نافذة مصر
شاء الله عز وجل لي أن أجتمع في يوم من الأيام بكوكبة من الإخوان من عدة محافظات داخل سجن مزرعة طرة وتم وضعنا في زنزانة واحدة كان يصحبنا في نفس القضية أ. د. رشاد البيومي - نائب فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين -..
كنت أسمع عن الرجل بالطبع كثيرا ولكني لم أكن قد اقتربت منه إلا في هذه الفترة..
عرفت وقتها هذا الإرهابي الذي ستبدأ محاكمته اليوم ضمن مجموعة من قيادات الإخوان المسلمين على رأسهم أ. د. محمد بديع المرشد العام للجماعة..
ولكني هنا سأذكر بعض ملامح هذا الرجل لتعرفوا حقيقة من يوصمون بالإرهاب في بلادنا، وسأحاول ألا أطيل في الحديث رغم كثرة الذكريات:
كان أكثر ما يميز د. رشاد تواضعه الكبير معنا جميعا رغم ما يبدو من شدة وقسوة أحيانا عليه..
* سأله أحد أمناء الشرطة حين وصل لمقر مباحث أمن الدولة عن مهنته، فقال: دكتور جامعي،، فقال الشرطي: يعني إيه؟!!..
فقال الدكتور: يعني بدرس للطلاب في الجامعة،، فقال الشرطي: مدرس في مدرسة يعني!..
لا تتعجب فهذا آخر علمهم بهذه الأمور..
* تعجبت أول ما دخلنا الزنزانة أنه اختار لنفسه مكانا لينام فيه ولم نلتفت جميعا لسبب اختياره لهذا المكان سوى بعد ذلك..
اختار الدكتور أن ينام بجوار باب الزنزانة مباشرة بحيث يكون هو أقرب واحد منا إلى من يدخل من البوابة، وقد فهمنا أن كبار الإخوان في السجون كانوا دوما يختارون هذا المكان ليكونوا أول من يتلقى أي هجوم أو غدر..

القيادة عند الإخوان مغرم وليست مغنما، فإن كان ثمة ضرر سيقع على المحتجزين فليكن هو أولهم وفي مقدمتهم ويستطيع حتى أن يصد عن إخوانه الشباب،، وحاولنا مرارا أن نثنيه عن هذا المكان ليجلس في مكان أقل تعرضا للبرد منه لكنه كان يرفض وينهرنا ولم يتحرك من مكانه قط..
* بعد صلاة الفجر والأذكار كل يوم كنا جميعا نخلد إلى النوم وهو معنا وفي يوم من الأيام استيقظت من نومي مبكرا على غير العادة لأسمع صوت جلبة في المطبخ وما رأيته حقيقة صدمني حيث كان د. رشاد البيومي يقوم بملء براميل المياه والزجاجات وينظف المكان بمفرده دون أن يوقظ أحدا منا..
ولما حاولت مساعدته رفض اللهم إلا بعد إلحاح شديد، وحين سألناه عن سبب ما يفعل قال: إن المياه هنا تأتي لوقت بسيط في الصباح فقط وإن لم نستطيع توفير احتياجاتنا من المياه لليوم كله فلن نجدها باقي اليوم..
تعجبت أنه لم يُرح نفسه وهو من تجاوز السبعين من عمره، وأنه لم يعهد بهذه المهمة للشباب رغم صعوبتها..
تعجبت كيف أن هؤلاء القادة يختارون المهام الأصعب لهم، ولكن كيف لي أن أعجب وقدوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اختار جمع الحطب وكانت المهمة الأصعب..
* ظل د. رشاد يحكي لنا مقتطفات من تاريخ الجماعة كل ليلة ورأيت دموعه حين قصَّ علينا قصة هذا الشاب الصغير الذي مات تحت التعذيب في سجون عبد الناصر..
ولم يكن موت هذا الشاب هو ما أبكى د. رشاد، ولكن طريقة موته حيث تم ضرب رأس الشاب في نافورة السجن أكثر من مرة حتى سمع كل من في السجن صوت كسر رقبته..

إحساس مؤلم كان الدكتور يسمعه في أذنه رغم مرور كل هذه السنين!..
* كان د. رشاد يحسن كتابة الشعر فقد كان ذا حِسٍّ مرهف، وكان متميزا في اللغة العربية وعروض الشعر ووزنه، وكان كل فترة يتحفنا بقصيدة جديدة تدخل السرور على قلوبنا جميعا..
قبل أن أنهي حديثي أحب أن أزيدكم من الشعر بيتا عن هذا الإرهابي الذي درس في كلية العلوم وتخصص في الجيولوجيا وصار أستاذا في الكلية وقام بالإشراف على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير وقام بالتدريس في العديد من الجامعات خارج مصر..
ولكن.. هل تعلم أن هذا الرجل من أكبر خبراء الجيولوجيا في مصر؟!!..
هل تعلم أن جريدة "الأهرام" أجرت حوارا معه وقت كارثة صخرة الدويقة على أنه من كبار الخبراء الجيولوجيين في مصر في هذا المجال، ولم يشيروا بالطبع إلى أنه إرهابي تابع لجماعة الإخوان المسلمين؟!!..
هل رأيت بلدا في العالم يهين علمائه لهذه الدرجة؟!!!..
هل يمكن لرجل لم يتجه إلى الإرهاب والتكفير والقتل في شبابه حين رأى وسمع موت إخوانه بنفسه تحت سياط التعذيب في السجون أتراه فجأة الآن يتحول إلى إرهابي بل صانعا له؟!!!..
هل يمكن لرجل خدم بلده طوال هذه السنين وقدم أبحاثا ودراسات جيولوجية في مختلف المجالات أن يعامل بهذه الطريقة بدلا من تكريمه والاحتفاء به؟!!..
تخيل معي لو عاش هذا الرجل بالخارج مع كل مؤهلاته العلمية كيف كان سيعامل؟!!..
حدثوني عن هجرة العقول والعلماء من مصر..

حدثوني عما ينتظر المتميزين من أولادنا علميا في المستقبل إن خالف أحدهم رأي النظام الحاكم وكان مصيره السجون والمعتقلات!!..
حدثوني عن فرحة الكيان الصهيوني وغيره وهم يرون كوكبة من العلماء خلف أسوار السجون..
وكأنه كتب على مصر دوما أن تجافي أبنائها وتلقي بهم بعيدا عنها..
من الخاسر حين يلقى بهؤلاء خلف أسوار السجن؟!!..
والله كان معنا وقت وجودنا في طرة مجموعة من أساتذة الجامعات حين تتعرف عليهم وعلى إنجازاتهم تتضاءل أمام نفسك كثيرا..
فمنهم من يدرس في جامعات أمريكا وله اسم وشهرة عالمية، ومنهم هذا الأستاذ بمعهد الفلزات وما أدراكم ما هو إن ذهب إلى الخارج؟!!..
رأيت أستاذا جامعيا متخصصا في مجال الكبد وتعقد المؤتمرات كل عام في مصر تحت رعايته، وحين تم سجنه ألغيت هذه المؤتمرات..
من المسئول عن هذا العبث الذي نعيشه؟!!..
وهل ترون لمصر مستقبلا حين يتم إهانة العلماء لمجرد اختلافهم فكريا أو سياسيا مع النظام الحاكم؟!!..
ما فائدة علمك ومؤهلاتك ودراساتك بالداخل والخارج حين ترى صاحب الـ 50% يبطش بك ويهينك لمجرد أنه يملك سلاحا؟!!..
وقد صور الدكتور القرضاوي في رائعته النونية حال الظالمين في تهاونهم مع أقدار الناس ومكانتهم:
لا يقدرون مفكرًا ولو أنه = في عقل سقراط وأفلاطونِ
لا يعبئون بصالح ولو أنه = في زهد عيسى أو تقى هارونِ
لا يرحمون الشيخ وهو محطم = والظهر منه تراه كالعرجونِ

لا يشفقون على المريض وطالما = زادوا أذاه بقسوة وجنونِ
كم عالم ذي هيبة وعمامةٍ = وطئوا عمامته بكل مجونِ
لو لم تكن بيضاء ما عبثوا بها = لكنها هانت هوان الدينِ
وكبيرُ قومٍ زيَّنتْه لحيةٌ = أغرتهمو بالسب والتلعينِ
قالوا له: انتفها.. بكل وقاحة = لم يعبئوا بسنينه الستينِ
فإذا تقاعس أو أبَى يا ويله = مما يلاقي من أذى وفتونِ
أترى أولئك ينتمون لآدمٍ = أم هم ملاعين بنو ملعونِ؟
اللهم إنا مغلوبون فانتصر..
وحسبنا الله ونعم الوكيل..