11/08/2009
ليس من الضروري أن تكون صاحب موهبة، ولا أنك رجل مبدع. كل هذا لا يهم. المهم هو أن تكون لك علاقات عديدة.. وأن تكون صفيقًا لا تخجل. وأن تكون دموعك قريبة.. ورأسك أقرب إلى أي حذاء"، بهذه العبارات التي تقطر سخرية، لخص الكاتب أنيس منصور – عضو المجلس الأعلى للثقافة- أهم السمات التي تحكم اختيارات الفائزين بجوائز الدولة التقديرية، حيث تنعدم المعايير وتنهار القواعد الموضوعية داخل المجلس الأعلى للثقافة في اختيار وتكريم المبدعين في مصر.
العبارات السابقة التي وردت في الزاوية اليومية للكاتب الكبير في عدد "الأهرام" الصادر بتاريخ 11/7/ 1991 تعد وثيقة دامغة تكشف عن الفساد الذي يضرب بجذوره في أعماق المجلس الأعلى للثقافة، ويظهر للرأي العام كيف تدار الأمور بالمجلس الذي يرأسه وزير الثقافة ويضم في عضويته نخبة من المثقفين المصريين، حيث تسود المجاملات في اختيارات الفائزين بجوائزه، أو ما يسميها الكاتب بالنص قاعدة: "لا قانون فالعلاقة الشخصية هي القانون".
وفي المقال الذي تنشر "المصريون" نصه ، يكشف أنيس منصور عن تفاصيل حوارات دارت بينه وبين أعضاء آخرين بالمجلس الأعلى للثقافة- دون أن يحددهم بالاسم- على هامش اختيار الفائزين، حيث يروي أنه تحدث إلى أحد زملائه الأعضاء بالمجلس حول ما إذا كان سيصوت لصالح مرشح يصفه بـ "النصاب ذي الألف وجه ومليون قبلة"، فيجيبه زميله بأنه لا حيلة له، بعد أن "جاء إلى الست وباس القدم.. والحذاء الذي بجوار القدم.. وبكى".
في حين أن عضوًا آخر بالمجلس- وفق ما ينقل أنيس منصور في مقاله– أبلغه خلال حديثه معه كيف أن هذا المرشح "كان يطاردني في البيت.. وفي المكتب.. وفي المصعد.. كلم زوجتي.. سافر إلى أهلها وقدم لهم رشتات المخ والقلب والشرايين، وإنه إذا لم يفز بجائزة الدولة التقديرية يموت.. لقد جعلني أشعر بأنني الذي أقتله.. وقال لي أيضا: لن يعطني أحد صوتا.. فهم يكرهونني.. وأنا لا أطمع في الجائزة ولن أفوز بها.. ولكن أريد أن يعترف بي ولو صوت واحد وأموت راضيًا".
بينما يقول عضو ثالث إنه سيمنح صوته لصالح هذا المرشح، لأنه "أنقذ ابنتي من تحت عجلات الأتوبيس.. فقد كان الأتوبيس قريبا من مبنى التلفزيون.. وفجأة جرت ابنتي تلحق بأمها.. بينما كان هو متجها إلى التلفزيون فأمسكها من يدها وحملها على صدره.. وذهب بها إلى أمها.. وقدم لها نفسه.. وعرف من أنا.. وفي اليوم التالي اتصل بي يطمئن على سلامة ابنتي.. وظل ساكتا عاما كاملا.. ثم فاجأني بالزيارة –أي بالثمن- قبل انعقاد المجلس الأعلى للثقافة".
أما العضو الرابع والذي يشير إليه أنيس منصور بأنه "أحد الأصدقاء"، فيقوله إنه توجه إليه إليه، قائلاً: "لقد تراهنا على أنك لن تعطي صوتك لهذا الكذاب الهجاص المهياص.. فأجاب: إنه جاري الذي لا يكل ولا يمل ولا يخجل"!.
يذكر أن المجلس الأعلى للثقافة يضم 60 عضوا على رأسهم وزير الثقافة، وهو الجهة الذي تقوم باختيار الفائزين لجوائز الدولة، بموجب القانون رقم 37 لسنة 1958 الخاص بإنشاء جوائز الدولة، والذي ينص في مادته الرابعة على أنه: "يشترط فيمن يمنح الجائزة التقديرية أن تكون له مؤلفات أو أعمال أو بحوث سبق نشرها أو عرضها أو تنفيذها وأن يكون لهذا الإنتاج قيمة علمية أو فنية ممتازة تظهر فيه دقة البحث والابتكار وأن يضيف إلى العلوم أو الفن شيئا جديدا ينفع الوطن خاصة والإنسانية عامة".
ويواجه المجلس انتقادات– كما هو حاصل حاليًا في إطار الاحتجاجات على منح سيد القمني جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية- بسبب الأسلوب الذي تدار به عملية اختيار الفائزين والدور الذي يلعب الوزير في ترجيح كفة مرشحين بعينهم، مستغلاً أن هناك 29 من أعضاء المجلس يمثلون وزارات وهيئات حكومية بالدولة، يملك التأثير عليهم وتوجيه أصواتهم لصالح المرشح المفضل له.
النص الحرفي الكامل للمقال :
مواقف
سألت جاري: هل تعطي صوتك لهذا النصاب ذي الألف وجه ومليون قبلة؟
فقال جاري: لا حيلة لي. لقد جاء إلى الست وباس القدم.. والحذاء الذي بجوار القدم.. وبكى. رجل يبكي؟! وأنت؟
أبدا لن أعطيه صوتي.
وكنا نعطي أصواتنا للمرشحين لجوائز الدولة التقديرية.
وسألت جاري في الناحية الأخرى: وأنت سوف تعطيه صوتك؟
قال كان يطاردني في البيت.. وفي المكتب.. وفي المصعد.. كلم زوجتي.. سافر إلى أهلها وقدم لهم رشتات المخ والقلب والشرايين، وإنه إذا لم يفز بجائزة الدولة التقديرية يموت.. لقد جعلني أشعر بأنني الذي أقتله.. وقال لي أيضا: لن يعطني أحد صوتا.. فهم يكرهونني.. وأنا لا أطمع في الجائزة ولن أفوز بها.. ولكن أريد أن يعترف بي ولو صوت واحد وأموت راضيا.
وسألت ثالثا: أعطيت لفلان صوتك؟
فأجاب: وكيف لا أعطه.. إنه الذي أنقذ ابنتي من تحت عجلات الأتوبيس.. فقد كان الأتوبيس قريبا من مبنى التلفزيون.. وفجأة جرت ابنتي تلحق بأمها.. بينما كان هو متجها إلى التلفزيون فأمسكها من يدها وحملها على صدره.. وذهب بها إلى أمها.. وقدم لها نفسه.. وعرف من أنا.. وفي اليوم التالي اتصل بي يطمئن على سلامة ابنتي.. وظل ساكتا عاما كاملا.. ثم فاجأني بالزيارة –أي بالثمن- قبل انعقاد المجلس الأعلى للثقافةّ
وقلت لأحد الأصدقاء عضو المجلس الأعلى للثقافة: لقد تراهنا على أنك لن تعطي صوتك لهذا الكذاب الهجاص المهياص.. فأجاب: إنه جاري الذي لا يكل ولا يمل ولا يخجل!
وكما ترى فليس من الضروري أن تكون صاحب موهبة، ولا أنك رجل مبدع. كل هذا لا يهم. المهم هو أن تكون لك علاقات عديدة.. وان تكون صفيقا لا تخجل. وأن تكون دموعك قريبة.. ورأسك أقرب إلى أي حذاء.
والقاعدة هي: حيث لا قانون فالعلاقة الشخصية هي القانون.
الأهرام : 11/7/1991
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر / المصريون

