بسم الله الرحمن الرحيم
تكتسب النظم والحكومات فى الدول المتقدمة مشروعيتها من احترامها للإرادة الحرة لشعوبها، والتزامها بالدستور والقانون المعبر عن هذه الإرادة، فضلا عن التزامها الكامل بتنفيذها أحكام القضاء إلا أن نظامنا هنا فى مصر ضرب المثل فى عدم احترامه لهذه الأصول الثلاثة .
إذ بينما ينص الدستور فى مادته رقم (64) على أن: ( سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة) وفى مادته رقم (65) على: ( تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات) نجد الانتهاك اليومى للقانون والدستور، لا سيما مع المختلفين سياسياً مع النظام الحاكم، وأحدث مثال هو ما حدث أول أمس مع اثنى عشر رجلاً من رجالنا من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمهندسين والأطباء والشخصيات العامة، من إعادة اعتقالهم وإيداعهم فى السجن مرة ثالثة، فقد حدث أن تم القبض عليهم من منازلهم فجر يوم 14 مايو الماضى وقررت نيابة أمن الدولة حبسهم 15 يوماً لثلاث مرات متتالية، وعندما استأنفت هيئة الدفاع عنهم ضد قرار حبسهم، حكمت محكمة الجنايات بالإفراج عنهم فى 28 يونيو، إلا أن وزارة الداخلية أصدرت قراراً باعتقالهم وفقاً لقانون الطوارئ المفروض على الشعب منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، والفاقد لمبررات وجوده، والذى تعهد المسئولون الحكوميون بألا يستخدم إلا فى حالات الإرهاب أو الاتجار فى المخدرات فقط وهما منتفيان فى حالتنا، وبعد شهر تظلم المعتقلون من هذا القرار فأصدرت محكمة الجنايات حكماً ثانياً بالإفراج عنهم، واعترضت وزارة الداخلية، وبعد ما يقرب من شهر آخر نظرت محكمة الجنايات اعتراض الداخلية وأصدرت حكماً ثالثاً بالإفراج عنهم، فتم ترحيلهم إلى مقار مباحث أمن الدولة حيث احتجزوا لمدة ستة أيام دون وجه حق وبالمخالفة الصارخة للقانون، ثم أعيدوا إلى السجن مرة أخرى بعد إصدار قرار اعتقال جديد لهم يضرب عرض الحائط بأحكام القضاء ونصوص القانون والدستور، الأمر الذى يمثل اعتداء سافراً على الشرعية ويفقد النظام الشرعية القانونية والدستورية، إضافة إلى فقدانه للشرعية الشعبية بتزويره الدائم للانتخابات على كل المستويات.
وليست هذه هى الحالة الوحيدة لانتهاك القانون، بل إن لدينا عدة آلاف حكم قضائى إبان الترشيح لانتخابات المجالس المحلية بتمكين أصحاب هذه الأحكام من تقديم أوراق ترشيحهم لتلك الانتخابات لم ينفذ منها حكم واحد.
إضافة إلى حصول سبعة عشر رجلاً من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمهندسين والأطباء والمحاسبين ورجال الأعمال المحكوم عليهم بالحبس ثلاث سنوات أمام المحكمة العسكرية الأخيرة على حكم بإطلاق سراحهم بانقضاء ثلاثة أرباع المدة من محكمة القضاء الإدارى، ورغم أن الحكم واجب النفاذ بمسودته لا يوقف تنفيذه استشكال أو طعن أمام الإدارية العليا إلا أنه لم ينفذ حتى الآن رغم مرور عدة أشهر، والأدهى أن هيئة قضايا الحكومة وبها مستشارون ومحامون كبار هبوا ليستشكلوا فى الحكم أمام محكمة عابدين وهى غير مختصة بالنظر فى هذا الموضوع وكأنهم جهلة بالقانون، وهم يفعلون ذلك لاستهلاك الوقت فى نظر الدعوى بعد تأجيلها عدة مرات والحكم معروف سلفا فالمحكمة سوف تعتذر عن الحكم فى الاستشكال بعدم الاختصاص وبذلك تكون قد مرت عدة شهور أخرى، وهذا أسلوب ظالم فى اللدد فى الخصومة وعدم احترام القانون .
إضافة إلى المئات وأحيانا الآلاف الذين تمتلئ بهم السجون ظلما وعدوانا ودون مراعاة لشهر الصيام أو الأعياد أو الآثار النفسية السيئة على النساء والأهالى والأطفال وعلى إحساس الناس بالأمان وعلى الولاء للوطن وعلى المصلحة العليا له، بل إن بعض هؤلاء المسجونين تكرر سجنهم أكثر من عشر مرات بنفس التهم الباطلة .
من الذى يفعل ذلك ؟ ولمصلحة من ؟
ورغم أن الدستور ينص فى مادته رقم (72) على: (تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب، ويكون الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون، وللمحكوم له فى هذه الحالة حق رفع الدعوى الجنائية مباشرة إلى المحكمة المختصة) إلا أن النظام يحمى هؤلاء الموظفين ويمنع أى حكم يصدر ضدهم فهم فوق القانون ومن ثمّ كان إهدارهم له واحتقارهم لأحكامه .
ونحن الإخوان المسلمين
نريد بهذا البيان أن يعلم القاصى والدانى من أهلنا ما أكدناه مرارًا حقيقة النظام وعدم احترامه للدستور والقانون وظلمه وعدوانه علينا ومدى اضطهاده لنا، ونذكر الجميع بالسنة الإلهية التى لا تتخلف (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ...."
كما أننا نتوجه إلى الله أن يكشف عنا الغمة وعن المسلمين وأن يرفع الظلم ويقمع الظالمين (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) .
إن الإخوان المسلمين
لن يزيدهم هذا إلى صمودا وثباتا وإصرارا على المضى قدما فى ملاحقة الفساد والتصدى للاستبداد، عاملين على نهضة مجتمعهم، راجين الخير لأمتهم، مهما كلفهم ذلك من تضحيات وسيستمرون فى دعوتهم إلى أن يفتح الله بينهم وبين قومهم بالحق وهو خير الفاتحين، واثقين أنه لا يصح فى النهاية إلا الصحيح ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ )( رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)
( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)
الإخوان المسلمون
القاهرة فى
18من رمضان 1430هـ
8من سبتمبر 2009م

