تتصاعد أزمة الأمن المائي المصري وسط خطابات استهلاكية يطلقها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، مدعياً خلال أسبوع القاهرة التاسع للمياه في أكتوبر 2026 أن الرهان على قبول القاهرة بالأمر الواقع وتفريطها في حقوقها المائية يمثل رهاناً خاسراً تماماً.
​
​
وبينما يزعم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي حرصه على بقاء النيل مصدراً للاستقرار والتنمية والتعاون المشترك وفق قواعد القانون الدولي، تتهاوى الحصة التاريخية لمصر فعلياً أمام التمدد الإثيوبي المتسارع الذي فرض سيطرته الكاملة على منابع النهر دون رادع.

 

 

أوهام القوة وتناقض الأذرع الإعلامية للسلطة
​
​
وفي هذا السياق، تحاول اللجان الإلكترونية ترويج بطولات وهمية لتخدير الشارع، حيث زعم حساب إسلام عثمان أن ساعة الحسم اقتربت وأن السد سيسقط أرضاً، في محاولة يائسة لإيهام المواطنين بوجود تحرك عسكري وشيك ينهي الأزمة المائية المتفاقمة.

 

 

وعلاوة على ذلك، واصل حساب يدعى مو ترويج المزاعم ذاتها حول التهديد بضرب سد النهضة، مستغلاً حالة الغضب الشعبي لتمرير روايات زائفة تتناقض كلياً مع السلوك الفعلي للسلطة التي اكتفت بإطلاق التصريحات الرنانة طوال السنوات الماضية دون فعل حقيقي.

 

 

غير أن أذرع النظام سرعان ما ناقضت هذه الدعايات، إذ صرح اللواء عبد الرحمن مهنا خبير العلاقات الدولية في أكتوبر 2026 بأن القاهرة تقود معركة السد بالدبلوماسية والقانون كما استعادت طابا، مما يجهض أوهام الحسم العسكري التي تروجها اللجان.
​
​
ومن جهتها، سارت اللجنة شاهيناز طاهر على نهج التبرير الدبلوماسي، معتبرة أن حديث قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يمثل رسالة قوية تلخص الموقف المصري، بدعوى أن السيادة على المنبع لا تعني فرض الأمر الواقع وأن القانون الدولي هو الفيصل.
​
​
وبالمثل، كررت شاهيناز طاهر مقولات تفتقر لأي أثر تنفيذي، زاعمة أن وجود منابع النهر في دولة لا يمنحها حق التحكم المنفرد فيه، وأن التعاون الدولي واحترام الاتفاقيات يمثلان الحل الوحيد لاستفادة الجميع من التنمية دون إضرار بأحد.
​
​
وفي المقابل، نسف المدون متعب هذه الأوهام المؤيدة للسلطة، مؤكداً أنه لا وجود لضرب السد ولا لشعار مسافة السكة، بينما تتعرض مصر لحصار مائي خانق من باب المندب وسد النهضة يدمرها اقتصادياً ولوجستياً وزراعياً بشكل ممنهج ومستمر.

 

 

كما سخر الناشط الحارثي من صمت السلطة ولجانها، موضحاً أن النظام ترك إثيوبيا تغلق المياه وتبني السد بينما يجلس منتظراً، في وقت يتلقى فيه المشروع الإثيوبي دعماً مباشراً من حلفاء النظام الإقليميين في أبوظبي وتل أبيب.
​
​
ومن جانبه، أكد الدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة أن الاحتجاز الأحادي لمليارات الأمتار المكعبة خلف السد الإثيوبي يخصم مباشرة من رصيد مصر المائي، ويجعل البلاد رهينة للقرار الإثيوبي المنفرد بعيداً عن أي اتفاقيات قانونية ملزمة.

 

 

خطيئة التوقيع وتقنين الهيمنة المائية الإثيوبية
​
​
وعلى صعيد متصل، ربط الناشط أحمد بين العجز المائي والارتهان السياسي، مشيراً إلى أن جيش النظام لا يتحرك في سيناء إلا بإذن إسرائيلي، بينما تبني إثيوبيا سد النهضة وتشرع في سدين آخرين وسط عجز كامل عن حماية الحقوق بعد بيع القرار للإمارات.

​

 

وبالعودة إلى جذور الكارثة، ذكّر حساب نيكولاس ج بشعار مسافة السكة، موضحاً أن المسؤولين البريطانيين والفرنسيين أعلنوا لشعوبهم بوضوح ذهابهم للدفاع عن مصالحهم وإمدادات الطاقة والملاحة البحرية، بينما فرط النظام المصري في أمن البلاد المائي الاستراتيجي.
​
​
وفضلاً عن ذلك، وصف حساب نيكولاس ج توقيع قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على اتفاقية سد النهضة عام 2015 بالخيانة العظمى، إذ صاغها محمد دحلان وحولت السد إلى ملك خاص لإثيوبيا دون الرجوع للبرلمان إرضاء لنتنياهو وابن زايد مقابل بقائه بالسلطة.
​
​
واستناداً إلى تقارير دولية، أبرز الحساب مقالة مجلة نيوزويك المنشورة في أبريل 2015، والتي أكدت انحصار اتفاق إعلان المبادئ بين دائرة مغلقة ضمت تيدروس أدهانوم وخالد فوزي وقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ومحمد بن زايد ومحمد دحلان ومساعديه.
​
​
كما أوضح التقرير ذاته الدور المحوري الذي لعبه محمد دحلان كمبعوث خاص لولي عهد أبوظبي في هندسة ملفات المنطقة الشائكة، بدءاً من التدخل في ليبيا وصولاً إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وملف سد النهضة، لخدمة أجندات إقليمية.
​
​
وتأكيداً لهذه الحقائق، يبرز موقف الدكتور أحمد المفتي خبير القانون الدولي والعضو المستقيل من لجنة التفاوض المصرية، والذي انسحب اعتراضاً على توقيع قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي للاتفاق في الخرطوم، مسجلاً شهادته التاريخية والقانونية في صحيفة المصري اليوم.
​
​
إذ أكد الدكتور أحمد المفتي خبير القانون الدولي أن اتفاق إعلان المبادئ قنن أوضاع سد النهضة وحوله من مشروع غير شرعي دولياً إلى مشروع قانوني، مما قوى الموقف الإثيوبي وأضعف الاتفاقيات التاريخية دون منح مصر أو السودان نقطة مياه واحدة.
​
​
وبناءً على تلك المعطيات، خلص حساب نيكولاس ج إلى أن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي دأب في كل خطاب يوجهه للشعب بشأن أزمة السد على تقمص دور البريء المتفاجئ بالأزمة، متغاضياً عن كونه المتسبب الرئيسي في هذه الكارثة بتوقيعه.

 

 

تراجع الإيراد المائي وفشل الرقابة الفضائية
​
​
ومن ناحية أخرى، أقر وزير الري بحكومة الانقلاب هاني سويلم خلال أسبوع القاهرة التاسع للمياه في أكتوبر 2026 بتراجع إيراد مصر من النيل هذا الموسم، مكتفياً بتكرار عبارات عاجزة حول ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي وعدم الإضرار بالدول الأخرى.
​
​
وتعليقاً على هذا الإقرار الرسمي، أوضح حساب الوكيل أن تراجع الإيراد أمر حتمي نتيجة موسم الجفاف واكتمال ملء خزان السد، حيث لا يعبر لمصر حالياً سوى فائض الأمطار، بينما تظل باقي حصة مصر التاريخية محتجزة بالكامل خلف السد الإثيوبي.
​
​
وفي غضون ذلك، تجلت مظاهر العجز الرسمي في تصريحات الوزير هاني سويلم يوم الخامس والعشرين من أكتوبر 2026، حين أعلن أن وزارته تراقب تطورات السد الإثيوبي عبر الأقمار الصناعية لغياب تبادل البيانات، زاعماً استقرار الوضع المائي لتهدئة الرأي العام.
​
​
وكان الوزير ذاته قد ردد في الحادي والعشرين من سبتمبر 2026 عبارات مستهلكة حول احتفاظ القاهرة بالخيارات التي يتيحها القانون الدولي لحماية أمنها المائي ورفض فرض الأمر الواقع، وهي تصريحات جوفاء لم تمنع أديس أبابا من استكمال مخططاتها.

​
​
لأنه على أرض الواقع، أعلنت إثيوبيا الافتتاح الرسمي لسد النهضة في سبتمبر 2025 بسعة تخزينية تبلغ أربعة وسبعين مليار متر مكعب وقدرة كهربائية تصل إلى خمسة آلاف ومائة وخمسين ميجاواط، ليتحول السد إلى أداة تحكم كاملة في شريان الحياة المصري.
​
​
بل إن الطموحات الإثيوبية تجاوزت ذلك خلال عام 2026 بالإعلان عن خطط لبناء سدود إضافية جديدة على النيل الأزرق بصورة أحادية ودون دراسات مشتركة، وسط اعتراضات مصرية لفظية عاجزة عن إيقاف مسلسل السيطرة الكاملة على منابع النهر.
​
​
وفي هذا الصدد، حذر الدكتور محمد نصر علام وزير الري الأسبق وأستاذ هندسة الري بجامعة القاهرة من خطورة التشغيل الأحادي للسد الإثيوبي والشروع في بناء سدود جديدة، مؤكداً أن غياب اتفاق قانوني ملزم يضع الأمن المائي والزراعي المصري أمام تهديد وجودي.
​
​
ورغم هذا التمدد الإثيوبي، لا يزال قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يكرر في أكتوبر 2026 مقولة إن الرهان على قبول الأمر الواقع خاسر، ناسخاً تصريحاته السابقة في أكتوبر 2025 حول عدم الوقوف مكتوفي الأيدي، دون أن يتبع أقواله بأي فعل يحمي النهر.