في تطور قضائي قد يعصف بشرعية "برلمان العسكر" قبل أن يلتئم شمله، وضعت المحكمة الإدارية العليا نظام الانقلاب في مأزق تاريخي، بإلزام الهيئة الوطنية للانتخابات بتقديم محاضر فرز اللجان الفرعية والعامة للمرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، مانحة إياها مهلة حاسمة تنتهي عند الواحدة من ظهر اليوم. هذا القرار الجريء جاء ليكشف الستار عن "الصناديق السوداء" التي أراد النظام إغلاقها سريعاً، مهدداً بفتح باب الجحيم على عملية انتخابية وصفت منذ يومها الأول بأنها "مسرحية هزلية" سيئة الإخراج.

 

نكول "الوطنية للانتخابات": اعتراف ضمني بالتزوير

 

أكد المحامي الحقوقي طارق العوضي أن امتناع الهيئة الوطنية للانتخابات أو تأخرها عن تقديم المحاضر المطلوبة يُعد قانونياً "نكولاً" عن تقديم المستندات، وهو ما يعني إقراراً ضمنياً بصحة كل ما ورد في دعاوى الطاعنين من تزوير وتلاعب ومخالفات [منشور العوضي].

 

إن هذا التباطؤ المريب من قبل الهيئة – المفترض أنها مستقلة – يثير الشكوك حول نزاهة العملية برمتها. فلو كانت الأوراق سليمة والصناديق نظيفة، لما ترددت الهيئة لحظة واحدة في تقديم أدلتها. لكن يبدو أن "أوراق التوت" التي تستر عورة الانتخابات قد سقطت، وأن النظام يخشى افتضاح أمر "هندسة النتائج" التي تمت في الغرف المظلمة لصالح مرشحي السلطة وقائمتها الموحدة.

 

187 طعناً.. وثيقة إدانة شعبية للعملية الانتخابية

 

تنظر المحكمة اليوم في طوفان من الطعون بلغ 187 طعناً، وهو رقم قياسي يعكس حجم السخط وعدم الثقة في النتائج المعلنة. تتنوع المطالب بين إلغاء انتخابات دوائر بالكامل، ووقف إعلان النتائج، بل وتصل إلى المطالبة الجريئة بإبطال فوز "القائمة" التي اكتسحت النتائج كما هو معتاد في "انتخابات الـ 99%".

 

هذه الطعون ليست مجرد إجراءات قانونية، بل هي صرخات احتجاج من مرشحين وناخبين رأوا بأعينهم كيف تُدار الأمور: شراء أصوات علني، منع مندوبين من حضور الفرز، تلاعب في تجميع الأرقام، واستخدام مفضوح للمال السياسي والنفوذ الأمني لترجيح كفة "المحاسيب". إنها وثيقة إدانة دامغة تؤكد أن ما جرى لم يكن انتخابات، بل عملية "تعيين مقنعة" لنواب الشعب.

 

سيناريوهات الرعب للنظام

 

يقف النظام اليوم على أطراف أصابعه مترقباً حكم "الإدارية العليا"، التي تمتلك وحدها سلطة الفصل النهائي في هذه المنازعات. السيناريوهات المطروحة قد تقلب الطاولة على رؤوس الجميع:

 

الزلزال الأكبر (إعادة الانتخابات): إذا قضت المحكمة ببطلان الانتخابات في دوائر كاملة أو بطلان القائمة، فإن ذلك سيمثل صفعة مدوية لشرعية النظام، واعترافاً قضائياً بفساد العملية الانتخابية، مما قد يفتح الباب لموجة من الطعون في المرحلة الثانية أيضاً.

 

إعادة الفرز (كشف المستور): حتى الحكم بإعادة الفرز في لجان محددة سيشكل إحراجاً بالغاً، لأنه سيكشف الفروق الصارخة بين "الأرقام الحقيقية" و"الأرقام المطبوخة" التي أعلنتها اللجان العامة، ويفضح آلية التلاعب في التجميع.

 

تأييد النتيجة (السيناريو المتوقع ولكن..): حتى لو مررت المحكمة النتائج، فإن "الندبة" التي تركتها هذه الطعون وحالة الجدل القانوني ستظل تلاحق هذا البرلمان، مؤكدة أنه مجلس "مشكوك في شرعيته" ولد ميتاً وفاقداً لأي ظهير شعبي حقيقي.

 

برلمان "الزرار" لا يمثل الشعب

 

إن ما يحدث في أروقة المحاكم اليوم هو فصل جديد في معركة انتزاع الإرادة الشعبية المختطفة. فالنظام الذي أمم الحياة السياسية، وأغلق المجال العام، واعتقل المعارضين، يحاول الآن تشكيل برلمان "على المقاس"، مهمته الوحيدة هي التصفيق للقرارات، والبصم على القوانين، وتمرير القروض والديون التي قصمت ظهر المواطن.

 

لقد حول الانقلاب البرلمان من سلطة تشريعية ورقابية إلى "سكرتارية" تابعة للقصر الرئاسي، ونوابه من ممثلين للشعب إلى "موظفين" بدرجة نواب، لا هم لهم سوى الحصانة وخدمة مصالحهم الضيقة.

 

خاتمة: الشرعية لا تُمنح في الغرف المغلقة

 

مهما كانت الأحكام التي ستصدر اليوم، فإن حكم التاريخ والشعب قد صدر بالفعل. إن شرعية أي برلمان لا تُستمد من أختام الهيئات الرسمية ولا من محاضر الفرز المزورة، بل من ثقة الناس ونزاهة الاختيار. وهذا ما يفتقده "برلمان العسكر" تماماً.

 

إن إصرار النظام على هذه "المسرحيات الهزلية" لن يزيده إلا عزلة، ولن يمنح مؤسساته الصورية أي مصداقية. سيبقى الشعب المصري يدرك أن صوته مصادر، وأن برلمانه الحقيقي لا يزال حلماً مؤجلاً، لن يتحقق إلا بكنس هذا النظام الفاسد واستعادة الديمقراطية المغدورة.