22/10/2009
د. أحمد دراج
أليس من الخزي والعار الذي يلطِّخ وجه أي نظام سياسي اعتقال شخصيات نقابية دولية؛ مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، ورفاقه في لجان الإغاثة بالاتحاد، والإصرار على تجديد حبسهم طوال شهر رمضان المعظم وعيد الفطر، واستمرار اعتقاله للمرة الثامنة على التوالي- حتى الآن- رغم تردي حالته الصحية، تحت زعم متهافت وجريمة مصطنعة تسمى مرة غسيل الأموال، ومرة أخرى الانضمام لتنظيم دولي محظور؛ فكلها بمثابة جرائم إرهاب دولة مع سبق الإصرار والترصد.
وبتتبع الاعتقالات الأخيرة في صفوف الإخوان المسلمين وغيرهم من الأحرار؛ سواء من مصر أو من أمريكا وألمانيا، سيلحظ بكل وضوح وجود خيط ناظم يربط بينها جميعًا، فالخيط الجامع لكل اعتقالات النظام الحاكم ومحاكماته للأبرياء في محاكم عسكرية هو المطلب الصهيوأمريكي العاجل، بسد كل منافذ الإغاثة والمساعدات الغذائية والطبية والمادية والمعنوية للإخوة الفلسطينيين من المنبع؛ لخنق المقاومة من أجل كتابة السطر الأخير في القضية الفلسطينية، ومن ثم فالحق واضح: نظام حاكم يمسح أحذية الأوامر الصهيوأمريكية، بدليل اعتقال كل من يجاهر بمساعدة ودعم المقاومة إذا كان مصريًّا، أو ترحيله إن كان من جنسيات أجنبية، والمثال الأول فيما قامت به السلطات المصرية من ترحيل الكاتب والمستشار الأمريكي "ترافس راندال" إلى لندن بدعوى أنه يمارس نشاطًا سياسيًّا محظورًا!! ما هو؟ ويا للعجب لأنه- حسب تعبير مصدر حكومي- دأب على انتقاد السلطات المصرية، بسبب إغلاقها معبر رفح في وجه الفلسطينيين، كما سبق له الاشتراك في مظاهرة لمناصرة الشعب الفلسطيني؛ لذلك كان جزاؤه الاحتجاز بمطار القاهرة يوم الخميس الموافق ( 13 رمضان ) لمدة 12 ساعة قبل ترحيله؛ لأنه مدرج على قوائم الممنوعين من دخول البلاد، والإدارة الأمريكية تغط في نوم عميق، إزاء اعتقال أحد مواطنيها لتمرير مخططها.
والخيط الثاني الناظم للأسباب الحقيقية وراء اعتقال الدكتور أبو الفتوح ورفاقه؛ هو اعتقال ناشط ألماني آخر من أصل مصري، وحبسه انفراديًّا لمدة أربعة أيام؛ لأنه شارك في مظاهرةٍ لمناصرة الشعب الفلسطيني، أما عبد المنعم أبو الفتوح ومجدي حسين ورفاقهم؛ فيحالون ثم يحاكمون أمام محاكم استثنائية عسكرية أو أمن الدولة (بالمخالفة للدستور حسب المستشار عادل فرغلي- (الشروق) الأحد 13 سبتمبر)؛ لأنهم مصريون لا ظهر لهم في أوروبا وأمريكا، ولم يجدوا من يدافع عن حقهم في العدل والحرية بصلابة لا تلين، فالشعب المصري إما لاهٍ أو خائف من قمع النظام الفاشي؛ ولأن الغالبية تخاف من الحاكم وهو بشر، ولا يخشى خالق البشر، لذلك شغلنا الله كلا بهمه، وسلطنا على أنفسنا، وأغرقنا في الذل والخذلان حتى تحوَّل جميع الشعب إلى أشباح من ورق، كما تحولت أحكام القضاء إلى مجرد أورق "كلينكس"، لا تكفي لتجفيف عرق الخزي والخوف والعار، وتغول الطغاة وأزلامهم وازدادوا جبروتًا وانتهاكًا لحقوق الشعب المصري الأخرس الذي تعايش مع الظلم والقهر، ولكن الله ليس غافلاً عما يفعل الظالمون.
إذن، كلنا يعرف أن تهمة غسيل الأموال وما يُسمَّى بالانضمام للتنظيم الدولي تهم مفضوحة وملفقة بامتياز، وتعكس مدى الخبل الذي أصاب عقل مؤسسات الحكم والعمى السياسي الذي لحق بمَن يديرون شئون هذا البلد باستعداء جموع الشعب- وليس الإخوان وحدهم- لدرجة اتهام واحد من أعظم شرفاء هذا الوطن وأكثرهم نبلاً واعتدالاً وانفتاحًا على الرأي الآخر؛ بسبب جهده الكبير في النشاط الإغاثي المتميز لاتحاد الأطباء العرب في مساعدة وإغاثة الإخوة الفلسطينيين المحاصرين في غزة.
ومن العار على أي مصري لديه- حتى لو كان جزءًا من مفرمة نظام القهر الحاكم- بقية من ضمير أو حس وطني أو شعور ديني أو إنساني بسيط أن يشارك في هذه الجريمة؛ سواء بكتابة التقارير الأمنية والتحريض والتلفيق والتزوير والتدليس، أو بإصدار الحكم الجائر باستمرار الاعتقال دون خوف من رب العزة، وأؤمن يقينًا في عدالة السماء ستطال كل مَن شارك في هذه الجرائم من كبار وصغار المسئولين وحتى أصغر جندي، ونحن نقيم الحجة عليهم كل يوم، وفي الغد القريب سينال المجرمون جزاءهم طال الوقت أم قصر، ولن يفلت أي مجرم بجريمته دون عقاب عاجل في الدنيا وآجل في الآخرة، فرب الكون يمهل- نعم- ولكنه لا يهمل.
عبد المنعم أبو الفتوح وجمال عبد السلام ومجدي حسين ورفاقهم لم يرتكبوا إثمًا بإغاثة أبناء غزة المحاصرين بين فكي الصهاينة والنظام المصري، واعتقلوا أو حوكموا بدعاوى كاذبة، فليس منهم مَن تاجر في ديون مصر، ولم ينهب أحدهم بنوكها، وفرَّ من قاعة كبار الزوار، ولم يسمم أي منهم طعامًا أو ماءً، أما أعضاء الحزب الحاكم ولجنة السياسات فمنهم مَن سفك دماء آلاف المصريين الأبرياء في عبَّاراته ثم هرب- معززًا مكرمًا-، ومنهم مَن سمَّم ملايين المصريين بالمبيدات والأقماح المسرطنة، ثم حظى بالعفو الرئاسي من المحاكمة أمام القضاء الطبيعي، ومنهم مَن نهب ملايين الدولارات من أموال البنوك، وفرَّ للتمتع بها إلى دول أوروبا وأمريكا، واليوم تلوح بشائر عودة اللصوص القدامى إلى أحضان حكومة الفساد؛ ليشاركوا في مصِّ دماء الشعب وعرقه مع اللصوص الجدد.
جريمة أبو الفتوح ورفاقه معروفة للقاصي والداني؛ وهي مساندة وإغاثة أبناء غزة، وهي ليست جريمة إلا في عرف الصهاينة والمجرمين، أما في قانون وعرف الشرفاء فهي أرفع وسامٍ على صدر كل مسلم مخلص أمين محب لوطنه وعروبته، مهما حاول شياطين النظام إخفاء الحقيقة وتلبيس الحق بالباطل، الجريمة الشنعاء لهؤلاء الرجال الأطهار أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه فعملوا بالحديث الشريف "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"؛ فنهضوا بما قصرت فيه جموع الشعب المصري في أدائه، وسعوا لنجدة أكثر من مليون ونصف مسلم محاصر في غزة، وإغاثة الإخوة في الإنسانية والعروبة والدين، ولكن إغاثتهم كانت ضد رغبة صهاينة واشنطن وتل أبيب وأوكار مندوبيهم في العواصم العربية.
وإنه من الشائن في هذه الأشهر الحرم بعد عيد الفطر أن يجلس أي مصري في بيته قرير العين بين أبنائه، ويتجاهل ما جاء في القرآن السنة النبوية لنصرة المظلوم الذي أقسم الله بعزته وجلاله لينصرنه ولو بعد حين، عار على أي مواطن مصري أن يستحضر خصوماته أو خوفه، بينما يقبع آلاف الأبرياء في سجون ومعتقلات النظام الذي لا يخشى الله، ولا يحترم أحكام القضاء، ولا يرعى للشعب حرمة، ومن العار أن تبقى القوى الوطنية مشرذمة إزاء ما يحدث من نهب وقتل وظلم واضطهاد وتدليس وتزوير تحت بصر الجميع وتواطؤ البعض، بينما تكتفي القوى الوطنية والنخب السياسية ببيانات الشجب والتنديد بسلوك النظام المصري وبوقفات هزيلة هنا أو مؤتمرات هناك، فعبد المنعم أبو الفتوح ورفاقه جزء أصيل وغالٍ من نسيج هذا الشعب بمسلميه وأقباطه، ومهما تنوعت الآراء فإننا جميعًا أصحاب حق في مواجهة نظام ظالم مستبد يأخذ البلاد إلى سوء المصير، وليس في مصر مَن ينكر أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح النقابي الدولي البارز ورمز للاعتدال والوسطية والعقلانية والخلق الدمث يحظى باحترام الطيف السياسي والوطني على امتداد الوطن من أقصاه إلى أقصاه، فتعالوا إلى كلمةٍ سواء في مواجهة نظام يدفعنا دفعًا إلى الكراهية والعنف والاقتتال الداخلي، والله من وراء القصد

