أكدت التجارب السابقة عربيا وعالميا أن الصدور العارية قادرة على إسقاط الأنظمة، وأنّ للورود قوّةً تتخطّى كلّ البنادق ، فبالسلمية نستطيع كسب احترام الرأي العام أكثر من رغبتنا في العنف . وتسعى حرب اللاعنف إلى تزويد الحق بمنطق وأدوات شن الصراع لسحق الباطل، فما معنى غياب الصراع في مجتمع تضيع فيه الحقوق وتصادر الحريات ويعم الظلم؟! إن غياب الصراع في مثل تلك المجتمعات ليس فضيلة وتحضراً، ولكنه جريمة ترتكبها المجتمعات في حق نفسها، حين تترك الباطل يحكم دون أية منغصات.
وقد أكد التاريخ أنه إذا اتخذت أداة العنف وسيلة , فهذا مبرر كافي للطرف المغتصب لصده بالمثل تحت الادعاء أنه يحافظ على كيان الدولة , وحفظ أمن مواطنيها , والعكس صحيح , إذا كانت المقامة منضبطة , ومنظمة فى اتجاه سلميتها , فهنا تصبح , أي عملية عنف ضدها يؤلب عليها العالم كله , ويفضحها شر فضيحة , لأنه يفقدها , ويجردها , أمام شعبها , وشعوب العالم أجمع , من كافة مبرراتها لهذا السلوك المشين والمستهجن من جميع أنحاء العالم , هذا بصفة عامة.
وهنا أتذكر كلمة (نابليون بونابرت): لا تفعل أبداً ما يتمنى خصمك أن تفعله
ويعرف النضال اللاعنفي بانه"شن الصراع الحاسم على الخصوم المعاندين من خلال التحكم المقصود والمخطط في أدوات القوة السياسية لتحطيم إرادة الخصم باستخدام أسلحة لا عنيفة قوية التأثير."
هذا التعريف يعني أن اللاعنف أسلوب:
لشن الصراع: فهو ليس أسلوباً دفاعياً فحسب، لكنه يعتمد في تكتيكاته المبادرة والهجوم اللاعنيف.
الحاسم: قادر على حسم الصراع في حال تمكنه من إحداث تغيير فعلي في موازين القوى.
الخصوم المعاندين: يصلح ضد الديكتاتوريات وليس فقط في الأنظمة الديمقراطية ، ومن أمثلة استخدامه ضد أنظمة ديكتاتورية مفرطة في القمع، إسقاط نظام الشاه في إيران عام 1979.
ويمكن الرجوع لتفاصيل التجربة في كتاب (حرب اللاعنف .. الخيار الثالث) في ملحق التجارب.
من خلال التحكم المقصود والمخطط في أدوات القوة: وهذا ما يميزه عن العمل العفوي البحت، الذي قد ينتهي بالإذعان، فالتحركات تهدف إلى تقويض مصادر قوة محددة تعتمد عليها الديكتاتوريات ، وما يميز حرب اللاعنف عن الأعمال الاحتجاجية العفوية، هي التخطيط والتقدير الاستراتيجي، وتحديد الأهداف بدقة ووضوح.
تحطيم إرادة الخصم: وهي لب أي حرب سواء كانت عنيفة أو غير عنيفة، قد يمسك الخصم بكامل ترسانته العسكرية لكنه لا يتمكن من استخدامها إن تحطمت إرادته وتفشت في جنوده روح العصيان.
أسلحة لاعنيفة قوية التأثير: ويقصد بها وسائل اللاعنف المتنوعة التي تبدأ بالاحتجاجات مروراً بالاعتصامات وحتى العصيان المدني الشامل.
ميزة المقاومة اللاعنفية:
تشكّل حيزًا مفتوحًا يمكن للجميع أطفالاً وشبابًا وشيبًا، نساء ورجالاً، المشاركة فيه، على عكس العنف الذي يعتمد على القوة ويحتاج شبابًا وصحة و”ذكورة”.
بهذا المعنى يمثل اللاعنف نقلة نوعية على المستوى الإنسانيّ، من خلال المساواة التي يؤمنها لممارسيه، فيعيد إليهم الأمل بقدرتهم على إحداث التغيير، إذ يستطيع كلّ شخص أن يكون فعّالاً مهما ضعفت وتواضعت امكاناته، وبنفس المستوى، دون أيّ تمييز بحسب الجنس او الثقافة وغيرها.
ولعل أبلغ دلالة على ذلك، المساهمة الفعالة والأساسية التي كانت للمرأة والشباب وأصحاب المهن الحرة والجامعيين خلال ثورة 25 يناير.
واللاعنف هو استراتيجية ككل الاستراتيجيات الأخرى؛ قد تنجح وقد تفشل بحسب ظروف استخدامها ، وقد تؤدي – كما العنف- إلى تحقيق الهدف المنشود أو لا ، إلا أنّها تتميّز بأنّ هدفها النهائيّ ليس النصر في المعركة فحسب، بل تهدف الى تغيير الواقع نفسه ، ويقول غاندي في هذا المجال، الوسائل غير الأخلاقية كالعنف لا يمكن أن تؤدي الى أهداف أخلاقية، لأن الوسائل تكون بحد ذاتها أهداف، أو أنها أهداف في طبيعتها.
هل يعد اللاعنف الوسيلة الوحيدة للمقاومة؟
بالطبع لا يوجد قوالب فى علم السياسية فكل الاحتمالات موجودة ومتوقعة بيد أن طبيعة المرحلة والمعطيات المتاحة حاليا تحتم على الثوار انتهاج مبدأ اللاعنف فعلى حد تعبير صاحب أشهر تجربة لا عنف فى التاريخ يؤكد غاندي أن اللاعنف لا يمكن أن يكون مطلقًا ويوضح ذلك فيقول في تعليق له على مجموعة من أبناء شعبه، تركوا منازلهم وهربوا من الشرطة التي شنّت هجومًا على قريتهم، ونهبت أموالهم واغتصبت نساءهم، وحيث إنهم برروا هروبهم بامتثالهم لأوامره وتعليماته باللاعنف: " أردت أن أراهم يقفون كالترس بين الأعظم قوة وبين الأكثر ضعفًا… والحق أنه دليل بعضٍ من شجاعة أن يدافع الناس عن مقتنياتهم بحد السيف، ويصونوا كرامتهم…إني أفضل ألف مرة أن أخاطر فألجأ إلى العنف على أن أرى شعبًا بأسره يتعرض للإبادة "،
ويضيف: "بين العنف والجبن، فأنا أفضل العنف ".
وهكذا، فإن اللاعنف لا يعني الجبن ولا يدعو إليه، فأمام تهديد الوجود أو الكرامة، لا يمكن للإنسان أن يهرب من المواجهة بذريعة اللاعنف، ومن هذا المبدأ، فان تأييد التيار الوطني الحر لمبدأ المقاومة المسلحة ضد اسرائيل، لا يعني مطلقًا تخليه عن استراتيجية اللاعنف.
تأصيل للسلمية من الناحية الشرعية:
من ناحية عقيدتنا وتعاليم ديننا الحنيف فإن الوقوف في وجه الراعي الظالم , واجب وجوبا شرعيا , ولكن هناك ضوابط لابد من أخذها في الاعتبار , وهى الأخذ بمبدأ " درء المفاسد " معنى ذلك أن ينظر الناس للمفسدة القائمة فعلا , والتي يستوجب الشرع إزالتها , فإذا كانت الوسيلة المقرر استخدامها تسبب مفسدة أكبر من المفسدة القائمة , فتمتنع شرعا , هذا رأى الشرع.
وطالما نتكلم بالشريعة فهناك إذا عدة قواعد مهمة .
القاعدة الأولى:
الدعوة إلى الإصلاح بالحكمة والموعظة والمجادلة كما في قوله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )
وقد أمر الله نبيه موسى وأخاه هارون أن يدعوا فرعون مع طغيانه وجبروته باللين: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)
القاعدة الثانية:
عدم السيطرة على المخالف : كما قال تعالى :** فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)} وقال تعالى:{وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ، وَلَا أَنْتَ بِجَبَّارٍ، تَحْمِلُهُمْ عَلَى مَا تُرِيدُ. يَقُولُ: كُلُّهُمْ إِلَيَّ، وَدَعْهُمْ وَحُكْمِي فِيهِمْ؛ يُقَالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ فُلَانٌ عَلَى قَوْمِهِ: إِذَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ.)
وإذا كان هذا هو الأصل في الدعوة إلى الله أنها دعوة للإصلاح السلمي حتى في مواجهة الطغاة كفرعون فقد جاء القرآن والسنة بأحكام تفصيلية في كيفية مواجهة طغيان السلطة الجائرة بطرق أخرى غير استخدام القوة والعنف الذي جعلته الشريعة آخر الحلول ومن هذه الوسائل السلمية التي تفضي إلى تحقيق الإصلاح وإسقاط الأنظمة الجائرة وتغييرها:
1 ـ التنديد بالظلم ورفضه وكشفه للناس وفضحه كما قال تعالى:{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا }
وجاء في الحديث أيضا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " أَفْضَلُ الْجِهَادِ: كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ.
فالتصدي للظلم وللظالم وكشف جرائمه مطلوب شرعا وجوبا أو استحبابا بل جعله الله في سورة الشورى وهي مكية من أبرز خصائص أهل الإيمان كما في قوله تعالى:** وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
فالانتصار للنفس ودفع الظلم والتنديد به من أهم الأساليب لمواجهة الظلم والطغيان.
2ـ تحريم إعانة السلطة الجائرة وعصيان أوامرها ـ العصيان المدني ـ كما قال تعالى: ** وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } [هود: 113]،وقال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة: 2]، وقال موسى:{قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ } [القصص: 17]،
3ـ الدعوة إلى اعتزال السلطة الجائرة وعدم العمل لها أو معها ـ المقاومة السلبية والمقاطعة الكلية ـ كما قال تعالى:{وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
وقد نعى القرآن على من اتبعوا الجبابرة وأطاعوهم كما في قوله تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } [هود: 59]، والجبار في لغة العرب الملك والطاغية واتباع أمرهم هو طاعتهم ،وكما في قوله تعالى:{فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ }
4 ـ المقاطعة الجزئية بعدم العمل في الوظائف التي تستقوي بها السلطة على الأمة كالشرطة وجباة الأموال حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل في هذه الوظائف للظلمة وأئمة الجور ،فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُقَرِّبُونَ شِرَارَ النَّاسِ، وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلَا يَكُونَنَّ عَرِيفًا، وَلَا شُرْطِيًا، وَلَا جَابِيًا، وَلَا خَازِنًا»
وعَنْ مَهْدِيٍّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «كَيْفَ أَنْتَ يَا مَهْدِيُّ إِذَا ظُهِرَ لِخِيَارِكُمْ وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ أَحْدَاثُكُمْ، أَوْ أَشْرَارُكُمْ، وَصُلِّيَتِ الصَّلَاةُ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا؟» قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: «لَا تَكُنْ جَابِيًا، وَلَا عَرِيفًا، وَلَا شُرَطَيًّا، وَلَا بَرِيدًا، وَصَلِّ الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا»
فمتى ما قررت الأمة أو شعب من شعوبها إسقاط طاغية من الطغاة واتجهت إرادتها لتحقيق هذا الهدف فمقاطعة هذه الوظائف وتركها أمر واجب شرعا وهو كاف في شلل قوة الأنظمة الاستبدادية والضغط عليها للاستجابة لإرادة الأمة.
5 ـ عدم الاعتراف بشرعية السلطة الجائرة كما جاء في الحديث عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا الْقَاسِمِ، مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّهُ سَيَلِي أُمُورَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللهَ فَلَا تَعْتَلُّوا بِرَبِّكُمْ
قوله: "فلا تعتلوا بربكم"، قال السندي: من الاعتلال، أي: فلا تطيعوهم في المعاصي معتلين بإذن ربكم بأن أذن لكم في ذلك، فإنه ما أذن لكم بذلك، والله تعالى أعلم.
6 ـ التصدي للسلطة الجائرة وتغيير منكرها ومنعها من الظلم والأخذ على يدها، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ "
7 ـ عدم دفع الزكاة والضرائب ونحوها لهم إذا كان يستقوي بها الطغاة على الأمة وقد سئل الإمام مالك عن دفع الزكاة للإمام الظالم :" قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ الْفِطْرِ هَلْ يَبْعَثُ فِيهَا الْوَالِي مَنْ يَقْبِضُهَا؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ وَسَأَلْنَاهُ عَنْهَا سِرًّا فَقَالَ لَنَا: أَرَى أَنْ يُفَرِّقَ كُلُّ قَوْمٍ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي مَوَاضِعِهِمْ، أَهْلُ الْقُرَى حَيْثُ هُمْ فِي قُرَاهُمْ وَأَهْلُ الْعَمُودِ حَيْثُ هُمْ وَأَهْلُ الْمَدَائِنِ فِي مَدَائِنِهِمْ، قَالَ: وَيُفَرِّقُونَهَا هُمْ وَلَا يَدْفَعُونَهَا إلَى السُّلْطَانِ إذَا كَانَ لَا يَعْدِلُ فِيهَا. قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَعْدِلُ لَمْ يَسَعْ أَحَدٌ أَنْ يُفَرِّقَ شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ وَلَكِنْ يَدْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَالِيَ لَوْ كَانَ عَدْلًا كَيْفَ يَصْنَعُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إذْ رُفِعَتْ إلَيْهِ، أَيُفَرِّقُهَا فِي الْمَدِينَةِ حَيْثُ هُوَ أَمْ يَرُدُّ زَكَاةَ كُلِّ قَوْمٍ إلَى مَوَاضِعِهِمْ؟
8 ـ العمل على تغيير السلطة الجائرة وإسقاطها بالفعل بلا عنف ـ المقاومة الإيجابية ـ كما في الحديث الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» صحيح مسلم
فالمنازعة المشروعة للطغاة (باليد) والمجاهدة باليد تعني (بالقوة والفعل ) ويدخل ضمنها كل فعل تقوم به الأمة لتغييرهم وإسقاطهم بالقوة وليس بالضرورة بالعنف المسلح، فكل ما أزالهم عن سلطتهم وغير منكرهم فهو من التغيير باليد ومن المنازعة المشروعة بل الواجبة كالمظاهرات والاعتصامات والإضرابات إذ الشارع قد أذن للأمة بمنازعتهم الأمر حين يظهر كفر بواح والمقصود سلب السلطة منهم وتجريدهم منها فكل فعل يحقق ذلك فهو مشروع وليس بالضرورة أن يكون بالسلاح، وإن كان ذلك مشروعا بشروطه إلا أنه لا يلجأ إلى الوسيلة الأشد مع تحقق زوال المنكر بالوسيلة الأخف ،ولا شك بأن إضراب الشعب عن العمل ومقاطعته له إذا كان موحدا في إرادته وقيادته خاصة في هذا العصر كفيل بتغيير النظام المستبد وإسقاطه أو على الأقل نزوله على رغبة الأمة بالإصلاح وهو المقصود.
من الناحية المنطقية:
جرب العنف أكثر من مرة ولم يفلح ولابد أن نتعلم من التاريخ فإن التاريخ يعيد نفسه ولا ننسى أن أهم أسباب سقوط مبارك في 18 يوم كانت " السلمية " التي جعلت الرأي العام يقف بجانبنا ولا يرضخ لحيل وأكاذيب النظام التي كان يروجها عبر كل مؤسسات الدولة التي كانت تعمل لصالحه .
الرغبة من جانبنا عن انتهاج العنف ، تضعف من موقفنا وتتيح الفرصة للنظام لتأكيد ما كان يرهب ويخوف الشعب منه وهو ما سيكسبه المصداقية ويجعل الشعب يصطف حوله من جديد في مواجهة المجهول باعتبار أنه كان على حق ، فدعونا نكشف حقيقتهم تجاه الراى العام الداخلي والخارجي ونقف بأنفسنا على جبهة صلبة تقوى من موقفنا وتضعفهم هم ، فنحن أنفسنا لا نتساوى بهم لأننا وهم حقا لسنا متساوون في شيء ..
أنت تواجه إعلاما وقوة عسكرية ومجتمعا دوليا:
- نجح الإعلام في شيطنة مؤيدي الرئيس وتصويرهم كإرهابيين فأنت ترى قطاعا من المغيبين الذين أراحوا ضمائرهم بأن من بالشارع مسلحين وإرهابيين يجوز قتلهم.
- القوة العسكرية هي الشرطة والبلطجية لكنهما مدعومان بقوة أكبر وهي الجيش وقد ثبت بشهادات موثقة أن قوات الجيش المجرمة الموجودة بالشارع هي قوات منتقاة بعناية فهي بين عناصر نصرانية وكارهة للتيار ومرتزقة من الخارج وكلهم أُعدوا ليوم كهذا وتم إقصاء العناصر التي يُخشى من رفضها الانصياع إلى الأوامر ، أراد السيسي بهذه الحيلة خلق عداء بين المتظاهرين والجيش لتوحيد الأخير ضد جبهة إرهابية تجاهر بالعداء للقوة الحامية للبلاد ( ولا أستبعد أن تكون هذه المؤامرة قد قيلت لمرسي كنوع من التهديد والضغط، ولذلك تذكروا تحذير مرسي في خطابه قبل الأخير من الصدام مع الجيش )
- المجتمع الدولي وهو إن كان لا يهمنا كإسلاميين إلا أن دورنا في الأخذ بالأسباب يجعلنا نفكر في تحييده ، لقد نجحت السلمية في إحراج القادة الغربيين العلمانيين ودفعهم لإدانة العنف وإن كانوا ليتمنون إبادة التيار الإسلامي، ( تذكر كيف أخذ نعيم بن مسعود بالأسباب وحرش بين الأحزاب فليس هذا منافيا للتوكل )
لا يشك أحد في أن أعداد مؤيدي الرئيس تضاعفت منذ 3 يوليو وهو ما يعني أن فسطاط الرافضين للانقلاب يزداد بشكل واضح لكنها ليست زيادة مؤثرة. لماذا؟ أن المنضمين أكثرهم كان من مؤيدي الرئيس أصلا ولكنهم كانوا يعانون الإحباط في الأيام الأولى.
ما المطلوب إذن؟ مطلوب أن تنتقل أعداد كافية من معسكر مؤيدي الانقلاب إلى معسكر الرافضين له، وقد بدأ هذا يحدث منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة، والفضل لله الذي وفقنا للسلمية.
إجمالا: الأنظمة القمعيّة تعشق لعبة العنف، وهي منحتْ نفسَها حقًّا حصريًّا في امتلاك أدوات القهر واستخدامِها. وعندما تلجأ المعارضة إلى العنف المضادّ، تجد نفسَها أمام نظامٍ يتفوّق عليها عسكريًّا بحيث تعجز، رغم شجاعة أفرادها، عن مجابهته.
أحيانًا تعمد حركاتٌ سياسيّةٌ إلى حرب العصابات في مواجهة النظام، وغالبًا ما تطول هذه الحربُ فتؤدّي إلى خسائر كبيرةٍ في الأرواح، وإلى استنزاف الطرفين معًا، لكنّ قدرة النظام على المواجهة تبقى أكبر، خصوصًا أنّ قدرة الدولة على التنظيم، بالإضافة إلى مواردها البشريّة والماديّة، أعظمُ من قدرة المعارضة ومواردها.
ثم إنّ النضال العنفيّ يقتصر على قلّةٍ قليلةٍ من الناس، قادرةٍ على شروط العمل العسكريّ وصعوباته وتحدّياته. وهذا ما يؤدّي إلى إقصاء شرائحَ واسعةٍ من المجتمع عن النضال ضد النظام القائم.
أما الثورات العنفيّة التي نجحتْ في إسقاط أنظمة دكتاتوريّة فأشهرها في الصين وكوبا، وأدّت عادةً إلى إحلال أنظمة عسكريّة، ومثلها الانقلاباتُ العسكريّةُ في العالم العربيّ خلال نصف القرن الماضي، وهي أيضًا أرست أنظمة عسكريّة قمعيّة.
وتشير التجاربُ النضاليّة المختلفة إلى أنّ ضحايا النضال اللاعنفيّ أقلُّ بكثيرٍ من ضحايا الحروب العسكريّة التي عادةً ما تقود إلى عمليّات كرّ وفرّ بين النظام ومناهضيه ، وقد تكون تجربة الثورة الليبيّة أوضحَ مثال: فضحايا الاحتجاجات السلميّة ضدّ النظام وصل إلى 2000 شخص، بينما تصاعد هذا العددُ إلى أكثر من ثلاثين ألفًا عندما تحوّلت الثورةُ إلى العنف وتدخَّلَ الناتو، وما يزيد الطينَ بلّة حجمُ الدمار الذي لحق بالمدن الليبيّة، وحوّلها إلى مدن أشباح يحكمها العسكرُ من كلا الطرفين، النظام والمعارضة، قبل أن تنتصر "الشرعيّة" الجديدة.
ماذا بإمكان السلمية أم تفعله ؟
مع المتابعة الإعلامية الغربية، تشعر الأنظمة الغربية بحرج يضطرها إلى إدانة أعمال العنف، وتكون المجاملة الوحيدة للنظام العسكري في مصر حينئذ هي الاكتفاء بالإدانة دون اتخاذ إجراءات ملموسة كقطع المساعدات العسكرية أو سحب السفراء أو فرض العقوبات، هذا الموقف وإن كان لا يعطي أية دلالة للإسلاميين لكنه يسبب ارتباكا شديدا في صفوف الانقلابيين لشعورهم بالتخلي الدولي عنهم، إذن فقد نجحنا بسلميتنا في تحييد الموقف الغربي ومنعه من التدخل وإعطاء غطاء دولي لسحقك كتيار إسلامي "إرهابي".
داخليا، يضطر السيسي لفض المسيرات الخانقة للعاصمة - والتي تهدد بشل قدرة النظام على السيطرة - باستخدام الرصاص الحي لتحدي الصمود ، حينئذ سيسقط ضحايا جدد وستعج المدن والقرى بالتوابيت وهو ما يعني توسيع رقعة الاحتجاجات وزيادة الأعداد وكسر الإعلام، فالعائلات المؤيدة للانقلاب التي سقط منها شهداء ستنزل إلى الشارع بعدما ترى أن أبناءها المسالمين المقتولين ظلمًا هم الذين يوصفون في الإعلام بالإرهابيين المسلحين.
يقوم العصيان المدني على شل قدرة النظام على السيطرة على الدولة، وهذا الأمر يعتمد على الأعداد التي نحتاجها ولذلك فإن إطالة أمد الثورة وتأخر الحسم ليس شيئا محبطًا أو سلبيًا فضلا عما في ذلك من الإنهاك الاقتصادي الذي لا يتفاديه أمامه أي نظام ، الأمر أشبه بفصل دراسي به طالب مشاغب يستطيع المعلم معاقبته وضبط الأمور، لكن لو نجح الطلاب في الوصول إلى حالة شغب جماعية فإن المدرس لن يستطيع معاقبة كل هذه الأعداد وسيفقد قدرته على السيطرة، وكلما زادت الأعداد كانت نسبة نجاح المهمة أكيدة.
الصمود بصدور عارية هو السبيل لتجييش أعداد كبيرة في وجه السيسي ونظامه الذي بات هشا. الدماء هي الوسيلة الأقوى إعلاميا فلا تستهن بسلميتك كوسيلة غير مجدية بل الأمر على خلاف ذلك تماما.
النضال السلميّ: تاريخ طويل
• من ينسى المواطنَ الصينيَّ الذي واجه الدبّاباتِ في ساحة تيامن في بكين؟
• ومن ينسى الطفلَ الفلسطينيّ الذي لاحق، وفي يده حجرٌ صغير، دبّابةً إسرائيليّة؟
• أوّل حركة احتجاجيّة سلميّة عام 494 ق.م، عندما أوقف العامّةُ تعاونَهم مع أسيادهم الرومان النبلاء ، أما القرن العشرون فحافلٌ بالحركات السلميّة التي راكمتْ تجربةً إنسانيّةً هائلةً لمقاومة القهر والاحتلال.
• ُاعتبرت الثورة الروسيّة عام 1905 أبرزَ مثالٍ على تجارب النضال اللاعنفيّ أوائل القرن العشرين.
• وقد قام الصينيون في الأعوام 1908 و1915 و1919 بمقاطعة المنتجات اليابانيّة احتجاجًا على احتلال اليابان لهم.
• واستخدم الألمانُ المقاومة اللاعنفيّة عام 1923 ضدّ الاحتلال الفرنسيّ والبلجيكيّ لمنطقة Ruhr.
• وحفلت الفترة 1940 : 1945 بمقاومات الشعوب النروجيّة والدنماركيّة والهولنديّة السلميّة ضدّ الاحتلال النازيّ.
• كما استُخدم النضال السلميّ في ربيع 1944 للإطاحة بالأنظمة الدكتاتوريّة في السلفادور وغواتيمالا.
• واستطاع التشيكيون والسلوفاكيون، عاميْ 1968 و1969، الحدّ من السيطرة السوفياتيّة ثمانية أشهر برفضهم التعاون مع الاحتلال وبغير ذلك من أساليب المواجهة اللاعنفيّة.
• منذ العام 1980 استخدمتْ حركة "تضامن" في بولندا الإضرابات لإنشاء نقابات عمّاليّة وقانونيّة وحرّة، غير أنّ نضالها انتهى مع سقوط النظام الشيوعيّ عام 1989. وفي عام 1986، سقط نظام ماركوس الدكتاتوريّ في الفيليبين تحت ضربات الانتفاضة الشعبيّة السلميّة. كما استطاعت المقاومة الشعبيّة والمظاهرات السلميّة بين الأعوام 1950 و1990 تقويض سياسات الحكم العنصريّ في جنوب أفريقيا.
ويمكننا تسليط بعض الضوء على تجربتين مشهورتين فى التاريخ الحديث
التجربة الغانديّة
تُعتبر تجربة غاندي من أهمّ التجارب اللاعنفيّة في مقاومة الاحتلال، ويشكّل غاندي حاليًّا أيقونةً للمؤمنين باللاعنف طريقًا للحريّة حتى وصف البعضُ الانتفاضاتِ العربيّةَ بـ "الغانديّة الجديدة" لارتباطها الوثيق بمفاهيمه وأساليبه النضاليّة.
من بين المعارك المهمّة الكثيرة التي خاضها غاندي ضدّ الاحتلال البريطانيّ "حملةُ الملح،" وذلك لرمزيّتها في بلورة استراتيجيّة التصعيد السلميّ. فلقد كان غاندي مؤمنًا بأنّ الهنود لا يسعُهم "تمنّي" تحسين أوضاعهم، بل يُفترض بهم العملُ على تحسينها عبر محاربة نظام الاستعمار الانكليزيّ. وكخطوةٍ أولى، قرّر الاعتراضَ على قانونٍ استعماريّ يُجبرهم على دفع ضريبةٍ كلّما استخرجوا ملحَ أرضهم ، وهو ما أذهل قياداتِ حزب المؤتمر (بزعامة غاندي) ودفع سلطاتِ الاحتلال إلى السخرية منه. لكنّ الجميع سُرعان ما اضطرّوا إلى الإقرار بفعّاليّته حين انتفض سلميًّا عشراتُ آلاف الهنود إلى أنْ تكلّلتْ جهودُهم بالنجاح، فوقّع غاندي ونائبُ الملك معاهدةَ إلغاء ضريبة الملح. وكانت حركة المقاومة السلميّة هذه أولَ خطوةٍ أساسيّةٍ في طريق استقلال الهند.
إذن، اعتمد غاندي في البدء إستراتيجيّةَ تحقيق أهدافٍ صغيرةٍ عوضًا من وضع أهدافٍ كبيرةٍ يصعب تحقيقُها من المعركة الأولى. وبانتصاره الرمزيّ على الاحتلال عبر إلغاء ضريبة الملح، كسب ثقةَ الهنود وشكّل رصيدًا ساهم في انتشارٍ أوسع للحركة الاحتجاجيّة في أوساطهم. وهذا ما يُمكن أن يُطلق عليه "إستراتيجيّة التصعيد السلميّ."
التجربة اللوثريّة
يشكّل نضالُ حركة الحقوق المدنيّة في الولايات المتحدة ضدّ التمييز العنصريّ تجاه الأميركيين الأفارقة، بقيادة القسّ مارتن لوثر كينغ، نموذجًا حديثًا نسبيًّا تحتذي به الحركاتُ السلميّةُ حول العالم.
قدِم كينغ مونتغمري عام 1954، فوجد أنّ الأفارقة الأميركيين يعانون تمييزًا عنصريًّا في نظام الباصات: فقد كانت المقاعدُ الخلفيّة تُخصَّص لذوي البشرة السوداء، في حين يحتلّ ذوو البشرة البيضاء المقاعدَ الأماميّة. وكان من حقّ سائق الحافلة أن يأمر الركّابَ الأفارقة بترك مقاعدهم لنظرائهم البِيض عند الحاجة. ورافقتْ هذا النظامَ العنصريَّ تصرّفاتٌ عدائيّة ومهينة، مثل الاعتداء والسخرية، بسبب لون بشرة المعتدى عليهم.
اختار كينغ أن يبدأ حملتَه الاحتجاجيّة من هناك، فقاطعتِ الشركةَ المالكة لهذه الباصات عامًا كاملاً حتى كادت تفلس لأنّ 70% من ركّاب هذه الباصات هُم من الأفارقة الأميركيين. ثم طلبتْ أربعُ مواطنات من أصولٍ أفريقيّةٍ إلى المحكمة الاتحاديّة إلغاءَ التمييز في حافلات مونتغمري، فحكمت المحكمة بعدم قانونيّة هذه التفرقة العنصريّة. عندها، طلب كينغ من الأفارقة الأميركيين أن يعودوا إلى استخدام الحافلات، غير أنه أكّد أن حركة الاحتجاج لن تكتفي بإزالة التمييز العنصريّ في وسائل النقل بل ستعمل على إزالته من المجتمع بأسره. وهذا، نسبيًّا، ما حصل في ما بعد.
أشكال النضال السلمي:
سلمية العصيان المدني ليست سلمية عاجزة فمن هذه الوسائل السلمية كسد الطرق بشكل سلمي، ففكرة العصيان المدني تقوم على المخالفة العمدية لقوانين النظام بوصفه نظاما غير شرعي ومطلوب عصيانه.
الاحتجاج والإقناع اللاعنفيّان يأتيان على شكل تظاهراتٍ واستعراضاتٍ ومسيراتٍ واعتكافات. أما اللاتعاون فاجتماعيّ، واقتصاديّ، وسياسيّ. وأما التدخّل اللاعنفيّ، فيشمل أساليبَ نفسيّة وجسديّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة، مثل الإضراب عن الطعام واحتلال مباني النظام وإنشاء حكومة موازية بديلة عن حكومته. وقد يكون "التحدّي السياسيّ" من الخطوات الأولى التي تستخدمها الحركاتُ المدنيّة السلميّة لتحقيق أهدافها.
التحدّي السياسيّ معركةٌ تستخدم وسائلَ سلميّةً يَضْعف أمامها النظامُ. فلا شكّ في أنّ تصاعد حركة النضال السلميّ، وتصاعدَ مواجهة النظام العنفيّة لها، سيؤثّران في البنى المكوِّنة للنظام: إذ قد يرفض عددٌ من العناصر الانصياعَ إلى الـ "أوامر العليا،" وقد يستقيل عددٌ من الضبّاط والعناصر، وقد تنضمّ مجموعاتٌ أمنيّةٌ (سابقًا) إلى المدنيين في ساحات النضال اللاعنفيّ. وكلّ هذا يؤدّي إلى زعزعة استقرار النظام ويسرّع في انهيار أدواته القمعيّة المباشرة.
تتطلّب الأساليبُ اللاعنفيّة أن يقوم الناسُ بأعمالٍ لم يعتدوها في حياتهم اليوميّة، مثل توزيع المنشورات وتشغيل مطابع سريّة والإضراب عن الطعام أو الجلوس في الشوارع تعطيلاً للحركة اليوميّة، وذلك تعبيرًا عن اللاتعاون مع النظام القائم. وقد يتطلّب النضالُ اللاعنفيّ من الناس أن يمارسوا حياتهم الطبيعيّة بطرقٍ مختلفة: كأن يُطلب إليهم أن يقصدوا أماكنَ عملهم عوضًا من الإضراب، ولكنْ شرط أن يتعمّدوا العملَ ببطءٍ وبفعّاليّة أقلّ من العادة.
والحال أنّ قدرة الناس على القيام بالنشاطات الاحتجاجيّة بسهولة تزيد من نسبة المنخرطين في النضال التحرّريّ السلميّ، على عكس النضال العنفيّ الذي يقتصر كما ذكرنا على شريحة محدّدة قادرة عادةً على تحمّل أعباء العمل العسكريّ.

