30/03/2009
تدفع مصر الرسمية بكل قوتها فاروق حسني مرشح العرب الوحيد لرئاسة اليونسكو، بعد انسحاب المغربية عزيزة بناني، وهو فنان ووزير مثير للجدل منذ توليه مهام وزارة الثقافة المصرية؛ فحسني أكثر وزراء مصر تعرضًا لريح الهجوم؛ لمشروعاته المثيرة، وأفكاره الاستثنائية مثل أن الحجاب "عودة للوراء"، ووصفه لـ (سنّة دخول الخلاء بالقدم اليسرى) بالخزعبلات، ومطالبته بإقرار الديانات الأرضية.
ويقول منتقدي حسني حسب ما ذكر إسلام أون لاين إنه يتخذ وسيلتين للوصول لليونسكو: إحداهما بمغازلة إسرائيل ليل نهار، بالرغم من إعلان مثقفي مصر رفض التطبيع الثقافي معها، والأخرى بمخالفته للثوابت المصرية فيما يخص رفضه للحجاب، ودعوته لإقرار الديانات الأرضية... إلخ؛ تقربا للغرب حتى يؤيدوا ترشحه.
ففي سبتمبر الماضي أعلنت مصر ترشيحها فاروق حسني لمنصب مدير عام منظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة "اليونسكو"، وفي نفس الشهر تم سؤال السفير الإسرائيلي في مصر "شالوم كوهين" عن رأيه في ترشيح فاروق حسني للمنصب فأجاب قائلا: "لو كان فاروق حسني يريد اليونسكو، ويريد الخروج من المحلية للعالمية فعليه أن يقف أمام نصب ضحايا الهولوكوست ويبكي بحرقة".
يومها قال فاروق حسني: إنه لم يدرك الأبعاد الدولية للمنصب، وإنه إذا خسر المنصب بسبب وقوف إسرائيل ضده فهذا شرف له، وبعدها بفترة بسيطة أجرى حوارا مطولا مع صحيفة إسرائيلية "يديعوت أحرونوت" قال فيه إنه مستعد للسفر إلى تل أبيب لو اقتضى الأمر لإقناع إسرائيل به، كما نفى التصريحات التي نشرتها وسائل الإعلام المصرية عن استعداده «لإحراق» كتب إسرائيلية، مشيرا إلى أن كلامه أمام البرلمان المصري قد تم تحريفه!.
تحول سريع
هذا التحول السريع تجاه إسرائيل أثار غضب معارضيه الذين شككوا في قدرته على الفوز برئاسة اليونسكو؛ إذ كثف من اتصالاته بإسرائيل اعتقادا بأنها الطريق السريع للوصول إلى رئاسة اليونسكو، بالرغم من أنها في الأصل منظمة دولية وليست يهودية، كما أن من تولوا رئاستها بدءا من مديرها العام الأول الإنجليزي "جوليان هكسلي"، ومرورا بالمكسيكي "خايمي توريس بوديت"، والأمريكي "لوثر إفانز"، والإيطالي "فيتوريو فيرونيزي"، والفرنسي "رينيه ماهيو"، والسنغالي "أحمد مختار أمبو"، والإسباني "فيديريكو مايور"، وأخيرا الياباني "كويشيرو ماتسورا" لم يعرف عنهم أنهم كانوا صهاينة أو حتى موالين لإسرائيل!
ولكن المعركة الحقيقية على رئاسة اليونسكو -كما يراها المعارضون لفاروق حسني- تدور في باريس، حيث يقع مقر المنظمة الدولية، وليس في تل أبيب، وإسرائيل ليست عضوا في اللجنة التنفيذية من الأساس؛ فالتحدي الحقيقي أمام وزير الثقافة المصري هو أن تتوافر فيه المعايير الواجب توافرها فيمن يشغل هذا المنصب الدولي، وأن ينجح في كسب تأييد غالبية الـ191 دولة الأعضاء في المنظمة الدولية.
حوار صحفي
وهو ما أكده الروائي المصري جمال الغيطاني بقوله: "فاروق حسني ظل لسنوات يعلن أنه ضد التطبيع، ثم نفاجأ بحديث طويل مع صحيفة إسرائيلية، ولكن إذا لم يكن هذا تطبيعا كاملا، فماذا يكون التطبيع إذن؟!".
وأضاف الغيطاني في تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت": "حلم اليونسكو يتطلب شروطًا أكبر كثيرًا من رضاء إسرائيل، أهمها أن يكون المرشح لهذا المنصب صاحب نشاط بارز في مجال إحلال السلام، ودعم التعاون الدولي في مجالات التربية والتعليم، والثقافة، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، ومبادئ الحرية الأساسية، وأن يحظى بتأييد غالبية الـ191 دولة الأعضاء في المنظمة الدولية، أما تنازلات حسني المستمرة من أجل عيون إسرائيل فلا وزن لها دوليا!.
والسؤال هنا: "هل ينجح الوزير المصري في مواجهة منافسه "دوارت رامالو أورتيجاو" المندوب الدائم للبرتغال في اليونسكو، والذي يحظى بتأييد واسع من الدول الناطقة بالبرتغالية ومعظم دول أمريكا اللاتينية؟
صحيح أن للوزير فاروق حسني مشاكل مع إسرائيل بعد أن أوقف جميع أشكال التطبيع الثقافي معها طوال 21 عاما، ومنع مشاركتها في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، ومهرجان الموسيقى؛ استجابة لضغوط غالبية المثقفين المصريين، كما هدد مؤخرًا أمام البرلمان المصري بحرق الكتب الإسرائيلية المتداولة في المكتبات المصرية (واعتذر بعد ذلك).
وبالفعل اتهمته وسائل الإعلام الإسرائيلية بالعنصرية ومعاداة السامية، وهاجم شالوم كوهين سفير إسرائيل في القاهرة ترشحه لرئاسة اليونسكو، مؤكدًا أنه لن يفوز بهذا المنصب دون مباركة إسرائيل.
لكن معارضة الوزير فاروق حسني للتطبيع لم تمنعه من مقابلة مسئولين إسرائيليين ويهود في مناسبات عديدة، من بينهم شالوميت ألون وزيرة الثقافة السابقة، وشالوم كوهين سفير إسرائيل في القاهرة، والحاخام اليهودي الأمريكي أندرو بيكر، كما لم تمنعه من الإعلان مؤخرا عن استعداده لزيارة إسرائيل، كما أعرب مؤخرا عن تأييده لترجمة الأعمال الفكرية للأدباء والمفكرين الإسرائيليين.
لا مشكلة
حسام نصار، مستشار وزير الثقافة فاروق حسني، والمنسق لحملة اليونسكو، أكد لـ"إسلام أون لاين.نت" أن الحديث عن نية فاروق حسني لزيارة إسرائيل مرهون بأن يكون الجو العام مناسبا ويسمح بذلك، فوزير الثقافة ليس لديه أي مشكلة في التعامل مع إسرائيل كدولة (معترف بها)، لكنه لا يتعامل معها الآن انصياعا لرغبة المثقفين المصريين، الذين يرفضون التطبيع الثقافي، وسوف يتغير موقفه حال توليه مدير عام اليونسكو؛ حيث سيحمل ثقافة تعايش وتصالح بين الدول والحضارات.
وفيما يخص اختلاف الرؤى في بعض القضايا مثل عروبة القدس وتهويدها، أوضح نصار أنه علينا الاعتراف بأن هذا الأمر محل خلاف بين دول العالم كلها، ومنصبه في اليونسكو سيضعه أمام خيارين لإرضاء الجميع إما "تدويل القدس، أو تقسيمها لقدس شرقية وأخرى غربية".
وذكر أن الدول التي أبدت تأييدها كثيرة، تزيد على الـ30 دولة، سواء كانت هذه الموافقات بشكل شفهي، أو كتابي، أو على المستوى الدبلوماسي، وقال: "يجب أن نفرق بين أي مسئول داخلي وآخر دولي، فلابد من التعامل مع إسرائيل كدولة عضو في اليونسكو، كما أن بيننا وبين إسرائيل معاهدة سلام، والمشكلة في المثقفين، أما الوزير فـ"معندوش أي مشكلة مع إسرائيل مطلقا"!
وامتنع عن الإجابة عن موقف الوزير حالة فوزه من الحفريات الإسرائيلية، التي تهدد المسجد الأقصى، مكتفيا بالقول: "بس هو يوصل اليونسكو وربنا يبقى يحلها من عنده"!
التراث اليهودي
وعلى الصعيد الرسمي، تجري مصر اتصالات مكثفة مع إسرائيل لانتزاع تأييدها لترشيح فاروق حسني وزير الثقافة لمنصب المدير العام لمنظمة التربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"؛ لتتدخل إسرائيل لدى مجلس العلاقات العامة الأمريكية - الإسرائيلية (إيباك) لوقف الحملات المناهضة التي يقودها ضد ترشحه لرئاسة المنظمة الدولية؛ بسبب تحفظه طوال مدة شغله منصبه الوزاري على تطبيع العلاقات الثقافية بين مصر وإسرائيل.
كما وافقت الحكومة المصرية على إنشاء معبد يهودي بمنحة من "اليونسكو" سيتم وضع حجر أساسه ما بين أغسطس وأكتوبر القادم في منطقة القاهرة الفاطمية بحي الجمالية؛ وذلك كخطوة ثانية بعد السماح بترميم الآثار اليهودية في مصر، وأهمها معبد "أبواب السماء" في شارع عدلي بوسط القاهرة.
وجاءت استجابة الحكومة لإحياء التراث اليهودي في مصر بعد رفض مسبق بناء على اتفاق جرى منذ عدة أشهر بين وزارة الثقافة ومسئولين إسرائيليين في هذا الإطار، مقابل عدم اعتراض إسرائيل على ترشيح فاروق حسني وزير الثقافة لمنصب مدير عام "اليونسكو" بعد انتقاد إسرائيل له، وقول السفير الإسرائيلي بالقاهرة شالوم كوهين: "إنه لا يمكن أن يحقق فاروق حسني الفوز دون موافقة إسرائيل".
وتكليلا للدور المصري في دعم حسني فقد أجمع وزراء الثقافة العرب في دمشق والتي عقدت برئاسة وزير الثقافة السوري رياض نعسان أغا في نوفمبر 2008 على دعم وترشيح وزير الثقافة فاروق حسني لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، معتبرين أنه مرشح العرب.
التطبيع
وعلى المستوى الشعبي وجه عدد من المثقفين المصريين رسالة إلى وزير ثقافتهم في يونيو 2008 كان نصها: «التطبيع خط أحمر يا سيادة الوزير»، أعربوا فيها عن إدانتهم للتصريحات التي أدلاها لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، سعيا منه وراء منصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، وأكدوا أن تصريحات الوزير هي إهدار لمسيرة 21 عاما من المقاومة الشعبية وشبه الرسمية من المؤسسات الثقافية المصرية لمحاولات الاختراق الصهيوني الثقافي».
وأضافت الرسالة التي شارك في صياغتها وكتابتها 25 مثقفا من أبرز المثقفين المصريين أن إعلان الوزير استعداده لزيارة إسرائيل، ووعده بتحقيق المصالحة بينها وبين العالم العربي «خضوع ذليل للابتزاز الإسرائيلي من أجل مصلحة شخصية للوزير».
ولم تُثِر تصريحات فاروق حسني غضب المثقفين المصريين فحسب، بل أيضا عددا من الفنانين بينهم حسين فهمي الذي شن هجومًا حادًّا عليه اتهمه بـ«اللهاث» وراء منصب الأمين العام لـ«اليونسكو».
وكانت أول حملة يتعرض لها فاروق حسني من المثقفين؛ إذ لم يجتمع من قبل مثل هذا العدد، حتى أثناء أزمة بني سويف، عندما احترق قصر ثقافة بني سويف منذ ثلاث سنوات مع 50 مسرحيا في داخله.
دعاية
الكاتب السينمائي أسامة أنور عكاشة، أشار أن موقف المثقفين والفنانين المصريين هو موقف موحَّد تجاه التطبيع، مشيرًا إلى أن المركز الثقافي الإسرائيلي بالقاهرة لا يرتاده إلا قلة محدودة من الباحثين.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت": معظم الوزراء المصريين يتحركون طبقا لمعاهدة كامب ديفيد، ولا شك أن حسني مدعوم من مؤسسة الرئاسة بشدة، ويتحرك وفق هواها وليس من فراغ، وما نراه تنازلات من أجل عيون اليونسكو يراه هو دعاية مشروعة باعتبار أن المنصب دولي، وإسرائيل والولايات المتحدة جزء من العالم بالرغم من كونهم ليسوا كل العالم".
أما الشاعر أحمد فؤاد نجم فأشار إلى أن سفر وزير الثقافة الدائم لدول العالم هو تذكرة دخوله لليونسكو، وإن جاء ذلك على حساب مهامه كوزير ثقافة مصر، فمن أجل عيون اليونسكو قام بإلغاء زيارة كان مقررًا أن يقوم بها للنمسا لافتتاح معرض يضم مجموعة من آثار توت عنخ آمون، وقرر السفر إلى كوبا من أجل الدعاية لترشيحه لرئاسة اليونسكو!
وفي أكتوبر 2008 صرح فاروق حسني ليومية "المصري اليوم" القاهرية بدعوته التي طالب فيها بقبول الديانات الأرضية، واصفًا رافضيها بالجهلة؛ لأن هذا جزء من حرية العقيدة، "وإذا رفضناها نكون متخلفين وجاهلين"، وقوبلت هذه الدعوة بحملة شديدة ضدها مؤكدة أن من يعترف بأي دين غير سماوي يكون "مشركًا".

