03 / 11 / 2008
ذرَّاً للرماد في العيون، وعلى سبيل المجاملة السياسية، طلى رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون "زيارته الاقتصادية" لدول الذهب الأسود العربية بـ "السياسة"، فتبادُل وجهات النظر في قضايا سياسية من قبيل السلام العادل الشامل، والنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، والملف النووي الإيراني، والأمن والاستقرار الإقليميين، هو وحده دافع الزيارة وغايتها، فهذا الحجُّ الغربي يجب أن يظهر الآن على أنه فوق الشبهات الاقتصادية .
إنَّ براون (وغيره) لم يأتِ إلاَّ طمعاً بالوعاء العربي من السيولة المالية، وبالصناديق السيادية على وجه الخصوص، فالدول العربية النفطية ينبغي لها، على ما يرى قادة الرأسمالية الأنجلو ـ ساكسونية، أن تساهم في الضخِّ المالي في شرايين نظامهم المصرفي والمالي التي تحدق به مخاطر الانهيار، وكأنَّ لهذا النظام حقَّاً معلوماً في "الفوائض المالية" العربية التي أنتجها وراكمها المد السابق في سعر برميل النفط.
هو يملك اللعاب السائل، ونحن نملك المال السائل؛ وكان ينبغي لنا أن نطلب منه اعتذاراً على ما ارتكبه من إساءات في حقِّنا إذ تحدَّث بكلمات نابية عن حقِّ الدول العربية المصدِّرة للنفط، والتي ذهب كثيرٌ من مالها ضحية الجشع الربوي الشايلوكي في "وول ستريت"، في خفض الإنتاج، توصُّلاً إلى رفع منسوب العدالة الاقتصادية، ولو قليلاً، في السعر المتسارِع انهياراً لبرميل النفط، وإذ سعى في تحملينا مسؤولية سكب مزيدٍ من الزيت على نار التضخم في اقتصادهم المتِّجه من انكماش إلى ركود إلى كساد بعون إله سوقهم الحرة، جاهلاً، أو متجاهلاً، أنَّ المد السابق في سعر برميل النفط هو ما أنتج هذا الفائض من السيولة المالية، وحَمَلَ براون على زيارة دول الصناديق السيادية.
إذا أرادوا كساداً بلا تضخم فَلِمَ لا يحاولون ذلك من خلال رفع أسعار الفائدة؟!
إنَّ الولايات المتحدة لن تجرؤ على ذلك؛ لأنَّها تعلم أن رفع سعر الفائدة سيصيب قلب النظام المصرفي، وهو الإقراض بين البنوك، بجلطة، وسيعيق تصريف بضائعها في الأسواق الخارجية لارتفاع أسعارها.
من الجحر ذاته سنلدغ مرات ومرات، فنحن خسرنا آلاف البلايين من "الورقة الخضراء" في الساعات الأولى من الأزمة المالية العالمية، وها نحن شرعنا نخسر مزيداً من المال بسبب خسارة برميل النفط لِمَا يزيد عن 60 في المئة من "سعره التَّموزي"، ونؤسِّس لخسارة مالية ثالثة من خلال مساهمتنا في ضخِّ السيولة المالية.
وعمَّا قريب، سنسمع خبر عقد صفقات أسلحة، فالكساد في اقتصاد الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، يمكن، ويجب، أن يشدِّد الميل لديها إلى زيادة مبيعاتها من الأسلحة، والتي هي من وسائلها المعتادة لامتصاص فوائضنا النقدية، ولو أنَّ لدينا مخزوناً من الأسلحة يكفي لتزويد كل جندي عشر دبابات وخمس طائرات!
بنك "باركليز" البريطاني استجار بنا، فأجرناه إذ قرَّرنا أن نشتري نحو 32 في المئة من أسهمه، أي أن نتملكه بنسبة 32 في المئة، فتملكه بنسبة تعطينا الحق في إدارته ليس من حقِّنا، ويمكن أن يفسَّر على أنه محاولة عربية للتصيد في المياه التي عكَّرتها الأزمة المالية العالمية، ولإخضاع بريطانيا، وغيرها من دول الغرب الرأسمالي، لـ "استعمار اقتصادي عربي".
البنك استجار من رمضاء دولته؛ ولكن ليس بالنار العربية، وإنما بالكرم العربي، فنحن، وبدعوى أنَّه يتمتع بصحة مالية وإدارية واستثمارية جيدة، في هذا الزمن البنكي الرديء، سنساهم في رأسماله من غير أن نشترط عليه تلك الشروط الحكومية البريطانية التي تنال من قوَّة استقلاله، ومن حريته، وتخضعه لمشيئة "دافعي الضرائب"، وتجعله عرضة لخطر تنامي الميل إلى "الكينزية" في الغرب، وكأننا لا نتورَّع عن تمويل نهج "الرأسمالية المطلقة"، مع أننا ذهبنا ضحية له!
وثمَّة من يحضُّ مستثمرينا "الأذكياء" على أن يستثمروا الآن "فوائضهم المالية"، أو ما يملكون من "سيولة مالية" يشتد عطش العالم لها، في مضاربة من نوع جديد، هي المضاربة في المنشآت والمؤسسات والمشاريع الاقتصادية الغربية، فنشتري ما رخص منها، بسبب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، لنبيعه مستقبلاً، أي عندما يتحوَّل الركود إلى انتعاش، وترتفع أسعارها بالتالي، فنجني ربحاً وفيراً من الفرق بين السعرين؛ أمَّا إذا ذهبت النتائج بما نتوقَّع فعزاؤنا، عندئذٍ، هو أنْ لا استثمار ولا تجارة بلا مخاطرة!
لقد حرصتُ على أنْ أضعْ عبارة "فوائض مالية (عربية)" بين مزدوجين حتى أُشير إلى أنَّ هذه "الفوائض" ليست بفوائض إذا ما نظرنا إليها في ضوء حاجة اقتصادنا العربي إلى التنمية، فالاقتصاد الحقيقي العربي، وليس بنك "باركليز"، والاقتصاد الغربي على وجه العموم، هو الذي في أمسِّ الحاجة إلى أن تُسْتَثْمَر فيه "الفوائض المالية العربية"، التي يملكها الأفراد والشركات والبنوك والدول والصناديق السيادية.
ونحن بوصفنا أمَّة ضدَّ "الربا"، على ما ندعي، ينبغي لنا ألاَّ نستثمر مالنا "الحلال" في بنوك ربوية شيلوكية ولو كانت كبنك "باركليز" لجهة جودتها الاستثمارية، فهذا المال "الحلال" يربو عندئذٍ ليس بالتجارة وإنما بالربا الذي نلعنه في العلن.
وإذا كان "المال العربي" يشترك مع "المال اليهودي" في صفة الاستثمار الربوي فإنه يختلف عنه في ما يضرنا من الصفات، فـ "المال اليهودي" يُسْتَثْمَر بما يعود على صاحبه بربح سياسي أيضاً. إنَّه، وبفضل تملكهم الحقيقي له، وتسييسهم لاستثماره، يُتَرْجَم، في استمرار، بمزيد من النفوذ السياسي والإعلامي، وبمزيد من القوة لإسرائيل.
أمَّا نحن فلا نجيد حتى الاستثمار الاقتصادي له؛ ولقد سمعناهم يقولون إذ "تبخَّرت" آلاف البلايين من أوراقنا الخضراء في البورصات العالمية إنَّ هذه الخسارة ليست بخسارة مالية حقيقية، فالأسهم ما زالت في ملكيتنا، ولسوف ترتفع قيمها في موسم انتعاش آتٍ لا محالة؛ ولكن أما كان ممكناً أن نربح هذا المقدار المالي الضخم الذي خسرنا لو بعنا تلك الأسهم قبل الانهيار؟!
"المال العربي" إنَّما يحتاج الآن، وأكثر من ذي قبل، إلى "التعريب"، فلا يكفي أن يملكه ناطق بلغة الضاد حتى يغدو عربياً، أو يكتمل في صفته القومية، فنحن، ولجهة علاقتنا بأموالنا، لا نملك إلاَّ نزراً من حقوق الملكية الخاصة، التي يفرطون في تقديسها في الغرب، الذي يفرط في انتهاكه لحقوق الملكية الخاصة إذا ما كانت تخصُّ علاقة العرب بأموالهم.
كل مالكي الفوائض المالية في العالم يحقُّ لهم استثمارها بما يعود عليهم، وعلى دولهم، بربح سياسي، وبما ينمِّي اقتصادهم الحقيقي، إلاَّ نحن العرب فليس من حقِّنا الانتماء إلى العالم الواقعي للسياسة، حيث يمكن ويجب أن تُتَّخَذ المصالح الاقتصادية وسيلة لهدم، وإعادة بناء، المواقف والمناهج السياسية التي تؤذي مصالحنا وحقوقنا وقضايانا القومية.
لقد حان لنا "تعريب" أموالنا، أي أن يصبح المال العربي مملوكاً ملكية عربية خالصة، عملاً بمبدأ "حقوق الملكية الخاصة"؛ وحان لنا "تعريب" استثماره، فاقتصادنا العربي الحقيقي هو الأولى بأن يُسْتَثْمَر فيه، وله، المال العربي.
ميدل إيست أون لاين - جواد البشيتي

