميركي لإرهاب العالم وتخويفه من "القدرة الأميركية المطلقة" التي لا يحدّها شيء ولا بشر.

