نافذة مصر
نعم الاختلاف سنة كونية وضعها الله عز وجل لحكمة كبري ، يدركها أصحاب الفطرة السليمة ، فيوظفونها لخدمة المجتمع والرقي الإنساني ، قال تعالي "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ " (الروم:22) ولكننا كثيرا ما نجد من يحول الاختلاف من تنوع مفيد إلي خلاف ونزاع مقيت ، يؤدي غالبا إلي التنازع والفشل ، وأري أن ذلك مرده في الكثير منه إلي اختلال الموازين والمقاييس ، لقد ابتلي الكثيرون بسوء الفهم لحقائق الأشياء حين وزنها بعيدا ميزان الوحي.
من ذلك: ظن البعض أن التوسعة في الرزق والتملك من الدنيا علامة رضا الله عن العبد ، وهذا لاشك قياس خاطئ وقد أخبرنا الله تعالي عن ذلك بقوله تعالي : (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ ..*..) أي : لا ، فزيادة المال والتوسعة في الأرزاق ليست دليل الكرامة ولا الفقر وضيق اليد دليل الإهانة. ويستخدم الكثيرون هذه الموازين المعوجة البعيدة عن روح الوحي في حياتهم ، فهاهم المشركون يحاجون المؤمنين بما قصه علينا القرآن الكريم (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا أفك قَدِيمٌ ) الأحقاف . ومن ذلك القصور في فهم معاني النصر ، فالكثير يقصرها علي التفوق المادي في السلاح والعتاد وتحقيق الظفر بالأخر ، وينسي أن النصر الحقيقي في الثبات علي المبدأ والتمسك به بل والموت من أجله ، وفي قصة أصحاب الأخدود خير دليل ، وعند اختلال الميزان من يستسلم تحت غطاء من الواقعية ، غير مدرك لسنة التدافع " وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " فما أحوجنا إلي الميزان الحق، ميزان الوحي الذي لا تأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه ، ومن خلاله نري الحقيقة في أبهي صورها وأشكالها .وخاصة مع الفتن التي تقصم الظهور ، فقد روي مُسلم في كتابِ الإيمان من حديث حُذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه : قال : قال النبي صلى الله عليه وسلّم) : تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نُكت فيه نُكتة سوداء وأي قلب أنكرها نُكت فيه نُكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين : على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف مَعروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه .)

