كتب / وائل الحديني :

في حال تساوت الجهود الإعلامية للحملات الانتخابية للمرشحين ، تبقى قدرة ـ حزب ما ـ على الاتصال الشخصي هي عامل الحسم  ، ووسيلة استثارة الجوانب الإيجابية للناخبين للتصويت لمرشحيه أكبر.

حتى وإن تعرض حزب ما لحملات إعلامية مضادة ، وفشل في إدارة حملة إعلانية في الوسائل المقرؤة والمرئية لصالح منافسيه ، فأنه سيتمكن من الفوز الحاسم ، في حال استطاع حشد أعداد ( أكبر ) من المتطوعين وأدار حملة طرق أبواب ( متنوعة )  بنجاح .

لكن يبقى أن لغة الخطاب ( الرسالة ) سواء كان ( جماهيرياً ) مباشراً أو في شكل بيان انتخابي هي الأصعب ، في حال افتقاد المرشح عقل  (السياسي ) وعين (الإعلامي ) في رؤية الواقع ومتطلباته وموازناته ، والجنوح ( المستمر ) إلى الماضي بمرراته ومبرراته .

الانتخابات التركية نموذجاً  :


1ـ تعرض حزب العدالة والتنمية التركي للكثير من المصاعب في الانتخابات الأخيرة ، بينها هجوم متواصل من وسائل الإعلام خاصة المقرءوة .

 2ـ نزل منافسه حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليغدار أوغلو برسائل إقناعية ( ناجحة ) إلى المناطق الكردية ، التي كانت تمثل مرتكزا ( هاماً )  في حملات العدالة.

3ـ تركيز الإعلام على الاستقرار النفسي لكليجدار مقابل الانفعال والمزاج المتقلب لأردوغان .

في مواجهة ذلك : لجأ حزب العدالة والتنمية لحملة طرق أبواب بحشد أكثر من 26 ألف متطوع في إسطنبول وحدها نصفهم من النساء يتحركون في مجموعات من 9 أشخاص بشكل مدورس ومنظم ، لم يتركوا باب منزل ولا متجر إلا طرقوا بابه وأدارو حواراً حول الحزب وجهوده ورؤيته المستقبلية لنهضة تركيا ، ثم أنهى الحزب الحملة بحشد مليوني أعلن فيه عن فكرة تشييد قناة اسطنبول ( حلم أردوغان المجنون )

النتيجة : حصل الحزب على نسبة تصويت غير مسبوقة 50% .

ويدعم ذلك أن نظرية من نظريات الاتصال ( القديمة ) كانت تعتقد أن كلمة وسائل الإعلام للناخبين بمثابة حقنة تحت الجلد ، (أثبتت فشلها الذريع ) ، لصالح نظرية آخري : قدرة عملية الاتصال الشخصي ، والاتصال على مرحلتين بالاعتماد على قادة الرأي ـ في الحسم الانتخابي .

مع مراعاة أنه لا يعرف ـ بشكل مؤكد ـ الأوزان الحقيقية للوسائل ، والتي تختلف أيضاً باختلاف الشرائح ، لذا ينظر إلى الاتصال الشخصي والمباشر على أنه الوسيلة الأقل تكلفة والأكثر فاعلية وإقناعاً .

الاتصال المباشر

(1) الربط الانتخابي :

يظل قدرة حزب الحرية والعدالة على تفعيل ( الربط الانتخابي ) عامل قوة  يفوق قدرة كل المنافسين مجتمعين على الحشد والتصويت .

محاذير ومخاوف  :

·أصبح المسمى رويتنياً يرتبط في الذاكرة ، بورقة تسجيل أسماء المحيطين كأرقام ، دون متابعة حدوث اتصال حقيقي بهؤلاء أم لا ، و الانشغال بتفاصيل ومتطلبات ومراحل وتنوعات الحملة الانتخابية .

·عجز الإفراد عن الحصول على رسائل أو وسائل ( إبداعية ) أو (إقناعية) تسهل إدارة نقاش وحوار حول  الأهداف المرجوة .

· تشتت أهداف ـ الحملة الانتخابية ـ وعدم وضوحها لدى الأفراد .

· عدم توعية الأفراد بطبيعة المرحلة ، وأن رسائلنا في مرحلة ما قبل الثورة ( كمعارضين ) تختلف عن رسائلنا المفترضة فى مرحلة ما بعد الثورة ( كمنافسين على الحكم ) .

· اعتقاد البعض أن برنامج الحزب هو هدف عملية الاتصال ، وكأن الدعاية للبرنامج ، وليس لمرشحي الحزب

توصيات :

· تغيير مسمى ( الاتصال ) إلى حملة طرق الأبواب ، كنوع من تنشيط وتحفيز الذهن .

·تفرعات حملة طرق الأبواب وتنوعاتها تشمل كأدوات : الأكشاك والخيام والشاحنات (الإعلامية والتعريفية أو الدعائية ) ، وتشمل كأعمال : الجولات والمسيرات والوقفات وزيارات المنازل والمقاهي والمتاجر و......

· أهمية التكامل بين حملة طرق الأبواب وفكرة تنظيم وجذب إطار للمتطوعين ، وفرق وضع رسائل ووسائل إقناعية وإبداعية ، ( عمادهم أولاً ) منتسبي الحزب من غير الإخوان .

· أهمية التفريق كفكر بين ما ( كان ) قبل الثورة وما ( يجب ) بعدها فى الخطاب الإعلامي والرسائل الاتصالية .

·أهمية التفريق بين برنامج الحزب والوعد الانتخابي ( الحلم ) المحلي والمركزي .

المحلي :

ـ القضاء على البطالة عن طريق مشروعات عمل استيعابية.

ـ بناء مساكن لمحدودي الدخل وتخفيض القيمة الإيجارية .

ـ رعاية صحية أفضل .

المركزي : وعد كبير ( هدف قومي ) :
  مثال :

1ـ في تركيا ( موعدنا 2023 ) :

 وهو العام الذي وعد أردوغان بتحويل العاصمة اسطنبول ـ فيه ـ إلى  واحدة من ضمن أفضل 10 اقتصاديات في العالم ، مع الفارق أن النموذج التركي سبق وقدم نجاحات كبيرة ، لذا تحظى وعوده بمصداقية ، وهذا يختلف عن حزب يخوض التجربة للمرة الأولى . 

2ـ يمكن الترويج لخطة لزراعة 4 مليون (اكتشاف ) د / خالد عوده ( فى حال التأكد من واقعيته ) بما يغير الخريطة السكانية لمصر ( كمثال ) ، مع مراعاة لغة الخطاب تبعاً للشرائح والمناطق .

ملاحظة : أهمية تحديد هدف كبير للحملة ( بذاتها ) : ( التصويت لناخبينا بشكل يؤهلهم للفوز ) ، وتنحية باقي الأهداف والقيم ( جانباً ) في فترة الحملة ، حتى لا تصرف عن الهدف المرحلي الكبير

 (2) رصد تجربة الميادين:

    تكوين مجموعات شبابية من 20 فرد ، بينهم 6 من الفتيات والنساء لحملة طرق أبواب .

  الأداء : حملات متنقلة في الميادين الرئيسي بالبانرات ( يحملها أطفال أحياناً ) ، للتعريف ببرنامج الحزب ووسائله وأهدافه .

  الأدوات : بانرات وسماعات وداتا شو ، وأوراق تحمل ملخص لبرنامج الحزب .

  الإنجاز  : 6 جولات ، توزيع 7000 ورقة .

المدة الزمنية : أسبوعين .

  التعرض : 7 آلاف شخص .

إيجابيات :

  وجود أطفال وسيدات .

  التكرار والملاحقة والتنوع فى العرض حال ضعف التجاوب .

طرح أسئلة فورية حول ورقة البرنامج ، وتقديم جوائز .

الوجود الشبابي اللافت .

الاستعانة بسياسيين محنكين مرتين على الأقل والاستفادة من طريقة طرحهم .

سلبيات :

الافتقاد لرسائل إبداعية .

عدم التأهيل الجيد سياسياً للأفراد .

ضعف الأعداد والجولات مقابل الفترة الزمنية الطويلة نسبياً .

الابتعاد عن الهدف الكبير ( التصويت ) والتركيز على البرنامج والحزب ( فقط )  .

ليس هناك وعود انتخابية ( حلم ) .

عدم المتابعة والتقويم السريع للأداء ووضع بدائل واقتراحات .

افتقاد رؤية التواصل مع الشرائح المختلفة . ( يمكن تفعيل التواصل مع الشرائح وكأننا مقبلين على انتخابات مهنية ) بالحديث مع كل شريحة عن قدرة الحزب في حال الفوز على تحقيق مطالبها  .

(3) رصد تجربة المربعات وحملة طرق أبواب المنازل :


تم تقسيم الحيز السكني إلي مربعات سكنية ، مثلا : (3) مربعات سكنية  ،  يجهز لها (3) فرق عمل .

  يقوم الفريق بتغطيه المربع السكني  ـ10 شوارع ـ ( بالكامل )  بالمرور علي كل البيوت وكل الشقق ، على مدار 3ـ 4 أيام خلال الشهر  .

  تم تجهيز مواد دعوية أو دعائية لتوزيعها علي البيوت والشقق (تحمل قيم وموقعة باسم الحزب أو الجماعة ) .

  تم التحرك في مجموعات ، مع كل مجموعه شخصية معروفه من أهل الشارع .

   تكرار نفس الحملة من اجل توصيل برنامج المرشحين للانتخابات .

   الإيجابيات

  تجاوز روتين الربط الانتخابي وعيوبه وسلبياته .

الأهالي شعروا بسعادة بالغه ، لأن هناك من يهتم بهم ، والاستقبال يتم بحفاوة بالغه..

صناعة جو عام ( إيجابي ) في الشوارع مع رؤية العدد .

  أعطت دفعة نفسيه للأفراد ، وأزالت حاجز الرهبة من التعامل مع المجتمع ، مع تدريبهم علي التواصل المجتمعي .

السلبيات :

عدم وضوح الفرق بين الجو الانتخابي واحتياجاته ، وصناعة صورة ذهنية عن الجماعة ، تتطلب أوقات وأدوات مغايرة .

النساء لم يكن لهم دور .

هي حملة طرق أبواب للتعريف وليس للدعوة للانتخاب والتصويت ، تقبل في حال كانت ممهدة للحملة الرئيسية .

عدم وجود حلم جذاب لاستثارة مشاعر الناخب .

الخلط بين الدعوي والانتخابي ، تبعاً للرسائل والمطبوعات المتاحة ، مع عدم التركيز في الأهداف .

احتياجات :

   تأهيل رموز يجيدون التحدث .

  توفير رسائل مركزة .

  رصد التجربة بأبعادها وإيجابياتها وسلبياتها ، وكيفية تجاوز الأخطاء مستقبلاً .

عمل رسائل توعيه مبسطه لأفراد الصف بطبيعة المرحلة وطبيعة الرسالة التي يجب أن نحملها وبما يناسب المرحلة والأهداف المطلوبة .

التأكيد على  أن المسيرات (فقط ) ليست مناسبة كوسيلة طرق أبواب لأنه لا يتاح فيها حوارات مباشره .

ختاماً :

ربما تكاد الثورة تفقد التعاطف الجماهيري الكبير بسبب ( إصرار ) ـ طرف ما ـ على طول الفترة الزمنية المؤقتة ، مع تقنين الفوضى وتأخر أو تلاشي المكتسبات .

الإغراق في الماضي بتفاصيله ، مع عدم القدرة على صياغة رسالة تطمينية واقعية ( للجماهير ) تحمل استشرافاً لمستقبل واعد ( حلم ) فشل كبير .

اللجوء لخطاب قيمي لا يلبي احتياجات الجماهير بمثابة عزلة شعورية ، لا يقطعها إلا رسالة واضحة وبرنامج طموح ينطق بمتطلباتهم .

ربما عانينا في الانتخابات الماضية من شعور ( قوي ) بعدم القدرة على استخلاص مقاعد من بين براثن التزوير ، وهذا آثر سلبياً على الدعاية والحركة والتسويق : فكيف اقنع غيري وأنا ( أساساً ) غير مقتنع ( تماماً ) بقدرتي على الفوز ، لا يجب أن يتبدل الشعور ( هنا) بقدرتي على الحسم ، لأن العائد في الحالتين متشابه  يورث : خمول وزهد وكسل .

هذه هي المرة الأولى التي تتاح فيها فرصة للمشاهد (الجاد)  للانتقال من شرفة المتفرج ( الناقد ) ، لتأدية دور الممثل الواعد ، وانتقال الجمهور ( غير المهتم )  من خارج الإطار الكبير ، إلى داخل حدود المسرح ،  تجربة نتمنى أن يكتب لها النجاح .