تراجعت وزارة الأوقاف تحت ضغط غضب شعبي كاسح على منصات التواصل، وأزالت الصور الضخمة لوزير الأوقاف ومستشار السيسي الديني أسامة الأزهري من واجهة مسجد السيدة زينب في القاهرة، بعد أن تحولت الواجهة التاريخية للمسجد إلى ما يشبه لوحة دعائية شخصية، بالتزامن مع المولد الزينبي.

 

ورغم إصدار بيان متعجل زعمت فيه الوزارة أن "بعض المحبين" هم من علقوا الصور دون علمها، فإن أسئلة أعمق ظلت معلقة حول طبيعة إدارة المساجد في عهد السيسي، وحدود تسييس المنابر وتطويعها لخدمة رموز رسمية محددة، في وقت يتقاضى فيه أغلب خطباء المكافأة نحو 920 جنيهًا شهريًا، ويطالبون بتثبيتهم وتحسين أوضاعهم المعيشية وتطبيق الحد الأدنى للأجور والتأمين الصحي والزي الأزهري.

 

من واجهة آل البيت إلى منصة دعاية شخصية

 

الشرارة الأولى اندلعت مع تداول صور تظهر لافتتين عملاقتين لأسامة الأزهري على مدخل مسجد السيدة زينب، ما وصفه كثيرون بأنه "سابقة لم تحدث قديمًا ولا حديثًا" في تاريخ المساجد الكبرى. الحساب (@CheGuevara50100) لخّص الصدمة بسؤال لاذع: "مسجد السيدة زينب، أم مسجد الشيخ أسامة؟"، في إشارة إلى أن رمز آل البيت بدا مزاحَمًا بوجه مستشار السيسي الديني، لا باسم السيدة زينب ولا برسالة المسجد.

 

 

انتشار الصور على نطاق واسع فجّر موجة تعليقات اعتبرت المشهد "تسييسًا للمساجد" و"استخدامًا فجًّا للدين في الترويج لشخصيات رسمية"، خاصة أن تعليق أي لوحة على مسجد تابع للأوقاف يحتاج موافقات أمنية وإدارية، فما بالك بواجهات مسجد السيدة زينب بالتزامن مع المولد. ومع أن الوزارة أعلنت سريعًا إزالة الصور، فإن رواية "المحبين" الذين علّقوها دون علمها بدت لكثيرين محاولة للهروب من المسؤولية، لا تفسيرًا مقنعًا.

 

في خلفية المشهد، برز التناقض الصارخ بين صور الوزير المعلّقة على واجهة واحد من أشهر مساجد آل البيت، وبين واقع آلاف الأئمة وخطباء المكافأة الذين يناشدون منذ سنوات تثبيتهم بعقود رسمية، وتطبيق الحد الأدنى للأجور والتأمين الصحي والزي الأزهري. هنا بدا أن "أولوية الصورة" عند الوزارة تسبق أولوية العدالة في الأجور وتحسين أوضاع من يحملون خطابها على المنابر.

 

وفي خضم الجدل، دخل الإعلامي "إبراهيم عيسى" على الخط، فكتب على فيسبوك مطالبًا برفع صور الأزهري واصفًا ما حدث بأنه "تصرف عجيب ومعيب". لكن منتقديه ذكّروه بأنه لم يتوقف كثيرًا عند تعزية الأزهري للفيلسوف مراد وهبة الذي يلقبه كثيرون بـ"عميد الملحدين العرب"، وأن غضب عيسى اليوم يبدو أقرب إلى الدفاع عن "احتكار صور السيسي" للمشهد العام، لا عن قدسية المساجد. أما حساب @MMongid فذهب أبعد، وكتب ساخرًا من "الجمهورية الجديدة" التي تحولت – بحسب تعبيره – إلى "جمهورية البهاليل والبلطجية والتخلف"، مضيفًا أن أسامة الأزهري "مصدق نفسه" قبل أن يأتي اليوم الذي "يترمي فيه في الزبالة" بعد انتهاء دوره.

 

 

تواشيح ومديح داخل المسجد: "قداس ع الضيق" أم احتفال ديني؟

 

الغضب لم يتوقف عند الصور ولا عند بيان الأوقاف المتراجع، بل اتسع مع ظهور مقطع فيديو من داخل المسجد يتضمن تواشيح ومديحًا صريحًا في شخص أسامة الأزهري، في قلب الاحتفال بالمولد الزينبي. كثيرون رأوا أن تحويل المولد من احتفال بآل البيت إلى وصلة مديح لوزير داخل المسجد يمثل "تجاوزًا صادمًا" لحدود اللياقة الدينية، خاصة حين يصبح اسم المسؤول هو محور التواشيح لا اسم السيدة زينب.

 

حساب Mayada Al-Masry علّق بسخرية على أحد المقاطع قائلًا: "ترنيمة يا بيض اليمامة بصوت الشماس بولس الأزهري"، في إشارة حادة إلى تشابه الأجواء مع الطقوس الكنسية لا روح المساجد. أما @hasrimaydia فكتب أن ما يجري يشبه "قداسًا" مغلقًا رتّبه الأزهري على مقاسه، مضيفًا: "أسامة الأزهري عامل قداس ع الضيق".
 

 

الانتقادات لم تتوقف عند حدود السخرية من "الطقوس الهجينة"، بل امتدت إلى ربط ما يحدث داخل المسجد بخلفية الأزهري الصوفية. بعض المعلقين رأى أن ما جرى في السيدة زينب ليس مجرد خطأ بروتوكولي، بل ترجمة عملية لمشروع ديني يريد تعميم "الطقوس الصوفية" التي كانت حاضرة في بعض المحافظات إلى مستوى الدولة كلها، تحت غطاء رسمي من الأوقاف ودار الإفتاء.

 

تزامن ذلك مع فتوى نشرتها دار الإفتاء تعتبر أن "الاحتفال بموالد آل البيت من أفضل الأعمال"، ما فتح باب جدل جديد حول "حدود الاحتفال" ومعاييره. المعلقة رانيا الخطيب رأت أن وصف هذه الاحتفالات بأنها من "أفضل الأعمال" مبالغة لا تستند إلى منطق واضح، وربطت بين هذه اللغة وبين ما أسمته "شغل الشعوذة والدروشة والدجل والرقص" الذي تحاول بعض التيارات الصوفية فرضه على المشهد الديني، مستشهدة بما يجري في مسجد السيدة زينب.

 

 

"تصوف منحرف" ومشروع لإعادة تشكيل وعي المصريين دينيًا

 

مع اتساع دائرة الجدل، ارتفعت حدّة الخطاب الناقد للأزهري، وتركزت الانتقادات على ما وصفه مغردون بـ"التصوف المنحرف" الذي تحاول السلطة تثبيته كمرجعية رسمية. حساب @BiboVivo30734 كتب أن الأزهري "بيعمل كل حاجة ضد الدين"، وأنه يعيد إحياء "الخزعبلات" التي كانت قديمًا محدودة الانتشار في بعض المحافظات، ثم يسعى الآن لتعميمها على مصر كلها، حتى تصبح "التمايل والموالد والتمسح بالقبور" وجهًا رسميًا للدين. وفي تغريدة أخرى، اتهمه بأنه "بيحاول يخرب الدين في مصر"، وذكر معه أستاذه علي جمعة بوصفه شريكًا في هذا المسار.

 

 

حساب آخر رأى أن الأزهري يعيش حالة "جنون عظمة"، وأن ظهور صوره على واجهة مسجد السيدة زينب ثم التواشيح في مدحه داخل المسجد ليس إلا أحد تجليات هذه الحالة، قبل أن تتراجع الأوقاف تحت ضغط الغضب الشعبي وتزيل الصور، فيما تبقى آثار المشهد في ذاكرة الناس.
 

 

في مستوى أعمق، ذهب حساب @nobelF88 إلى أن ما يريده الأزهري ليس مجرد تلميع صورة شخصية، بل "تغيير نمط تفكير الشعب" باتجاه مذهب ديني أساسه أن يكون الإنسان "مسلوب الإرادة تحت طوع الحاكم ولو جلد ظهره واغتصب أهله وسرق ماله"، أي صناعة خطاب ديني يبرر الاستبداد ويحوّل الطاعة العمياء إلى واجب شرعي.

 

ناشط آخر حذّر مما وصفه بـ"البدعة" التي ابتدعها الوزير داخل المساجد، من قراءة جماعية للمعوذات وسورة الإخلاص بعد كل صلاة جمعة، ثم ترديد "لا إله إلا الله" مئة مرة بصوت واحد، معتبرًا أن هذه الممارسات ليست من هدي السلف وإنما "دس للسم في العسل"، وأن الأمة عاشت قرونًا في ظل ما يسميه "التضليل الصوفي والدجل والشعوذة"، وأن "التصوف الأزهري" صار – بحسب وصفه – بوابة للتشيع الباطني المنحرف، مستشهدًا بما نُسب إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب من تبنٍّ للمذهب الجعفري في مناهج الأزهر.

 

في الخلاصة، كما يلخص حساب @02_teacher، فإن من كان يظن أن أسوأ ما قدّمته الأوقاف هو الوزير السابق محمد مختار جمعة، اكتشف أن لدى السيسي ما هو أسوأ في شخص أسامة الأزهري، الذي يصفه بأنه من "غلاة الصوفية" الساعين عبر أدوات الدولة إلى نشر تصوف منحرف بين الناس. وبين صور أزيلت تحت الضغط، وتواشيح مدح داخل المساجد، وخطباء مكافأة يعيشون على 920 جنيهًا، يبقى سؤال المصريين مفتوحًا: هل ما جرى مجرد "خطأ فردي تراجعت عنه الأوقاف" أم حلقة جديدة في مسلسل تسييس المساجد وتفريغها من دورها الحقيقي كبيوت لله لا لوكلاء الحاكم؟