11/07/2011
وائل الحديني :
أنجز السودانيون استحقاق الانفصال بأريحية تامة ، إذ أعلن الجنوبيون قيام الدولة ، وأعلن الشماليون الاعتراف بها ، وكأن الطرفين ارتضيا ذلك ، وسعوا إليه سعياً حثيثاً بالتساوي .
فمراسم إعلان الانفصال التي جرت في جوبا يوم السبت 10/7 حضرها الرئيس السوداني عمر البشير بصحبة زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان سيلفا كيرميرديت ، ليعلنا سوياً دولة الجنوب ويباركا تقسيم الجسد وانفصال الأشقاء .
والانفصال هو استحقاقٌ كان متوقعا ، حيث أن نتائج استفتاء جنوب السودان الذي تم إجراؤه في الفترة من 9 إلى 15 يناير 2011، أشارت إلى أن الجنوبيين أقبلوا بأعداد كبيرة ( 97.58% من جملة المسجلين فى الجداول ) على التصويت ، وأن نسبة عالية من الذين أدلوا بأصواتهم ـ أكثر من 99% ـ اختاروا الانفصال .
(( وعلى غير المتوقع، فإن دولة الجنوب الجديدة أخذت شرعيتها دوليا قبل أن تولد، بما في ذلك من الحكومة السودانية، التي لم تخف استعدادها للاعتراف بالدولة الجديدة وفاء بعهد قطعته على نفسها في اتفاقية السلام الشامل، التي وقعتها مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في التاسع من يناير 2005 بـ"نيفاشا"، بكينيا ، ثم اعترفت بها بالفعل !
ومرجع ذلك أن القوى الكبرى في العالم لديها رغبة أكيدة في ذلك، لأن انفصال جنوب السودان يتوافق ومشروع تقسيم المنطقة من جديد، ويحقق رغبات القوى ذات النفوذ العالمي. وقد مهد التحرك الإقليمي والعالمي الفعال، الذي قامت به قيادات نافذة في الحركة الشعبية، لقبول هذه الدولة الجديدة)) ... (1)
ملامح الكيان الوليد
1ـ لن يحدث تغيير فى شخصية الحاكم ، فالحركة الشعبية تحكم الجنوب كاملاً ـ منطقة مغلقة ـ بنسبة كاملة .
2ـ مليون جنوبي سيعودون من الشمال إلى الجنوب ، سيمثلون معاناة شديدة على اقتصاد الجنوب المتدهور في الأساس ، خاصة مع شيوع الفساد بدرجة كبيرة .
3ـ عدد السكان قليل 4مليون في أفضل الاوضاع في 25 % من مساحة السودان الكبيرة ، لكنهم لا يملكون مقومات دولة فى الأساس .
4ـ الجيش الشعبي غير النظامي ( ميليشيات ) يحكم الجنوب ، لا توجد قوات شرطة داخلية لحفظ الامن .
5ـ سكان الجنوب يتوزعون على أكثر من 500 قبيلة مختلفة الأديان والأعراق ، لا يوجد بينها توافق ، تمثل بركاناً ثائراً في لحظة ما يصعب السيطرة عليه ( احتمالية حدوث حرب أهلية أقرب من احتمالية الانفصال) !! .
6ـ المسلمون في الجنوب لا يمثلون أدنى مشكلات ، هم ضعاف ويعيشون في ذوبان شبه كامل مع التقاليد والأعراف الموجودة .
7ـ تتجه جوبا (عاصمة الجنوب) الآن اتجاها قويا نحو عواصم الجوار الإقليمي، وتتحرك من خلالها داخل إفريقيا والعالم للإعلان عن نفسها وإبلاغ توجهاتها المستقبلية.
(( وهو ما يؤكد أن هناك تغيرا قادما فيما يتعلق بالوضع الإستراتيجي للمنطقة، وخاصة دول حوض النيل، إذ تمثل دولة الجنوب إضافة جديدة فيه من حيث العدد، مما يدفع إلى إعادة تشكيل نوع جديد من العلاقات والتعاملات، وربما التعقيدات بين دول الحوض.
لكن المؤكد أن رصيد الحرب يتناقص والمخاطر تتزايد ، كما تبدو القاهرة أكبر الخاسرين من انفصال الجنوب، إذ لا تتعلق خسارتها بمياه النيل فقط، وإن كانت هذه هي الأهم، إنما أيضاً بمصالح أخرى، مثل تقليص مجال أمنها الإستراتيجي جنوباً، فضلا عن تأثر أمنها المباشر ودورها ومكانتها في الإقليم ))... (2)
التداعيات القطرية للإنفصال :
1ـ فقد السودان من ربع إلى ثلث مساحته الجغرافية، وفقد ما يعادل 9 مليون نسمة من تعداد سكانه المقدرين بـ 39.15 مليون نسمة حسب آخر التقديرات، و 60% إلى 80% من ثروته النفطية التي أصبحت تمثل أكثر من 70% من تقديرات الدخل القومي.
2ـ جغرافيا ، انفصال الجنوب السوداني سيقلل من عدد الدول التي تحد دولة الشمال من جهة الجنوب من أربع دول (كينيا- أوغندا – الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى) إلى دولة واحدة هي دولة الجنوب الوليدة .
3ـ ستبقى المشكلات مستمرة فى ترسيم الحدود خاصة في أبيي .
4ـ محليا أيضا ستبقى معضلة الاتفاق على أنصبة الشمال والجنوب من عائدات النفط، وتأمين إنتاجه وتصديره .
5ـ تنذر تطورات الوضع في دارفور بنذر توتر بين الشمال والجنوب، إذ بات ظاهرا منذ الآن أن الحركات المسلحة المناوئة لسلطة الخرطوم في دارفور بدأت في الاحتماء بالسلطة الجنوبية في جوبا .
6ـ ستمثل الجنسية المزدوجة معضلة حقيقية في ظل التداخل الاجتماعي لبعض الأسر الشمالية والجنوبية نتيجة التصاهر، خاصة وأن بعض الجنوبيين تربطهم مصالح طويلة الأجل بشمال السودان أكثر من جنوبه.
التداعيات الإقليمية :
1ـ بالنسبة للقاهرة التي حاولت التواصل مع جوبا وتسيير العديد من رحلات الطيران إليها واعترفت بسرعة بالدولة الجديدة ، تبقى إشكالية زيادة عدد دول حوض النيل بكل ما يحمل ذلك من تعقيدات بشأن توزيع حصص الدول من مياه نهر النيل، خاصة في ظل مناداة عدد من دول الحوض بضرورة مراجعة الاتفاقية التي مضى عليها زمن طويل (1929).
2ـ (( ترقب أثيوبيا بحذر شديد ميلاد الدولة الجديدة في جنوب السودان، خاصة للعلاقة الجيدة التي تربط بين الحركة الشعبية لتحرير السودان ودولة إريتريا التي كانت المقر الأخير لقيادة الحركة الشعبية لسنوات عديدة قبل توقيع أتفاق السلام السوداني (اتفاقية نيفاشا) في العام 2005 ،و أيضاً لتداخل القوميات وتأثيره على صراعها مع الصومال على أوجادين .
3ـ أما كينيا فعينها على قطف ثمار علاقتها الطويلة الأمد بقضية شعب جنوب السودان، خاصة وأنها تمثل المنفذ البحري الأقرب للدولة الوليدة، ففيما عدا النفط الذي سيربط مصير تصديره عبر دولة شمال السودان، فإن كينيا تأمل أن يمثل ميناء ممباسا في المحيط الهندي المعبر الأساسي للبضائع والمهمات الواردة للجنوب، لاسيما وأن الدولة الوليدة ستحتاج إلى استيراد كل شيء تقريبا، وكينيا ترجو أن تتدفق المساعدات المالية والخدمات عن طريقها.
4ـ كما تأمل أوغندا أن تتمكن الدولة الجديدة من تأمين حدودها الجنوبية وطرد جيش الرب الذي يمثل أقوى معارضة مسلحة للحكومة الأوغندية، والذي ظل ينطلق من الأراضي السودانية للعمل في شمال أوغندا)) . (3)
5ـ اسرائيل التي تعوق اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين هرولت للاعتراف بدولة الجنوب ، ورُفع العلم الأبيض بخطيه الزرق والنجمة السداسية فى الاحتفالات ، وصرح نتينياهو ( بفرح) إنها (جمهورية جنوب السودان) : دولة تنشد السلام، وسنكون سعداء ( للتعاون معها من أجل ضمان نموها وازدهارها) .
كما دعا وزير الداخلية الإسرائيلي إيلي إيشاي حكومته للشروع فورا في مفاوضات مع جنوب السودان من أجل إعادة اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين الذين عبروا الحدود إلى داخل إسرائيل "بطريقة غير مشروعة" خلال السنوات العديدة الماضية.
هذه التداعيات دخل عليها مؤثر جديد ، وهو عهد ما بعد نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وإمكانية تغير السياسية الخارجية لمصر واستعادتها جزء من وزنها الإقليمي ، تبعاً لمستجدات متوقعة أرختها ثورة 25 يناير وطموح ربما يلي إستقرار ما بعد إعادة ترتيب البيت الداخلي على نهج إستراتيجي يعالج تأثيرات حكم دولة الفرد ورؤيته القائمة على مصالح الذات أكثر من فهمة لحقيقة القطر الذي كان يحكمه .
الخلاصة :
إذا .. نحن الآن أمام ( كيان جنوبي وليد ) لفظته نسبة لا بأس بها من ( أشقائه ) الشماليين على اعتبار أنه يمثل عبئاً سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً واجتماعياً ، .. فالجنوبيين ينشرون الفوضى والفساد الأخلاقي والمرض والفاحشة ( نسبة الإصابة بالإيدز في الجنوب واحدة من أكبر المعدلات الإصابة بالمرض في العالم ) ...
كيان لا يملك مقومات دولة ، فيما يملك أبجديات التفكك والتفتت والانهيار ، ويحيط به واقع إقليمي ( ملغم ) بفلسفة المصالح ، ومتحفز لنهب قدراته وسلب خيراته .
التحدي الحقيقي هنا يتأرجح بين إمتلاك إرادة (التحرك ) وصياغة رؤية استراتيجية طموحة لتثبيت موضع قدم هناك ( بين الحالمين ) .. (ترتبط بأفكار وسياسات وفلسفات وتغيرات ما بعد ثورات الربيع العربي ) لحماية المصالح وكحزام وعمق للأمن القومي العربي ، أو إمتلاك استاتيكا ( التموضع ) و الإنسحاب بالكلية .
المراجع
(1) انقسام السودان : إعادة تشكل موازين القوى ... الصادق الفقيه
(2)انقسام السودان : إعادة تشكل موازين القوى ... الصادق الفقيه
(3) تقدير موقف .. مركز الجزيرة للدراسات

