05/01/2011

خاص : ينشر بالتنسيق مع مجلة الأمه :

يعيش السودان مشكلات متعددة وأزمات عميقة وتحديات خطيرة تكاد تودي بوحدته ، وتفتت البلد الكبير الذي كان ـ حتى الآن ـ سلة للأعراق .


فما الذي يضخم هذه المشكلات ، وإلى أين يتجه السودان ؟؟

السودان أكبر الدول العربية والإفريقية مساحة ً :

  • يحتل السودان المرتبة العاشرة بين بلدان العالم الأكبر مساحة ، واستقل عن الإدارة البريطانية في عام 56 .
  • تقدر مساحته بأكثر من اثنين مليون ونصف المليون كيلو متر مربع، والسمة الرئيسية فيه هي نهر النيل وروافده .
  • يتقاطع حدودياً مع 9 دول ، وتمتد حدوده سبعة ألاف وستمائة وسبعة وثمانين كيلو متر ، يحده من الشمال مصر ، والشرق أريتريا و أثيوبيا ومن الشمال الشرقي البحر الأحمر ، ومن الشمال الغربي ليبيا ومن الغرب تشاد ومن الجنوب الغربي جمهورية أفريقيا الوسطى و جمهورية الكونجو الديمقراطية ، ومن الجنوب الشرقي أوغندا و كينيا .
  • يقسم نهر النيل الدولة إلى شطرين شرقي و غربي .
  • الخرطوم عاصمة السودان سميت بالمثلثة لأنها تتكون من ثلاث مدن كبيرة وهي (الخرطوم - أم درمان -الخرطوم بحري) .
  • أكبر مدن السودان : أم درمان ، اللغة الرسمية : العربية والإنجليزية .
  • يوجد به مجموعات عرقية  حوالي 600 عرقية أبرزهم العرب, النبويون, الجنوبيون
  • عدد السكان39 مليون نسمة تبعاً لإحصائيات 2009 ، يمثل المسلمون 70% من السكان (معظمهم في الشمال والشرق ووسط السودان والغرب والخرطوم) ، و الوثنيون 25% ؛ والنصارى 5% (معظمهم في جنوب السودان)
  • يلفت الانتباه إلى أن نسبة المسلمين في جنوب السودان 24% والنصارى 17% والبقية وثنيون 59% .
  • يتكون السودان من 26 ولاية ، تتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية واسعة ، بينما تقوم الحكومة المركزية بالتخطيط ، وتعيين الولاة .

الوضع الاقتصادي :

  • بعد سنوات طويلة من الحصار كانت الدولة ـ فيها ـ ضعيفة بلا موارد حقيقية ، حدثت انفراجه من 5 سنوات ، وظهرت بوادر تنمية كبيرة ، تحسن فيها وضع الجنيه السوداني ، الذي بدأ مرة آخري في التراجع أمام الضغوط السياسية والمشكلات .
  • هناك أراضي خصبة ، ومشروعات عقارية وتجارية ضخمة تبدو في الأفق برؤوس أموال عربية ، والاستثمار هناك يحقق كسباً ضخماً .

الحالة السياسية :

يعاني السودان العديد من الأزمات الداخلية التي يمكن تصنيفها على أنها حروب اهلية انفصالية من ناحية الجنوب أو معارضة مسلحة في الشرق ( دار فور) ..

 جنوب السودان :

هو الجزء الجنوبي من جمهورية السودان وهو إقليم حكم ذاتي له حكومته وجيشه عاصمته وكبرى مدنه هي جوبا، و أكبر مدنه هي واو، ملكال، رومبيك، أويل، ياي ، ويضم عشر ولايات.
 ويحد الجنوب السوداني من الجنوب شرق اثيوبيا وكينيا واوغندا وجمهورية الكونجو الديمقراطية، وجمهورية أفريقيا الوسطى من الغرب. ومن الشَمَال باقي ولايات السودان.
الحرب بين الشمال والجنوب تعود في جذورها إلى سنوات الاستقلال الأولى ، وكانت تتوقف ثم تشتعل ، وأبرز رعاة الانفصال في تلك الفترة ،الاتحاد السوفيتي المتفكك ، والإمبراطور الأثيوبي منجيستو هيلا مريام ،  واللذان كان يقدما الدعم للحركة الشعبية ،  لكن هدوءاً  في الأوضاع سيطر على الفترة الزمنية من 72 ، حتى 1983 ، عقب توقيع اتفاقية أديس أبابا ، ثم أخذت الأمور منحىً متصاعداً مرة أخرى ، حتى توقيع اتفاقية نيفاشا .
وقد وقعت الحكومة السودانية على اتفاق نيفاشا للسلام في 9 يناير 2005 مع الجيش الشعبي لتحرير السودان، لوضع حد للحرب الأهلية السودانية الثانية 1983 – 2005 ، وتم الاتفاق على أن يكون هنالك استفتاء عام 2011 بخصوص الإبقاء على الاتحاد مع الشمال أو تكوين دولة مستقلة.
وبقيت على الدوام مشكلة إبيي ـ الغنية بالنفط ـ إلى الجنوب من الخرطوم بـ 900 كيلو متر ، مصدراً للتصعيد ، بسبب الخلاف على تبعيتها بين قبيلتي الدنكا ، والمسيرية ، بينما محكمة لاهاي بـ 80 % من مساحتها للشماليين ، و20 % للجنوبيين .

الوضع السياسي في السودان جد متداخل :

هناك رئيس جمهورية يحكم الشمال فقط ، ولا سيطرة له ـ تذكر ـ على الجنوب ، وحاكم يحكم الجنوب ، ويتولى في الوقت نفسه ، منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية على مستوى الدولة .
بالنسبة  للأحزاب ، هناك أكثر من 56 حزباً ، معظمها أحزاب كارتونية ضعيفة ، الحزب الحاكم ـ المؤتمر الوطني ـ وأحزاب المعارضة الشمالية لا تستطيع التحرك في الجنوب ، بينما حزب الحركة الشعبية يحكم الجنوب حكماً مطلقاً ، بشكل ديكتاتوري مستبد بجيش غير نظامي وأجهزة مخابرات ، لا تعطي أي مساحة للأحزاب الجنوبية ، كما أن ـ حزب الحركة الشعبية ـ يستطيع التحرك بحرية في الشمال .
عدد سكان الجنوب 4 ملايين شخص ، منهم ، مليون في الشمال .

أهم الأحزاب في السودان :

 المؤتمر الوطني ، والأمه الذي يعود للطرق الصوفية ، والحزب الاتحادي ( محمد عثمان الميرغني والذي تأثر بالطريقة الختمية ) ،والجبهة الإسلامية ( الترابي) .
والأحزاب في مجملها صوفي وديني وشعبي ، وخليط ، ويساري وقومي وناصري وعلماني .
حزب المؤتمر الوطني ، يحتفظ بنصيب ثابت في السلطة وعلى الأرض ، ويترك الفتات لأحزاب المعارضة تتنازع عليها ، حتى يحافظ على مشروعه في الشمال ، وبديله ـ رغم افتقاده لمساحة من النزاهة ـ تيارات يسارية علمانية لا دينية .
النزاع بين عدد من أحزاب المعارضة والحزب الحاكم جعل بعضها يدعم الانفصاليين ، حتى ان الترابي حضر مؤتمر جوبا الداعي إلى تكريس الانفصال .
بينما يوجد في الجنوب الحركة الشعبية ( الحاكمة ) وأحزاب أخرى كارتونية مفتتة ..

 الوضع الحالي أفضل للجنوبيين :

• الحركة الشعبية تحكم الجنوب كاملاً ـ منطقة مغلقة ـ بنسبة كاملة ، وتتحرك ـ أيضاً ـ بحرية في الشمال ، ورئيسها هو النائب الأول لرئيس الجمهورية (40% من السلطة في كل السودان ) ، والانفصال يعني أن يحكم الجنوب فقط .
• مليون جنوبي سيعودون من الشمال إلى الجنوب ، سيمثلون معاناة شديدة على اقتصاد الجنوب المتدهور في الأساس ، خاصة مع شيوع الفساد بدرجة كبيرة .
• عدد السكان قليل  4مليون في أفضل الاوضاع في 25 % من مساحة السودان الكبيرة ، لا يملكون مقومات دولة فى الأساس .
•  الجيش الشعبي غير النظامي ( حرب عصابات ) يحكم الجنوب ، لا توجد قوات شرطة داخلية لحفظ الامن .
•  سكان الجنوب يتوزعون على أكثر من 500 قبيلة مختلفة الأديان والأعراق ، لا يوجد بينها توافق ، تمثل بركاناً ثائراً في لحظة ما يصعب السيطرة عليه ( احتمالية حدوث حرب أهلية أقرب من احتمالية الانفصال) !! .
• المسلمون في الجنوب لا يمثلون أدنى مشكلات ، هم ضعاف ويعيشون في ذوبان شبه كامل مع التقاليد والأعراف الموجودة .

حسابات الشمال :

نسبة لا بأس بها من الشماليين يؤيدون انفصال الجنوب ، فهو عبئ ، سياسي واقتصادي وأخلاقي واجتماعي ، حيث أن الجنوبيين ينشرون الفوضى والفساد الأخلاقي والمرض والفاحشة ( نسبة الإصابة بالإيدز في الجنوب واحدة من أكبر المعدلات الإصابة بالمرض في العالم ) .
أما غالبية أحزاب المعارضة ـ فربما ـ لا تشغلها مسألة الوحدة أو الانفصال بقدر ما يشغلها اسقاط حزب المؤتمر الوطني وإزاحته من سدة الحكم في السودان، الأمر الذي يجعل بعضها يتحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان .
 ورغم ذلك هناك بعض الأحزاب التي ترفض فكرة التقسيم، وترى أن نشر قوات أممية عازلة بين الشمال والجنوب، يمثل تمهيداً لمشروع مبكر لتقسيم السودان . ليس هذا فحسب، بل وتطالب بأن  يمنح بترول الجنوب للجنوب ويتم تناوب الرئاسة بين الشمال والجنوب، وأن يكون الجيش الشعبي جسماً أصيلاً في القوات المسلحة توكل إليه إدارة الأوضاع الأمنية في الجنوب من أجل تفادي شبح التقسيم.

الجنوب : بين الوحدة والانفصال

لم يبق على استفتاء الجنوب السوداني للانفصال عن الشمال سوى أيام قليلة .
 ولا يعرف حينها ما إذا كان سيصوت أهل الجنوب لصالح الوحدة، أم سيفضلون الانفصال وتكوين دولة خاصه بهم ، بما يمثله ذلك من أضرار علي مستقبل السودان، وعلى الأمن القومي المصري والعربي ، خاصة مع التغلغل الواضح للكيان الصهيوني والولايات المتحدة في جنوب السودان .
 وقد بدأت إرهاصات عملية تقسيم السودان منذ فترة طويلة، تحديداً مع بدء الحرب الأهلية في جنوب السودان ، وقيام الغرب بتوفير الدعم والتدريب لجون جارانج وجنوده، ومده بما يحتاج إليه من أسلحة ومعدات.
وبالفعل نجح جارانج في تكبيد الحكومة السودانية في الشمال خسائر فادحة، الأمر الذي انتهى بتوقيع اتفاق مصالحة يقضى بإعطاء أهل الجنوب فترة انتقالية مدتها ست سنوات يقرر بعدها ما إذا كان سينفصل عن الشمال أم سيبقى علي وحدة البلاد كما هي .
وبالتالي أصبحت السودان في دائرة المخطط التفتيتي، واتفاق ابوجا ومن قبله اتفاق نيفاشا.

سياسات خارجية متباينة :

على عكس غالبية دول العالم، تعد السياسة الخارجية السودانية غير موحدة، بالرغم من وجود حكومة سودانية واحدة تمثل الشعب السوداني بكافة فئاته وطوائفه، إلا أن الواضح أن الرئيس السوداني وحزب المؤتمر الوطني الحاكم له سياسة خارجية خاصة فيما يتعلق بمسألة الوحدة والانفصال مختلفة تماماً عن سياسة نائب الرئيس سلفا كير ميرديت  رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، إذ في الوقت الذي يتحرك فيه الرئيس السوداني على المستوى العربي والإفريقي داعياً الدول العربية والإفريقية لدعم خيار الوحدة، باعتبار أنه الخيار الوحيد الذي يحقق مصلحة الجميع، ويحول بين الغرب وبين تنفيذ مخططاتهم الاستعمارية الهادفة لتقسيم المنطقة، وضمان الحفاظ على الأمن القومي للعديد من الدول العربية وعلى رأسها مصر، نجد أن الحركة الشعبية لتحرير السودان تتحرك على المستوى الخارجي عن طريق نائب رئيس الجمهورية سلفا كير، وتروج لخيار الانفصال، باعتبار أنه الخيار الذي يمثل مصلحة الجنوب، مدعومة في ذلك بالعديد من الدول خاصة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فالرئيس أوباما صرح أن السودان تمثل أولوية كبيرة في السياسة الخارجية الأمريكية، مطالباً الحكومة السودانية بالموافقة علي وجود مراقبين دوليين على الحدود بين الشمال والجنوب، والعمل على إجراء الاستفتاء في موعده، واحترام خيار الشعب السوداني في الجنوب، وذلك مقابل فك الحصار المفروض علي السودان، ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية والمصدرة للإرهاب، وتسوية القضية المتهم فيها الرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب مع محكمة الجنايات الدولية.

حلول مقترحة

إن تجاوز شبح الانقسام الماثل يتطلب تضافر الجهود من اجل إقناع الشعب السوداني في الجنوب بمخاطر التقسيم، وانعكاساته السلبية على مستقبلهم، وذلك ما لن يحدث إلا من خلال تحقيق ما يلي :
أولاً : إطالة أمد الفترة الانتقالية إلى 15 عام لتنتهي في عام 2020، وذلك من أجل العمل على إزالة رواسب عدم الثقة بين الشمال والجنوب وإفساح المجال للتعايش السلمي بين كافة أبنائه وتحقيق الطفرة الاقتصادية والنهضة العمرانية في جنوب السودان ، وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين في الإقليم . 
وسيساعد الاستقرار السياسي والتطور الاقتصادي في الجنوب في خفوت صوت دعاة الانفصال وإضعاف حجتهم بعد ظهور النتائج الايجابية لبقاء جنوب السودان في إطار الكيان السوداني الموحد التي تتجسد في استدامة السلام وتحقق الاستقرار السياسي والنهضة الاقتصادية والعمرانية.
ثانياً: نبذ الخلافات البينية ما بين الحكومة السودانية وأحزاب المعارضة، والعمل سوياً من أجل جعل خيار الوحدة خياراً جاذباً لكافة الفئات والأطياف السودانية الجنوبية، وذلك من خلال بيان مكاسب الوحدة وخسائر الانفصال.
ثالثاً: تكاتف الجهود الإعلامية الحكومية السودانية والعربية من أجل فضح المخططات الغربية الخاصة بتقسيم وتفتيت السودان، وبيان أن الهدف من وراء ذلك ليس مصلحة السودان، بقدر ما هو تحقيق مصالح وأهداف تلك الدول.
ثالثاً: الضغط علي حكومة جنوب السودان بقيادة سيلفا كير من أجل التخلي عن خيار الانفصال، ومساعدتها في مواجهة التحديات المفروضة عليها من الخارج، باعتبار أن ما يحدث يمثل ضرراً بالغاً للشمال والجنوب علي حد سواء.
رابعاً: تكاتف جهود الدول العربية والإسلامية من أجل الحيلولة بين الغرب وبين تنفيذ مخططات التقسيم الخاصة بالمنطقة، والضغط عليه من أجل الكف عن التدخل في الشؤون السودانية الداخلية، وترك مسألة الوحدة والانفصال للخيار الحر للشعب السوداني دون ضغط أو تدخل من أحد.
خامساًً : العمل على كسر احتكار الحركة الشعبية للجنوب السوداني، والمطالبة بعقد المؤتمرات والندوات مع أهل الجنوب، لتعريفهم بأهمية العلاقات المشتركة التي تجمع شمال وجنوب السودان.
سادساً : مطالبة المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن بتحمل مسؤولياتهم في هذا الشأن، وعدم التدخل لصالح طرف على حساب آخر، وجعل وحدة السودان ذات أولوية في تحركهم تجاه السودان.
سابعاً : الانتهاء من حل المشاكل العالقة بين الشمال والجنوب خاصة مسألة ترسيم الحدود قبل إجراء الاستفتاء حتى لا يكون ذلك سبباً في تجدد الصراعات بين عنصري الأمة في المستقبل.
أخيراً العمل على زيادة وعي الشعوب العربية بمخاطر تقسيم السودان، ودفعها لمساعدة الحكومة السودانية والحكومات العربية في مواجهة شبح التقسيم من خلال التصدي للمخططات الصهيو أمريكية التي تستهدف المنطقة بأكملها وليس فقط السودان أو العراق، وذلك من أجل أن تبقى للغرب الهيمنة في المنطقة بأكملها.

كلمة أخيرة :
إذا كان السودان بلد المآسي ، فالذي لا ندركه : أن مستقبل مصر والعرب الحقيقي يكمن في أرضه .

(يتبع)