09/06/2010م

نافذة مصر/ محيط :

رغم أن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون استبقت قرار مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات جديدة على إيران بالتأكيد أنها ستكون الأشد من نوعها ، إلا أن آراء المحللين تكاد تجمع أن طهران ستتجاوز الصدمة سريعا عبر تكثيف سياسة الاكتفاء الذاتي واللجوء إلى ما يعرف بالتجارة الالتفافية والسوق السوداء أو ما يطلق عليه "خطة الثعلب" للحصول على احتياجاتها من متطلبات تحديث قدراتها العسكرية والتكنولوجية .

ففي 9 يونيو / حزيران ، كشفت صحيفة "التايمز" البريطانية أن إيران تمارس "حيلا خداعية" لحماية تجارتها الدولية وهو ما يقلل من تأثير العقوبات الدولية الجديدة .

وأضافت الصحيفة أن الشركة الإيرانية للملاحة التجارية التي لها ارتباطات بالحرس الثوري الإيراني ومذكورة بالاسم في لائحة العقوبات الجديدة تعتزم تغيير أسماء سفنها من أسماء فارسية إلى أسماء إنجليزية ، موضحة أن وزارة الخزانة الأمريكية اعترفت بأنها لم تتمكن من ضبط هذه العمليات وهو ما يطرح برأي الصحيفة مخاوف من أن تكون العقوبات الجديدة أقل فاعلية مما يتصور.

وبجانب ما ذكرته "التايمز" ، فإن اعتراض تركيا والبرازيل على العقوبات الجديدة التي أقرها مجلس الأمن في 9 مايو هو أمر يضعف تلك العقوبات من الناحية المعنوية ، بل إن كثيرين يرجحون أن تنجح إيران في الالتفاف عليها والتقليل من آثارها عبر مساعدة تركيا التي اتخذت في الفترة الأخيرة مواقف منددة بالمعايير المزدوجة التي تركز على ملف إيران النووي وتتجاهل ترسانة إسرائيل النووية .

ويبدو أن مغزى الإسراع بفرض العقوبات يدعم فرص إيران في امتصاص صدمتها سريعا ، فمعروف أنه ما أن أعلن عن توقيع اتفاق تبادل اليورانيوم بين تركيا والبرازيل وإيران في طهران في منتصف مايو الماضي ، إلا وسارعت واشنطن والقوى الكبرى لتقديم مشروع قرار في مجلس الأمن حول العقوبات الجديدة وبالنظر إلى أن روسيا والصين وافقتا على مشروع القرار ، فقد فسرته تركيا والبرازيل ودول العالم النامي قاطبة على أنه رسالة بأن الدول الكبرى لن تسمح للدول النامية الصاعدة بأن يكون لها دور في حل القضايا العالمية والتأثير بالتالي على هيبة واشنطن وموسكو وبكين .

وفي ضوء ما سبق ، فقد اعتبرت تركيا والبرازيل العقوبات الجديدة رسالة موجهة إليهما مثلما هي موجهة لإيران وهو أمر ستستغله إيران بالتأكيد ، فهناك توقعات بأن تقوم البرازيل التي قدمت نفسها مؤخرا بديلا للدبلوماسية الغربية باعتبارها أحد زعماء العالم النامي بتعزيز علاقاتها القوية مع إيران على الصعيدين الاقتصادي والتجاري وهو ما ستفعله تركيا أيضا ، خاصة بعد تضرر علاقاتها بإسرائيل وتوتر علاقاتها مع واشنطن على خلفية موضوع "مذابح الأرمن" وعدم إدانة إسرائيل في مجزرة أسطول الحرية ، وأخيرا ، عدم التعامل بجدية مع اتفاق تبادل اليورانيوم .

بل وهناك من يرجح أن إيران سعت للتقارب مع تركيا والبرازيل مبكرا لكسب التعاطف الدولي وتخفيف آثار العقوبات بعد أن أخطأت في حساباتها بالاعتماد على حليفيها الصين وروسيا .

وكانت وسائل إعلام أمريكية كشفت مؤخرا أن إدارة الرئيس باراك أوباما قدمت تنازلات جوهرية لروسيا والصين مقابل ضمان موافقتهما على فرض حزمة جديدة من العقوبات الدولية على إيران بسبب برنامجها النووي.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في هذا الصدد أن إدارة أوباما قدمت لموسكو تنازلين مهمين ، أولهما هو إنهاء العقوبات الأمريكية على وكالة حكومية روسية لتصدير الأسلحة وثلاث جهات روسية أخرى وجد في السابق أنها نقلت تكنولوجيا حساسة أو أسلحة إلى إيران.

أما بالنسبة للتنازل الثاني ، فقد وافقت الإدارة الأمريكية على عدم فرض حظر على صفقة روسية لبيع أنظمة صواريخ مضادة للطائرات إلى إيران.

وأضافت الصحيفة أنه بينما تحظر العقوبات الجديدة بيع العديد من الأسلحة لإيران ، إلا أن هذا لن يمنع موسكو من إتمام صفقة بيع صواريخ "اس-300 " المضادة للطائرات لطهران وهي صفقة اختلقت روسيا ذرائع عدة لتأجيلها تحت ضغط أمريكي قوي ولكنها لم تلغها ، وقد يساعد هذا النظام الدفاعي المتطور إيران على صد الطائرات الأمريكية والإسرائيلية عند أي محاولة لتدمير منشآتها النووية.

ووفقا لـ " نيويورك تايمز " إن التنازلات السابقة تعد أحدث تحرك ضمن جهود أوباما لتأسيس علاقة شراكة جديدة مع روسيا بعد سنوات من الشكوك المتبادلة ، ففي إبريل الماضي ، وقعت روسيا وأمريكا معاهدة جديدة لنزع الأسلحة النووية وأحيا أوباما في مايو الماضي اتفاقا للتعاون النووي المدني كان قد جمد بعد الحرب الروسية مع جورجيا هذا بالاضافة إلى قرار أوباما العام الماضي إعادة هيكلة نظام الدرع الصاروخية في أوروبا.

وينتقد نواب أمريكيون وخبراء في الأمن القومي تلك التنازلات ويقولون إن إدارة أوباما أعطت أكثر بكثير مما حصلت عليه في المقابل ، وقام فريق من الحزبين الديمقراطي والجمهوري مؤخرا بإطلاق حملة قانونية لمنع قرار الإدارة إحياء الاتفاق النووي المدني مع روسيا.

وبالنسبة للصين التي كانت تعتبر المعارض الرئيس الثاني لفرض عقوبات دولية جديدة على إيران ، فإن مجلة "التايم" الأمريكية ألقت الضوء على بعض التنازلات التي تقول إن إدارة أوباما قدمتها لها في سبيل ضمان دعمها ، قائلة :" قياسا على ردود بكين السابقة وتجاوبا مع الاتفاق التركي البرازيلي الإيراني , كان متوقعا أن يطالب الصينيون بإرجاء مناقشة فرض العقوبات إلى ما بعد تقييم آلية بناء الثقة ، وبدلا من ذلك ، أيدت الصين الولايات المتحدة ، فماذا تغير؟ ".

وأضافت " الصينيون يدعون في تعليقاتهم أنهم انتزعوا ثمنا غاليا نظير دعمهم للولايات المتحدة ، فنجاح بكين في رأي المحللين الصينيين لم يقتصر على تخفيف العقوبات الجديدة بحيث لا تحول دون توسيع الصين علاقتها الاقتصادية مع إيران بل تعداه ليشمل انتزاع حكومتها تعهدات من واشنطن بإعفاء الشركات الصينية من أي عقوبات أحادية أمريكية على شركاء طهران التجاريين ممن ينتمون إلى دول أخرى ".

وتابعت "التايم" قائلة :" إن الصين حصلت على موافقة أمريكية بأن مصالحها الهامة في قطاعات الطاقة والتجارة والمال الإيرانية ستكون مصانة في حال فرض أي عقوبات جديدة تتبناها الولايات المتحدة بعد أن أجلت إحدى لجان الكونجرس الأمريكي لمدة شهر المصادقة على حزمة من العقوبات من جانب واحد".

ورغم أن ما سبق يبرر تراجع روسيا والصين عن دعم إيران ، بجانب غضب روسيا من رفض إيران اقتراح تخصيب اليورانيوم على أراضيها والذي كان سيعود على الاقتصاد الروسي بفوائد كبيرة ، إلا أن هناك كثيرين يرجحون أن تلعب موسكو في نهاية المطاف ومن أجل الحفاظ على مصالحها التجارية الواسعة مع إيران دورا في تخفيف حدة العقوبات الجديدة ، وهو الأمر الأرجح الذي ستتبعه الصين أيضا ، خاصة وأن إيران تؤمن جزءا مهما من النفط الذي تستهلكه الصين حيث تعتبر طهران ثالث أكبر مورد للنفط الخام للصين ، كما أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر لإيران ، بالإضافة إلى التعاون العسكري بين البلدين في مجال تصنيع الصواريخ .

وتبقى هناك عدة حقائق من أبرزها أن مجلس الأمن سبق وأقر في ديسمبر2006 ومارس 2007 ومارس2008 عقوبات ضد إيران ، ورغم ذلك فإن هذا لم يمنعها من الإعلان بين الفينة والأخرى عن إنجازات عسكرية ونووية وتكنولوجية ، بل إن مثل تلك العقوبات تزيد من عناد إيران خاصة وأن العقوبات الجديدة جاءت بعد أيام قليلة مما ذكرته صحيفة "الجارديان" حول عرض إسرائيل تزويد النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا بأسلحة نووية ، وهو ما يؤكد المعايير المزودجة التي يتبعها الغرب ، ففي حين يعاقب إيران على النوايا يمتنع عن إدانة إسرائيل التي تمتلك بالفعل أسلحة نووية وتنتهك القانون الدولي ليل نهار وهذا ما تأكد في مجزرة أسطول الحرية 
   
وفي ضوء ما سبق ، لم يكن مستغربا أن يسخر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد من العقوبات الجديدة ، قائلا :" إنها تستحق الرمي في سلة المهملات "، وفي السياق ذاته ، أعلن السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية علي أصغر سلطانية أن بلاده لن توقف عمليات تخصيب اليورانيوم رغم الحزمة الجديدة من العقوبات .

وكان مجلس الأمن أقر يوم الأربعاء الموافق 9 يونيو حزمة جديدة من العقوبات على إيران للمرة الرابعة منذ 2006 في محاولة لدفعها إلى تعليق نشاطاتها النووية الحساسة.

واعتمد مجلس الأمن مشروع القرار 1929 الذي تقدمت به الولايات المتحدة في 18 مايو / أيار بأغلبية 12 صوتا مقابل صوتين وامتناع صوت واحد ، حيث صوتت تركيا والبرازيل ضد القرار ، في حين امتنع لبنان عن التصويت.
ويوسع القرار الجديد مجال العقوبات التي سبق وأن أقرها مجلس الأمن في ديسمبر 2006 ومارس 2007 ومارس 2008.

ويتضمن القرار الجديد منع إيران من الاستثمار في الخارج في بعض النشاطات الحساسة مثل مناجم اليورانيوم ، كما يتيح تفتيش السفن الايرانية في عرض البحر ولم يكن يسمح حتى الآن بهذا التفتيش إلا في المرافيء ، كما يمنع القرار الجديد بيع إيران ثمانية أنواع من الأسلحة الثقيلة هي دبابات قتالية وآليات قتالية مدرعة وانظمة مدفعية متطورة وطائرات قتالية ومروحيات وسفن حربية وصواريخ او انظمة صواريخ.

ويدعو القرار أيضا كل الدول الاعضاء الى تفتيش كل الشحنات التي تدخل وتخرج من ايران على اراضيها بما يشمل الموانىء والمطارات حين يكون لديها شكوك بانها قد تكون تحمل مواد محظورة.

ويشمل أيضا فرض حظر السفر على عدد من المسئولين الايرانيين وتجميد اصولهم في الخارج ووقف التعامل مع عدد من الجهات والشركات الايرانية.

وبالنظر إلى أن واشنطن وصفت العقوبات السابقة بأنها الأشد والأقسى من نوعها ، فقد أكد كثيرون أنه لم يعد هناك من خيار أمام الغرب بعد الآن سوى العمل العسكري أو الدخول في مفاوضات جادة لحل أزمة الملف النووي الإيراني بالتزامن مع إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وكسر حاجز الصمت المخزي تجاه "نووي" إسرائيل .