تتصدر أزمة الإنفاق الدستوري على الصحة والتعليم واجهة الجدل الحقوقي في مصر مع اقتراب موازنة 2026/2027، لأن الحكومة تعلن زيادات اسمية في الخدمات الأساسية بينما تواجه الأسر تراجعا متواصلا في قدرتها على العلاج والتعليم والغذاء، وسط تضخم يضغط على الدخول ويحول الحقوق الدستورية إلى أعباء يومية على المواطنين.
تطرح الحكومة زيادة مخصصات الصحة بنسبة 30% والتعليم بنسبة 20% باعتبارها أولوية اجتماعية، لكن هذه الأرقام لا تلغي الفجوة بين الدعاية الرسمية والواقع المعيشي، لأن المواطن يدفع من دخله ثمنا أكبر للعلاج والدروس والسلع الأساسية، بينما تستمر الموازنة في تقديم الديون على الإنسان.
زيادات اسمية لا تغطي مخالفة الاستحقاق الدستوري
تبدأ الأزمة من نص الدستور نفسه، إذ تلزم المادة 18 الدولة بتخصيص نسبة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي للصحة، وتلزم المادة 19 الدولة بتخصيص نسبة لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي، بينما يضيف الدستور نسبة أخرى للتعليم الجامعي.
وعلى الرغم من ذلك، أعلنت وزارة المالية في أبريل 2026 زيادة مخصصات الصحة بنسبة 30% والتعليم بنسبة 20% في مشروع موازنة 2026/2027، وقدمت الحكومة هذه الزيادة باعتبارها دليلا على تحسين الخدمات، لكن الإعلان الرسمي ركز على الرقم الاسمي وتجنب أثر التضخم وتراجع قيمة الجنيه على القيمة الفعلية للإنفاق.
ثم تكشف الأرقام المقارنة أن الزيادة لا تعني تلقائيا التزاما دستوريا، لأن رصد مخصصات التعليم بنحو 422.3 مليار جنيه يعادل نحو 1.72% من الناتج المحلي المستهدف، وفق رصد منشور عن مشروع موازنة 2026/2027، بينما يظل هذا المستوى بعيدا عن النسبة الدستورية المطلوبة للتعليم.
وفي الاتجاه نفسه، تشير تقديرات متداولة بشأن قطاع الصحة إلى أن المخصصات الفعلية لا تعكس بالضرورة نسبة 3% التي فرضها الدستور، لأن الحكومة تعرض أرقاما كلية واسعة ثم تدرج داخلها بنودا لا تصل مباشرة إلى المستشفى أو الوحدة الصحية أو المريض الذي يبحث عن خدمة علاجية مناسبة.
وتقول سلمى حسين، الباحثة في ملف العدالة الاقتصادية والاجتماعية، إن الحكومة لم تلتزم نسب الإنفاق التي نص عليها الدستور في التعليم، وقد اعتمدت في قراءتها على الأرقام الحكومية نفسها، وهو ما يجعل الخلل قائما في طريقة ترتيب الأولويات لا في نقص البيانات فقط.
وبذلك يتحول الحديث الرسمي عن زيادة التعليم والصحة إلى أداة تهدئة لا إلى ضمانة خدمة، لأن الأسرة المصرية لا تقيس الحق الدستوري ببيان وزارة المالية، بل تقيسه بسعر الكشف، وتكلفة الدواء، ومصاريف المدرسة، والدروس الخاصة، وقدرة المستشفى العام على تقديم علاج فعلي.
الديون تبتلع مساحة الخدمات وتضع المواطن في آخر الصف
بعد ذلك تظهر مشكلة أكثر حدة في بنية الموازنة نفسها، لأن الحكومة تواصل منح أعباء الدين أولوية واسعة على حساب الإنفاق الاجتماعي المباشر، وقد رصدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في موازنة 2025/2026 أن أقساط وفوائد الديون استحوذت على ما يقرب من ثلثي النفقات الإجمالية المخططة بنسبة 64.8%.
وبسبب هذه الأولوية، تقل المساحة المتاحة للأجور والدعم والصحة والتعليم والاستثمارات العامة، لأن كل جنيه يذهب إلى خدمة الدين لا يتحول إلى فصل دراسي أو طبيب أو علاج أو وجبة مدرسية، ولذلك لا يكفي إعلان زيادة اسمية في قطاعين أساسيين بينما تظل الموازنة محكومة بمنطق السداد قبل الرعاية.
كما رصدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الحكومة أضافت نسبا من فوائد الدين إلى مخصصات التعليم والصحة، مع أن هذه الأموال لا تدخل خزائن المدارس أو المستشفيات ولا تتحول إلى خدمة مباشرة للمواطن، وهو ما يجعل الالتزام الظاهري بالنسب الدستورية قائما على حسابات ورقية لا على إنفاق فعلي.
وفي هذا السياق، يوضح الصحفي الاقتصادي وائل جمال أن موازنة لا تضمن حق المواطنين في الصحة والتعليم والغذاء تتحول إلى عبء اجتماعي، وقد أشار في كتاباته إلى أن إنفاق الأسر على الرعاية الصحية يأتي بعد الطعام والسكن، وهو ما يبين أن تقصير الدولة ينقل الكلفة مباشرة إلى البيت.
لذلك تبدو الأزمة أكبر من بند مالي منفرد، لأن الحكومة لا تعاني فقط من ضيق موارد، بل تختار أيضا مسارا يضع المواطن في آخر ترتيب الإنفاق، ثم تطلب من الأسر تحمل نتائج التضخم وتراجع العملة وارتفاع تكاليف العلاج والتعليم والغذاء دون حماية كافية.
ومن هنا تتسع الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي، لأن الحكومة تستطيع عرض زيادة 30% في الصحة و20% في التعليم، لكنها لا تستطيع إخفاء أن المواطنين يواجهون تدهورا في جودة الخدمة وتزايدا في الاعتماد على الإنفاق الخاص للحصول على حقوق عامة نص عليها الدستور.
الأمن الغذائي يدفع ثمن التقشف وغياب الرقابة
بالتوازي مع أزمة الصحة والتعليم، يواجه الأمن الغذائي ضغطا مباشرا بسبب تراجع القدرة الشرائية ورفع الدعم عن سلع وخدمات أساسية، لأن الأسر الفقيرة والمتوسطة تنفق جزءا كبيرا من دخلها على الطعام والمواصلات والعلاج، ثم تجد نفسها أمام زيادات جديدة لا تغطيها برامج الحماية الحالية.
وفي أبريل 2026، أشار تحليل اقتصادي إلى أن مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بلغت نحو 742 مليار جنيه في موازنة 2025/2026، بينما تشير تقديرات الموازنة الجديدة إلى 845 مليار جنيه، وهو ارتفاع اسمي يقابله تباطؤ نسبي في معدل نمو هذا البند مع استمرار الضغوط السعرية.
ثم يؤدي هذا التباطؤ إلى أثر مباشر على الغذاء، لأن الدعم لا يتحرك بنفس سرعة الأسعار، ولأن الأسر التي خرجت من الطبقة المتوسطة إلى دائرة الاحتياج لا تجد آلية حماية مرنة، بينما تواصل الحكومة الحديث عن ترشيد الإنفاق دون إعلان مراجعة واضحة لأولويات الديون والمشروعات الكبرى.
ويؤكد الحقوقي خالد علي في كتاباته عن الحقوق الدستورية أن النصوص لا تكفي إذا لم ترتبط بضمان حقيقي في الصحة والتعليم والتوسع العادل في المؤسسات العامة، وهذا الرأي يضع مسؤولية الحكومة في موضع مباشر، لأن الحق لا يتحقق بمجرد وجوده في الدستور.
وعلى هذا الأساس، يصبح مطلب إعادة هيكلة الموازنة ضرورة اجتماعية لا مطلبا فنيا، لأن توجيه الموارد نحو الغذاء والصحة والتعليم يحمي الفئات الأكثر احتياجا من تقلبات السوق، بينما يفاقم الإنفاق غير المنتج الأزمة عندما يستمر على حساب الخدمات التي يعتمد عليها ملايين المواطنين.
كما تحتاج الموازنة إلى رقابة حقيقية على أوجه الإنفاق، لأن المشكلة لا تقف عند حجم الاعتمادات المعلنة، بل تمتد إلى طريقة الحساب والصرف والوصول إلى المستحقين، وقد أظهرت السنوات الماضية أن الشعارات الحكومية لا تنعكس تلقائيا على جودة الحياة اليومية داخل القرى والمدن.
وفي النهاية، تكشف موازنة 2026/2027 مأزق حكومة تختار تلميع الأرقام بدلا من حماية الحقوق، لأن زيادة اسمية لا تكفي عندما يبتلع الدين مساحة الخدمات، ولا تكفي عندما يطارد الغلاء طعام الأسر ودواء المرضى وتعليم الأبناء، ولذلك تبقى الخلاصة واضحة بأن العدالة الاجتماعية تبدأ من موازنة تنحاز للناس لا للدائنين.

