وكان عباس (منتهي الولاية) قد قال في مقابلةٍ له مع صحيفة "غازيتا" الروسية: "لقد دفع الفلسطينيون بسبب أسر الجندي "الإسرائيلي" غلعاد شاليط حتى الآن أربعةَ آلاف شهيد، وعلى الرغم من هذا الثمن الباهظ لا تزال حركة "حماس" ترفض إطلاق سراحه".
وتطالب حركة "حماس" مقابل إطلاق سراح شاليط الإفراج عن 1450 أسيرًا فلسطينيًّا؛ بينهم 450 من أصحاب الأحكام العالية، إضافةً إلى جميع الأسرى المرضى والأطفال والنساء.
ووفقًا لمراقبين فإن تصريحات عباس انطوت على جملة مغالطاتٍ سياسيةٍ وإساءاتٍ للنضال الفلسطيني.
فهو كما يتضح يرفض أولاً أسلوب أسْر الصهاينة بسبب كلفته التي يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني، حسب مزاعمه، علمًا أن عمليات اللجوء إلى اختطاف أسرى صهاينة من قِبل المقاومة تأتي كرد فعلٍ على اعتقال الاحتلالِ الفلسطينيين بسبب مقاومتهم السياسية أو المسلَّحة، وتعبِّر عن مدى حساسية قضية الأسرىوأهميتها لدى الاحتلال في الشارع الفلسطيني، وعن مدى الضغط الشعبي باتجاه تحريرهم، وعن كون قضية الأسرى قضيةً وطنيةً تحظى بالإجماع وتلتقي عليها كافة القوى الوطنية.
كما تشير في ذات الوقت إلى انسداد الأفق السياسي، وانعدام الخيارات السلمية والرسمية المتاحة لحل مشكلة الأسرى أو فشلها في وجه الإصرار الصهيوني على استخدام ورقة الأسرى في الضغط والابتزاز السياسي.
بارقة أمل
وقد أشار المتحدث باسم حركة "حماس" فوزي برهوم إلى ذلك معلقًا على تصريحات عباس: "ما لجأت "حماس" إلى أسْر الجندي غلعاد شاليط إلا بعد أن فشل الرهان على الدبلوماسية الفلسطينية والمفاوضات العبثية في إطلاق سراحهم، تلك الدبلوماسية التي ضرب الاحتلال بها عرض الحائط، وبالتالي تمسَّكنا بشروطنا لنؤكد حقنا في إطلاق سراح أسرانا".
إن عمليات خطف الصهاينة تمثل أملاً للأسرى، خصوصًا ذوو الأحكام العالية، وهي عادة ما تتم مقابل أعداد كبيرة، لذا لا غرابة أن تفكر فيها المقاومة، ويشكل ما سبق حافرًا قويًّا لها للمضي قدمًا في السعي إلى إنجاز عمليات مماثلة، وهو ما سعت إليه من خلال محاولتها أسر المزيد من الجنود الصهاينة أثناء الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة.
وتأكيدًا لهذا المعنى أوضح القيادي في حركة "حماس" والنائب في المجلس التشريعي الدكتور محمود الرمحي في مقابلةٍ مع قناة "الأقصى" الفضائية قبل عدة أيام: "إن هناك الكثير من الأسرى معتقلون لدى الاحتلال قبل اتفاقية "أوسلو" دون أن تستطيع هذه الاتفاقية أن تعالج قضيتهم، خصوصًا أصحاب المحكوميات العالية، وأضيف إليهم بعد ذلك حوالي 400 أسير بعد الاتفاقية"، منوِّهًا بأن "أصحاب المؤبدات والمحكوميات العالية، والذين منهم من قضى 30 عامًا في الأسر، لا يوجد لهم بعد الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يطلق سراحهم ضمن صفقة تبادل الأسرى مقابل الجندي الأسير غلعاد شاليط".
وإذا كانت عملية أسر شاليط مثلت تحولاً نوعيًّا في عمل المقاومة على المستويات العسكري والأمني الميداني؛ حيث تمثلت في نجاحها في اختطافه وإخراجه من ساحة المعركة حيًّا والاحتفاظ به حتى الآن، دون أن يتمكَّن الكيان الصهيوني من تحريره أو حتى الوصول إليه، رغم كل جهوده الاستخباراتية التي بذلها، وما يمتلكه من تقنياتٍ عاليةٍ في هذا المجال، فإن الأهم هو استثمار هذا العمل سياسيًّا، وهو ما يحتاج إلى صبرٍ وحنكةٍ في التعامل مع مناورات الاحتلال وابتزازاته ومماطلاته أثناء التفاوض معه؛ الأمر الذي تقوم به "حماس" وفصائل المقاومة التي اشتركت في أسر "شاليط"، بالإصرار على مطالبها للحصول على أكبر المكاسب.
ويتضح أن حديث عباس عن دفع الشعب الفلسطيني تكلفة باهظة مقابل "شاليط" يفتقر إلى أبسط قواعد فهم الدوافع السياسية والعسكرية والظروف المحيطة بعمل المقاومة وملابسات المفاوضات الجارية بشأن الجندي الصهيوني الأسير.
تشبث بالقائمة
من المفارقات أن نواب حركة "حماس" ووزراءها وقياديِّيها، الذين اعتقلوا بعد قيام "كتائب الشهيد عز الدين القسام" بأسْر" شاليط" منذ ثلاث سنوات، وبعض قيادات الفصائل الأخرى، طالبوا "حماس" بالتشبث بقائمتها التي رفض الاحتلال الإفراج عن 450 شخصًا واردة أسماؤهم بها، فيما يتحدَّث رئيس السلطة المنتهية ولايته في رام الله عنها، وهو ما اعتبره مراقبون "مزايدةً" للتغطية على فشله في إطلاق سراح الأسرى طيلة وجوده في السلطة، أو فشل مسار التسوية الذي يتزعمه في تحقيق إنجازاتٍ ملموسةٍ كإنجازات مفاوضات صفقات أسر الصهاينة.
فقد أكد الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات خلال زيارةٍ قامت بها محامية مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية "حريات" ابتسام عناتي إلى سجن "عسقلان"، يوم (5-4) ضرورة أن تكسر صفقة تبادل الأسرى مع الكيان الصهيوني معايير الاحتلال بإطلاق سراح الأسرى ذوي الأحكام العالية، مثمنًا الموقف التفاوضي للفصائل الآسرة للجندي الصهيوني" شاليط".
وعلى صعيدٍ متصلٍ، قال القيادي الأسير في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" رأفت ناصيف في تصريحٍ يوم (31-3): "نقبل أن نبقى في السجن مقابل الإصرار على الإفراج عن أولئك الذين أمضوا زهرات شبابهم في السجون وأصحاب الأحكام العالية".
وأضاف ناصيف: "لن نقبل أبدًا أن تكون حريتنا ثمنًا لحريتهم أو بديلاً عنها، مع تأكيدنا أن من حق جميع الأسرى أن يكونوا أحرارًا بين عائلاتهم وأُسَرهم".
وأوضح النائب والقيادي في حركة "حماس" الدكتور محمود الرمحي موقف نواب حركة "حماس" ووزرائها وبقية أسراها في سجون الاحتلال من هذه النقطة بشكلٍ لا لبس فيه بقوله: "أما نحن كمعتقلين نواب ووزراء وبقية الأسرى فرأينا في هذه القضية واضحٌ: لا بد من التشبث بأسماء الـ450 معتقلاً الذين وردت أسماؤهم في الصفقة؛ ليس لذاتهم وإنما لأنهم أصحاب أحكام عالية وأصحاب مؤبدات وأمضَوا فتراتٍ طويلةٍ في السجون، وأثبتت (كل تجارب التفاوض الخاصة بمسار التسوية) أنها عاجزةٌ عن إطلاق سراحهم؛ لذلك كان الرد واضحًا، وهو التشبث بالقائمة كما هي دون إبعادٍ، ونحن على استعدادٍ للصبر والصمود إلى أن يتم إطلاق سراح الجميع.. الأسرى يشدون على أيدي المفاوضين في الصفقة ويطالبونهم بأن يبقوا ملتزمين بمواقفهم".
استغلال وتضليل
ما صدر عن عباس "سيُستغل من قِبل الاحتلال لتبرير استمرار اعتقال الأسرى، وقد يضلل الرأي العام العالمي الذي تعاطف مع الشعب الفلسطيني ومقاومته ومع قضية الأسرى أيضًا"، كما جاء على لسان المتحدث باسم حركة "حماس" فوزي برهوم في استنكار الحركة تصريحات رئيس السلطة المنتهية ولايته بهذا الخصوص.
ومع قرب حلول يوم الأسير الفلسطيني الذي يوافق السابع عشر من نيسان (أبريل) فإن مراقبين لفتوا الأنظار إلى أنه كان حريًّا بعباس أن يطلق العنان للمقاومة لتقوم بإطلاق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال بعد عجزه عن أداء هذه المهمة، لا أن يطلق العنان للسانه من أجل إصدار تصريحاتٍ تصب في صالح الاحتلال، وتبرر له استمرار اعتقال المعتقلين الفلسطينيين لديه، وتنتقص من العمليات النوعية للمقاومة، وتشوِّه أداءها التفاوضي الرائع وصلابة موقفها لانتزاع أكبر المكاسب الوطنية لصالح الحركة الأسيرة.

