أفرجت سلطات الانقلاب عن الإعلامي الموالى لنظام السيسي "خيري رمضان" الاثنين الماضي بكفالة عشرة آلاف جنيه، بعد احتجازه يومين في قضية إهانة رجال الشرطة، وذلك في إحدى فقرات برنامجه بالتليفزيون المصري، مما اعتبره مراقبون دليلاً على عدم تسامح النظام الانقلابى مع الخارجين عن النص المرسوم لهم، ولو بالمدح.
وقال رمضان -في الفقرة التي أغضبت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب ودعتها لتقديم بلاغ ضده- إن زوجات رجال الشرطة يعانين من قسوة ظروف الحياة، وإن إحداهن أرسلت له بأنها "توشك على قبول العمل خادمة بالمنازل لتلبية متطلبات الحياة".
كان رمضان بهذه الكلمات التي ألقاها متأثراً يحاول التجويد في امتداح جهود ضباط الشرطة، رغم قلة رواتبهم من الوزارة.
وشكلت هذه الواقعة صدمة لأعمدة النظام الإعلامية، خوفاً من أن يكون السجن نصيبهم لزلة لسان يحسبونها هينة وهي عند النظام عظيمة.
واشتعلت ألسنة إعلاميين وصحفيين موالين للسيسي ومعارضين له دفاعاً عن رمضان، بدعوى أنه لم يقصد الإهانة والتقليل، بل المدح والتعظيم، مطالبين داخلية الانقلاب بالعفو.
ومن الواضح للعيان أن نظام السيسي بات ينفض يده الحانية الحامية عن إعلاميين لم يعودوا مؤثرين، بحسب نسب المشاهدة والانطباعات العامة، ليصبحوا عراة في ميادين البلاغات والملاحقات القضائية.
فقبيل واقعة خيري رمضان ألقي القبض على المذيعة الموالية للسيسي ونظامه "ريهام سعيد"، بتهمة الاتجار بالأطفال، وذلك عقب إعداد حلقة تلفزيونية عن تجارة الأطفال بإحدى القنوات الخاصة، بالتزامن مع تقارير دولية تتحدث عن مصر كأكبر سوق للاتجار بالبشر وأعضائهم الحيوية.
وجرى الحكم بالسجن ثلاث سنوات على المذيع الموالى لنظام السيسي "تامر عبد المنعم"، بتهمة تحرير شيكات بدون رصيد، وكان تامر أحد الذين شكا منهم زميله بالقناة نفسها عزمي مجاهد للضابط أشرف الذي يلقنهم التعليمات، وفق التسريبات.
وكانت تسريبات إعلامية سابقة لضابط يتصل بالإعلاميين؛ كشفت عن وجود توجيهات أمنية محددة نصاً بالموضوعات التي ينبغي تناولها في البرامج.
أما الإعلامية منى عراقي فتُحاكَم على حلقة قدمتها ضد جريمة الاغتصاب، التي خرجت فيها عن النص لتهاجم الرجال بلا استثناء، وتصفهم بالهمجية.
كما واجهت الإعلامية دعاء صلاح عقوبة السجن ثلاث سنوات، حينما خرجت عن النص وتناولت مسألة أغضبت قيادات دينية بالحديث عن أمهات لم يتزوجن.
في المقابل، هناك إعلاميون مطيعون تماماً، يحظون بالحماية الرسمية من البلاغات والسجن، مثل المذيع أحمد موسى الذي حُكم عليه بالسجن ستة أشهر في قضية تشهير، ورغم ذلك سافر مع زعيم عصابة الانقلاب "عبد الفتاح السيسي" للخارج.
وقال عضو مجلس حقوق الإنسان سابقاً محمد عبد القدوس إن قضية خيري رمضان هي رسالة للجميع في وسائل الإعلام "بعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها النظام الانقلابى".
ولفت عبد القدوس في حديثه للجزيرة نت إلى أن "النظام الحالي بات يسيطر على الإعلام بقبضة حديدية فجة".
ويؤكد محمد عبد القدوس -وهو أيضاً وكيل لجنة الحريات سابقاً بنقابة الصحفيين- أن قضية رمضان تؤشر على أن "القمع للجميع مؤيدين ومعارضين"، وهو يتوقع قيام نظام السيسي"بأي شيء تجاه الجميع".
ورأى أمين المجلس الأعلى للصحافة السابق قطب العربي أن ما حدث مع رمضان هو ترضية لقيادات وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب، ورسالة بالفعل لكل الإعلاميين الموالين للسيسي بأن عليهم قول ما يملى عليهم فقط، بلا محاولات للتجويد، وأن النظام لا يحتاج إلى تعاطفهم وحبهم له، بل خوفهم منه وطاعتهم له.
ويذهب العربي بحديثه للجزيرة نت إلى أن النظام ماض في تأكيد التزامه تجاه الشرطة والجيش باعتبارهما جناحي قوة النظام حاليا، بجعلهما مقدسات لا ينبغي المساس بها، تكريساً لفكرة الدولة العسكرية التي تنظر للمدنيين عموما -حتى لو كانوا من أنصارها- "باعتبارهم مجرد تابعين".
واعتبر الباحث السابق بالمرصد العربي لحرية الإعلام سيد أمين أن سلطات الانقلاب أرادت من خلال درس رمضان جعله عبرة، لتؤكد عدم التسامح مع من يخرج عن السقف المسموح به لحرية التعبير من جهة، ومن جهة أخرى طبقت المثل الشعبي الشائع "اضرب المربوط يخاف السائب"؛ تعبيراً عن ترويع الجميع.
والمراد الآن "تكميم الأفواه تماما لتمرير ما سيجري في الفترة المقبلة من اتفاقيات خاصة بصفقة القرن وتصفية كل أشكال المعارضة"، على حد قول أمين.

