تواجه البنوك المصرية استحقاق شهادات ادخار مرتفعة العائد بقيمة تتراوح بين 1.3 إلى 1.5 تريليون جنيه اعتبارًا من الرابع من يناير 2026 حتى 23 أبريل المقبل، وبدلاً من احترام حقوق المودعين الذين وثقوا بالبنوك الحكومية في أحلك الظروف الاقتصادية، قرر البنك الأهلي وبنك مصر خفض العائد على شهادات الثلاث سنوات بنسبة 1% ليصل إلى 16% فقط. هذا القرار يأتي في توقيت مريب يكشف عن مؤامرة منظمة لسرقة مدخرات المصريين بطريقة قانونية، حيث يُجبر المودعون على قبول عوائد أقل أو سحب أموالهم في ظل غياب بدائل استثمارية حقيقية.
تصريحات عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال المطمئنة حول وفرة السيولة لدى البنوك وقدرتها على تحمل سحوبات ضخمة، لا تخفي الحقيقة المرة: النظام يريد إجبار المودعين على تجديد شهاداتهم بعوائد أقل لتخفيف العبء عن الموازنة العامة المنهكة، حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الملايين الذين حافظوا على مدخراتهم في البنوك وقت الأزمة.
مؤامرة خفض الفائدة: نهب منظم لمدخرات البسطاء
خفض البنك المركزي أسعار الفائدة 100 نقطة أساس الأسبوع الماضي، وسارعت البنوك الحكومية فورًا بخفض العائد على الشهادات بنسبة 1-2%، في تنسيق واضح يكشف أن القرار سياسي بحت وليس اقتصاديًا. الهدف الحقيقي هو تخفيف أعباء خدمة الدين العام الداخلي الذي تجاوز حدود السيطرة، والذي توقفت وزارة المالية عن نشر بياناته منذ يونيو 2020 لإخفاء حجم الكارثة.
المودعون الذين وثقوا بالبنوك وقت أن كان التضخم بين 35-38% ووضعوا أموالهم في شهادات بعائد 27-30% لحماية مدخراتهم من التآكل، يُعاقبون الآن بإجبارهم على قبول عوائد أقل بكثير. الحجة الواهية بأن التضخم انخفض إلى 12% لا تبرر هذا النهب، خاصة أن التضخم الحقيقي الذي يشعر به المواطنون على الأرض أعلى بكثير من الأرقام الرسمية المزيفة.
العائد "الحقيقي" الذي يتحدث عنه عبد العال خدعة كبرى، لأن معدلات التضخم الرسمية لا تعكس الواقع المعيشي للمصريين. أسعار السلع الأساسية والخدمات ارتفعت بنسب تفوق بكثير معدلات التضخم المعلنة، والمودعون سيخسرون جزءًا كبيرًا من القيمة الحقيقية لمدخراتهم إذا قبلوا العوائد المخفضة.
أكاذيب وفرة السيولة وقدرة البنوك على التحمل
تصريحات عبد العال عن وفرة السيولة في البنوك (15.3 تريليون جنيه إجمالي ودائع) وقدرتها على تحمل سحب 1.5 تريليون دون تأثير، تبدو مطمئنة ظاهريًا لكنها تخفي حقائق خطيرة. لو كانت البنوك فعلاً واثقة من قدرتها على الاحتفاظ بالودائع، لماذا المسارعة بخفض العائد قبل حتى بدء موجة الاستحقاقات؟ التوقيت يكشف الذعر الحقيقي من احتمال سحوبات ضخمة قد تهدد السيولة.
اختبارات الضغط التي تجريها إدارات الأصول والخصوم في البنوك لسيناريوهات سحب 10% أو 25% أو 50% من الودائع، تؤكد أن البنوك تتوقع موجة سحوبات كبيرة. المشكلة الحقيقية أن معظم أموال هذه الشهادات استُخدمت لتمويل عجز الموازنة عبر شراء أذون وسندات خزانة، وليس في استثمارات منتجة تدر عوائد حقيقية.
التفاوت لأول مرة بين أسعار الشهادات في البنك الأهلي وبنك مصر (خفض بين 1-2%) ليس دليل استقلالية كما يزعم عبد العال، بل مناورة لخلق وهم المنافسة بينما الهدف واحد: خفض تكلفة الاقتراض الحكومي على حساب المودعين.
بدائل وهمية واستثمارات معدومة: إجبار على القبول بالسرقة
دعوة عبد العال للمودعين بتغيير "ثقافتهم الادخارية" والاتجاه للاستثمار المباشر أو "أوعية متعددة" هي قمة السخرية في ظل بيئة استثمارية منهارة. أي استثمارات مباشرة يتحدثون عنها في ظل سيطرة الجيش على الاقتصاد وهيمنة المحاسيب على المشروعات الكبرى؟ أي أوعية استثمارية يقصدون في ظل انهيار البورصة واستمرار تراجع قيمة الجنيه؟
المودعون الذين سحبوا استثماراتهم من المشروعات وقت ارتفاع الفائدة إلى 30% لم يفعلوا ذلك لمجرد "ارتفاع الفائدة" كما يزعم، بل لأن بيئة الأعمال أصبحت طاردة تمامًا بسبب فساد النظام وسيطرة المؤسسة العسكرية على كل القطاعات المربحة. الآن يريدون إجبار هؤلاء على العودة للاستثمار المباشر بعد أن سرقوا مدخراتهم بخفض الفائدة.
وعد عبد العال بأن العائد "سيظل مرتفعًا" بمتوسط بين 9-12% مستقبلاً هو وعد أجوف، لأن هذه النسب لن تحمي المدخرات من التضخم الحقيقي. القول بأن هذه "أعلى عوائد في العالم" تضليل متعمد، لأن المقارنة يجب أن تكون مع معدلات التضخم والمخاطر المحلية وليس بالأرقام المجردة.
النظام يواجه استحقاق 1.5 تريليون جنيه من مدخرات المصريين بخطة واضحة: إجبارهم على تجديد شهاداتهم بعوائد أقل، أو دفعهم للسحب ثم إعادة الإيداع بشروط أسوأ. لا توجد بدائل حقيقية، لا أوعية استثمارية جادة، لا بورصة قوية، لا مشروعات منتجة. الخيار الوحيد أمام المودعين: قبول السرقة القانونية أو مشاهدة مدخراتهم تتآكل بالتضخم. هذا هو النموذج الاقتصادي للنظام: نهب منظم تحت غطاء القرارات "الفنية" و"السياسة النقدية".

