في رسالة من محبسه بسجن طرة بعد إضرابه عن الطعام لمدة 50 يومًا، محمد صلاح سلطان يكتب:

- ما السجن إلا اللحظات الأولى!

اللحظة الأولى حين تستيقظ من حلم تكون فيه حرًا طليقًا، فتُفاجأ بواقعٍ جديدٍ مُر.. تختلط أصوات الصراخ والقرع.. يفتش الحراس زنزانتك فتعمُّ الضوضاء زوايا المكان وخلايا الجسد وخفايا النفس.

اللحظة الأولى حين تزورك الشمس في زنزانتك لثمان دقائق بعد الشروق فلا تتمكن من استقبالها بعينين مفتوحتين وقد تعودتا ظلام الأسر.

اللحظة الأولى حين تُدرك أن سماعك صوت غلق باب الزنزانة بعنف بعد انتهاء التريض هو نذير وإعلان بأنك لن تستطيع فتحه مرة أخرى، أن إرادتك مقيدة.

اللحظة الأولى حين تدني رأسك لتقبل كفّ والدك بعد شهور طوال من الفراق فيسحبها بحذر لأنه لم يميّز في وجهك ملامح ابنه بعد معركة الأمعاء الخاوية..

اللحظة الأولى حين يَقرع جرس انتهاء الزيارة مسامعك بقسوة ليبدأ الأهل في توديعك من جديد لتعود سريعًا لأجواء السجن التي لم تكد تذوق طعم الفكاك منها.

اللحظة الأولى حين تتلصص في نظرة سريعة لشكلك في مرآة عيادة السجن للمرة الأولى منذ شهور وتشعر أنك تنظر لشخص آخر، ليس هذا الوجه وجهك.

هذه اللحظات الأولى تتراكم.. صراعٌ داخلي دائم بين روحك الحرة وجسدك المسجون يشتد كلما مرت بك إحدى هذه اللحظات من جديد. ويستمر الصراع دون حسم.. ذاك هو السجن.. مقبرة الأحياء!