نافذة مصر
لا تحدثني عن العلم كقيمة مطلقة ولو كان صاحبه خائنا رعديدا
استبعد علماء السوء والفسقة المنتسبين إلى الفقه الذين يزينون للظلمة ظلمهم وأهل النفاق المنحازين لأعداء دينى والمذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء والشياطين الخرس في وقت وجوب الجهاد والبلاغ

ثم حدثني عن حرمة العلماء والتزام غرزهم وهم أهل لذلك ما قاموا بحق العلم بل هم مصابيح الطريق وهداتها

قال الله تعالى : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِين (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [الأعراف:176]

فى ظلال القرآن :للأستاذ الجليل سيد قطب

وفي كلّ زمان ، وفي كلّ بيئة .. حتّى إنّه لتمرّ فترات كثيرة ، وما تكاد العين تقع على عالم إلاّ وهذا مثله . فيما عدا الندرة النادرة ممّن عصم اللّه ، ممّن لا ينسلخون من آيات الله ، ولا يخلدون إلى الأرض ، ولا يتّبعون الهوى ، ولا يستذلّهم الشيطان ، ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان !

فهو مثل لا ينقطع وروده ووجوده ، وما هو بمحصور في قصة وقعت ، في جيل من الزمان ! وقد أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آيات الله ، كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها.

ثمّ ليبقى من بعده ومن بعدهم يتلى ، ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئا أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة ، وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبداً ، وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدوّ لعدوّ . فإنّهم لا يظلمون إلاّ أنفسهم بهذه النهاية النكدة ! ولقد رأينا من هؤلاء والعياذ بالله في زماننا هذا من كان كأنّما يحرص على ظلم نفسه ، أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة ! فهو ما يني يقدّم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم ! وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً ، لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا ! اللهم اعصمنا ، وثبت أقدامنا ، وأفرغ علينا صبراً ، وتوفنا مسلمين ..

ثمّ نقف أمام هذا النبأ والتعبير القرآني عنه وقفة أخرى .. إنّه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته ورغباته فيخلد إلى الأرض لا ينطلق من ثقلتها وجاذبيتها وأن يتّبع هواه فيتبعه الشيطان ويلزمه ويقوده من خطام هذا الهوى ..

ومن أجل أنّ العلم لا يعصم يجعل المنهج القرآني طريقه لتكوين النفوس المسلمة والحياة الإسلامية ، ليس العلم وحده لمجرد المعرفة ، ولكن يجعل العلم عقيدة حارة دافعة متحركة لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وفي عالم الحياة أيضاً ..

إنّ المنهج القرآني لا يقدم العقيدة في صورة «نظرية» للدراسة .. كذلك هولا يقدّم هذا الدين دراسات في «النظام الإسلامي» ولا في «الفقه الإسلامي» ولا في «الاقتصاد الإسلامي» ولا في «العلوم الكونية» ولا في «العلوم النفسية» ولا في أيّة صورة من صور الدراسة المعرفية ! إنّما يقدّم هذا الدين عقيدة دافعة دافقة محيية موقظة رافعة مستعلية تدفع إلى الحركة لتحقيق مدلولها العمليّ فور استقرارها في القلب والعقل ، وتحيي موات القلب فينبض ويتحرك ويتطلع ، وتوقظ أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة فترجع إلى عهد الله الأول وترفع الاهتمامات والغايات فلا تثقلها جاذبية الطين ، ولا تخلد إلى الأرض أبداً .

ويقدمه منهجاً للنظر والتدبر يتميز ويتفرد دون مناهج البشر في النظر ، لأنّه إنّما جاء لينقذ البشر من قصور مناهجهم وأخطائها وانحرافها تحت لعب الأهواء ، وثقلة الأبدان ، وإغواء الشيطان ! ويقدّمه ميزاناً للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم ، وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم وتصوراتهم ، فما قبله منها هذا الميزان كان صحيحاً لتمضي فيه وما رفضه هذا الميزان كان خاطئاً يجب الإقلاع عنه.

ويقدمه منهجاً للحركة يقود البشرية خطوة خطوة في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة . وفق خطاه هو ووفق تقديراته .. وفي أثناء الحركة الواقعية يصوغ للناس نظام حياتهم ، وأصول شريعتهم ، وقواعد اقتصادهم واجتماعهم وسياستهم . ثم يصوغ الناس بعقولهم المنضبطة به تشريعاتهم القانونية الفقهية ، وعلومهم الكونية والنفسية ، وسائر ما تتطلبه حياتهم العملية الواقعية .. يصوغونها وفي نفوسهم حرارة العقيدة ودفعتها ، وجدية الشريعة وواقعيتها ، واحتياجات الحياة الواقعية وتوجيهاتها .

هذا هو المنهج القرآني في صياغة النفوس المسلمة والحياة الإسلامية .. أما الدراسة النظرية لمجرد الدراسة ، فهذا هو العلم الذي لا يعصم من ثقلة الأرض ، ودفعة الهوى ، وإغواء الشيطان ، ولا يقدم للحياة البشرية خيراً !