لا تزال العلاقات بين مصر وسوريا متعثرة وسط الحذر والترقب، رغم مشاركة الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في القمة العربية الطارئة التي استضافتها القاهرة هذا الشهر. لم تستوعب القاهرة بعد التغير المفاجئ في المشهد السياسي السوري، مع سقوط بشار الأسد وفراره إلى موسكو، وصعود المعارضة إلى السلطة، بعد أربعة عشر عامًا من اندلاع الربيع العربي.
يبدو أن تحقيق انفراجة في العلاقات الثنائية يواجه صعوبات كبيرة بسبب المخاوف الأمنية العميقة لمصر، وتحفظاتها السياسية، وخطوطها الحمراء تجاه السلطة الانتقالية الجديدة في سوريا. فقد تباطأت القاهرة في إظهار أي قبول أو تواصل رسمي مع القيادة السورية الجديدة. وعلى العكس، تعرض الشرع لانتقادات حادة من وسائل الإعلام المصرية المؤيدة للحكومة، حيث وُصف بأنه "إرهابي"، مع تذكير الجمهور باسمه الحركي السابق "أبو محمد الجولاني" عندما كان زعيمًا لهيئة تحرير الشام.
لا تزال مصر مترددة في اتخاذ أي خطوات تجاه سوريا الجديدة، ولم ترسل حتى الآن أي مسؤول رفيع المستوى لإجراء اتصالات رسمية مع القيادة السورية بعد الإطاحة بالأسد في 8 ديسمبر. وفي مقابلة مع قناة العربية، وصف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الحكومة السورية الحالية بأنها "السلطة الفعلية"، وذلك قبل لقائه نظيره السوري في أنقرة بوساطة تركية في فبراير.
رغم أن عبد الفتاح السيسي هنأ الشرع على توليه الرئاسة عبر منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الاستقبال البارد الذي لقيه عند وصوله إلى القاهرة - حيث استقبله وزير التموين المصري شريف فاروق بدلاً من مسؤول دبلوماسي رفيع - كشف عن تحفظات رسمية واضحة. وحتى لقاء السيسي بالشرع، رغم كونه الأول من نوعه، لم يكن كافيًا لتبديد المخاوف المصرية العميقة.
مخاوف مصر وأهدافها
تواجه الدبلوماسية المصرية ثلاث مخاوف رئيسية في التعامل مع سوريا ما بعد الأسد: الخشية من امتداد عدوى التغيير الثوري إلى مصر، واحتمال أن تصبح سوريا ملاذًا للمعارضين المصريين والمطلوبين قضائيًا، وتنامي النفوذ التركي في سوريا وتأثيره على التوازن الإقليمي.
وقد تعززت هذه المخاوف بعد ظهور المعارض المصري محمود فتحي إلى جانب الشرع، وهو شخصية محكوم عليها بالإعدام في مصر بتهمة اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، بالإضافة إلى دعوات أحمد المنصور، المعارض المصري الآخر، إلى تشكيل "حركة ثوار 25 يناير" لإسقاط نظام السيسي، مستلهمًا تجربة المعارضة السورية في الإطاحة بالأسد.
في المقابل، تسعى مصر إلى تحقيق ثلاث أهداف أساسية في سوريا: منع سيطرة الإسلاميين على الحكومة السورية الجديدة، وإعادة نحو 1.5 مليون لاجئ سوري يعيشون في مصر، وضمان دور اقتصادي لمصر في إعادة إعمار سوريا.
العراقيل أمام التقارب
تظل مصر مترددة في الاعتراف الكامل بالقيادة السورية الجديدة، إذ تنظر بعين الريبة إلى توجهات الشرع السياسية، وتأثير القوى الخليجية المتزايد في سوريا، واعتراف المجتمع الدولي المتنامي بالحكومة الانتقالية، إضافةً إلى التدخل العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية.
ومع ذلك، فإن بعض الإشارات الإيجابية من دمشق، مثل اللهجة الدبلوماسية الهادئة التي يتبناها الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، واعتقال أحمد المنصور، قد تساعد في تهدئة المخاوف المصرية وتهيئة الأرضية لعلاقة أكثر استقرارًا بين البلدين.
لكن القاهرة لا تزال تضع شروطًا صارمة لأي تقارب مع سوريا، تتلخص في ثلاثة خطوط حمراء: عدم التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، وعدم تقديم أي دعم للجماعات الإسلامية، ومقاومة أي نفوذ عسكري تركي في سوريا.
لا تكتفي مصر بالتصريحات الدبلوماسية من دمشق، بل تبحث عن ضمانات فعلية تشمل تقاسم السلطة لمنع احتكار الإسلاميين للحكم، وتسليم المطلوبين أمنياً، ومنع أي تواجد عسكري تركي في سوريا.
المستقبل الغامض للعلاقات
لا تزال مصر ترى في الشرع "الجولاني" أكثر من كونه "الرئيس السوري"، وهو تصور يعززه استخدام المعارضة المصرية للنموذج السوري كدليل على إمكانية إسقاط الأنظمة الاستبدادية. كما أن خلفية الشرع ودعمه السابق للإخوان المسلمين تظل عقبة رئيسية أمام تطبيع العلاقات بين القاهرة ودمشق.
يرى بعض المحللين أن الشرع يجب أن ينجح أولًا في كسب ثقة الشعب السوري وضمان وحدة البلاد قبل أن تفكر القاهرة في خطوات جدية تجاهه. وإذا حصل على دعم كامل من دول الخليج بشروط تتماشى مع مصالحها، فقد تجد مصر نفسها مضطرة للتعامل معه رسميًا.
لكن رغم كل هذه العوامل، فإن عملية التقارب بين مصر وسوريا لن تكون سهلة أو سريعة. فالمخاوف من الإسلاميين تبقى الهاجس الأكبر للقاهرة، مما يجعل علاقتها بدمشق ملفًا أمنيًا واستخباراتيًا بالدرجة الأولى، تحكمه الحسابات الضيقة والمصالح المتشابكة، في ظل قيادة مصرية تعارض بشدة الربيع العربي وصعود الإسلام السياسي.
https://www.middleeastmonitor.com/20250325-complex-dynamics-hinder-egypt-syria-rapprochement/