نافذة مصر
حبيباتي .. هل تعرفن ما هذا ؟ نعم نعم .. إسبال صلاة
ما الجديد إذن يا ست مروة ؟تسألنني ابتعته ب خمس وستين جنيها تقريبا ..منذ إحدى عشر شهرا .. من أرض الطهر .. والنقاء .. والشهادة .. من ميدان_رابعة !
صليتُ به خلف د. عباس .. و د. سلطان .. و الشيخ جمال عبد الهادي و د. صفوت و د. عبد الله بركات .. ليس هذا وحسب ، بل جاورت به صفّا كانت به أم حذيفة .. وأم حمزة .. وأسماء .. وحبيبة .. وأخواتي حتى اللاتي لم ألتق بهن لكن قلوبنا قد التقت ..
بكيتُ فيه .. مسحت أدمعي به .. صليتُ به صلوات الجنازة حين كان الشيخ ينادي : صلاة الجنازة على أخيكم الشهيد فلان !
حُرق كل شئ يخصني في الميدان .. الملحفة والحقيبة بما فيها .. سُرق قبلها جهاز اللاب توب والجوال وتلقيتُ اتصالا من قسم_ثان_مدينة_نصر لإحضارهما أو التهديد بإحضاري !
راح كل شئ يربطني بالميدان ، اللهم إلا حجابي الذي كنت أمرّض به الشهداء ..!
نظرتُ آخر نظرة ل (البالطو) الأبيض وهو منغمس في شذى الدماء في أرضية استقبال المشفى ، فكأنني وعدتُه بلقاء قريب أحضره فيه بعد أمر إخلاء المكان ... شُغلتُ عنه .. نسيته .. ولما تذكّرته استحالت عودتي إليه !
حزنتُ لزوال كل ما يربطني بالميدان .. فكان لطف الله - تعالى - في انتظاري !
كنت قبل الفض بأسبوع تقريبا ، قد نزلت في زيارة لبلدتنا .. فرأيتُ فوق سطح مسجد_رابعة أختا .. تُدعى هبة_أحمد
أتذكرون - حبيباتي - الفتاةَ التي حكى الشيخ عبد الله بركات حكايتها .. التي أتت من البحيرة ، ثم أتى والدها ليأخذها من الميدان ؛ فإذا به يعتصم معها ؟
نعم نعم .. كانت هي .. تعرفت عليها .. تشرفت بها .. ولما قررتُ النزول ؛ رأيتها بنفس الملحفة التي حضرت بها منذ بداية الاعتصام .. تغسل ملابسها ثم ترتديها مرة أخرى كما هى .. (مبلولة بأه مش مبلولة مالناش صالح ) .. والله ما عن فقر ولا قلة حيلة ... بل عن تنازل عن كل ما تملك في بيتها في سبيل سهولة وصولها للميدان .. عزيزةَ النفس كنتِ يا هبة
بشوشة .. مبتسمة .. تغطي وجهها من الرجال ثم ترفع نقابها فإذا ببديع خلق الله تحته !! اللهم بارك !!
همستُ لها :- هوبة- نعم يا مروة
- بصي يا حبيبة ، أنا نازلة البلد وادعي لي ابويا يخليني آجي تاني .. وكده كده مش محتاجة (الإسدال) ده معايا ، فخديه إلبسيه يومين واغسلي ملحفتك .. ولما تنشف كويس البسيها
- مش محتجاه
- يا ستي الله يهديك .. أنا كده كده مش هاخده معايا
فاضطرت لموافقتي ..!
أخذت جولتي .. وعدت لأرض الرباط .. لم ألتق بهبة مرة أخرى ... ولم أبحث عنها كثيرا .. وانشغلت بالعمل في المشفى حتى كان يوم_الفض !
انتهى اليوم (والتفاصيل تم روايتها من قبل) بقيتُ ثكلى .. عاجزةً حتى عن البكاء .. وسط جرحى وشهداء وبقايا أجساد .. في القاعة المقابلة للمسجد (رقم2) .. حتى أظلمتْ الدنيا .. أخذت أبحث عن (زجاجة محلول ملح وكانيولا وجهاز وريد ) فلم أجد ، فذهبت للقاعة المجاورة فقابلتني رائحة الشواء .. وأخٌ يهز رأسه بأسف ينصحني بعدم محاولة الدخول !!
صرخت .. انتحبت ... فوجدت أمامي قاعةً أخرى ، لم أكن قد رأيتها من قبل .. فإذا بعدد رهيب من جثث الشهداء .. وإذا بامرأةٍ تجلس على كرسيّ .. تضع يدها على خدها وتنظر إليهم صامتة .. عاجزة .. لا شئ !
خفت في البداية .. كان المكان مظلما .. وهي قطعة من السواد !اقتربتُ منها .. فنظرتْ لي بفرحةٍ شديدة .. وصوت عال كالبكاء .. مروة ! مروة ! انتي مروة ؟!! فبادلتها نفس الفرحة والدهشة والبكاء هبة ؟! .. وكان اللقاء !
لم تعطني هبة فرصةً للاطمئنان عليها ، بل وجدتها تستعجلني قائلة : تعالي شيلي معايا اخواتك يا مروة ... شيليهم معايا ... شيلي اخواتك يا مروة .. تقول بهستريا .. تحمل الأخ الشهيد منهم تزحزحه - إذ كان ثقيل الحجم على فتاة مثلها - تضعه في بطانية أو ملائة ثم تأمرني بأن أحمل من الجهة المقابلة ..!
تركتُ هبة .. والشهداء .. وناديت بعض الأحياء من الخارج .. حملوا معها .. كانت قوية رغم ضعفها .. رجلًا رغم أنوثتها .. مطمئنة رغم انزعاجها .. تربت على كتفي بيديها ، وعلى قلوب الإخوة بكلامها !
كان ما كان ... وذهبنا لمسجد_الإيمان .. وأذكر أننا أثناء سيرنا وجدتها تسير ببطء فشجعتها على حث الخُطى .. فإذا بها تستسمحني أن تسترح قليلًا وتشير لجسدها .. فإذا به قد مُلأ خرطوش !
- ماقلتليش ليه يا هبه واحنا هناك ؟!!- اخواتك يا مروة !فصمتُّ !
وصلنا للمسجد (والتفاصيل كثيييييرة) فعرف أبي في اليوم الثاني بخبر وجودي هناك .. هاتفني .. نهرني ... بكت أمي .. أُمرتُ بمغادرة المكان !!صعدت للطابق العلوي في مسجد الإيمان .. حيث رفيقة الدرب وشقيقة الروح !أتعلمن أخواتي ؟
كانت صائمة .. لم تفطر منذ الفض .. ولم أستطع .. فأفطرت .. ولما صعدت لها حزينة أخبرها بما كان من أبي ؛ وجدتها قد خبّأت في حقيبتها طعاما تهديني به (فلم نكن نملك من القوت ما يكفي! ) .. اعتذرتُ لها ... هممتُ بالخروج من المسجد فإذا بها تناديني - مروة ... (سدالك) يا حبيبتي ... ثم تردف ( غسلته كويس بعد ما لبسته ) يااااااااااه يا هبة ... والله لو علمتُ الغيبَ لمسحتُ به حذاءك ثم امتنعت عن غسله !ماتت هبة في اليوم الثالث بمسجد_الفتح
مختنقة بقنبلة الدخان .. كانت الجزيرة تقول : خبر استشهاد امرأة .. فأكملتُ أنا : هبة أحمد ... فكانت هي !!!
لم أكن يومًا مُجابة الدعاء بهذه السرعة .. لكنني قبلها بيومين اتصلت بها فور وصولي للمنزل ... أخبرتُها أنني سأترك المنزل رغمًا عن أبي !- مش قادره أسيبكم يا هبه ... بموت !
- معلش يا حبيبتي .. اصبري .. اصبري ..
هاتفتني ليلة ذهابهم للفتح .. اطمئنت على حالتي ثم قالت عبارة لم أنسها قط
- مروة .. احنا في جهاد .. انتي فاهمة ؟؟وانا كويسة ... وادعيلي يا مروة
فما خرجت منّي إلا : ربنا يرزقك الشهادة في سبيله ..وما زادت هبة عن : آمين آمين ..
ماتت الحبيبة .. تاركةً لي قماشة غطت جسدها يوما ما ... كانت تطهرت بعرق جسدها فأبت إلا حرماني منه !

