تتسع شكاوى الأسر المصرية من مناهج التعليم الأساسي مع انطلاق العام الدراسي، بعدما وجد أطفال المرحلة الابتدائية أنفسهم أمام مقررات كثيفة وواجبات متلاحقة، بينما يتراجع الوقت المتاح للراحة واللعب والأنشطة اليومية.

 

وتتحول صعوبة الدراسة من حديث داخل البيوت إلى سؤال تحت قبة البرلمان، وسط مطالب بمراجعة حجم المقررات وطريقة تقديمها للأطفال، قبل أن يصير التطوير المعلن عبئًا جديدًا على الطلاب وأسرهم.

 

 

شكاوى الأسر تصل إلى البرلمان

 

ومع بدء الدراسة في 12 سبتمبر، ظهرت آثار التعديلات الواسعة على المناهج في الشكاوى اليومية، ولا سيما لدى أولياء أمور تلاميذ المرحلة الابتدائية الذين يواجهون صعوبة في ملاحقة الدروس والتقييمات.

 

وفي سؤال موجه إلى وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، وضعت النائبة سناء السعيد كثافة المناهج وصعوبتها أمام المساءلة البرلمانية، وربطت بين تزايد الأعباء الدراسية وضياع حق الأطفال في الراحة.

 

كما حذرت السعيد من أن ساعات المذاكرة الطويلة وكثرة الواجبات والتقييمات تلتهم وقت اللعب والأنشطة والحياة الاجتماعية، وتدفع الأطفال إلى التعامل مع المدرسة بوصفها مصدر ضغط يومي متواصل.

 

وبينما تعد الوزارة تطوير المقررات إنجازًا، تبدو المشكلة مختلفة داخل المنازل؛ فعدد المواد وحجم المطلوب في كل منها يحددان يوم الطفل، ويفرضان على الأسرة متابعة تمتد إلى ما بعد المدرسة.

 

ولأن التقييمات تتكرر إلى جانب الواجبات، تخشى الأسر أن يتحول التعلم إلى سباق لإنهاء المطلوب، فلا يجد الطفل وقتًا كافيًا لفهم الدرس أو طرح أسئلته قبل الانتقال إلى درس آخر.

 

وعلى هذا الأساس، لم تعد شكوى أولياء الأمور محصورة في درجة اختبار أو صعوبة درس منفرد، بل امتدت إلى خشيتهم من نفور أبنائهم من التعليم وفقدان الرغبة في المعرفة.

 

ومن جهة أخرى، أعلن محمد عبد اللطيف تطوير 94 منهجًا في مراحل التعليم الأساسي، إلى جانب تطوير 160 منهجًا خلال العام الدراسي الحالي، بينها مقررات البكالوريا المصرية، مؤكدًا عدم تحميل الوزارة تكلفة مالية.

 

غير أن وفرة المقررات المطورة لا تعني تلقائيًا سهولة استيعابها؛ إذ تحتاج الأسرة إلى معرفة ما إذا كان زمن الحصة وقدرات المعلم واستعداد الطالب يسمحون فعلًا بتحقيق أهداف تلك التغييرات.

 

وفي ظل هذا التباين، يغدو السؤال البرلماني اختبارًا لما ستقدمه الوزارة من معالجة عملية، لا مجرد عرض جديد لأعداد المناهج التي تغيرت منذ بداية العام الدراسي.

 

 

مناهج جديدة دون أرضية كافية

 

وتتركز الشكاوى بصورة خاصة على رياضيات الصف الثالث الابتدائي، بعد تطوير مناهج الرياضيات للصفوف الثلاثة الأولى بالشراكة مع الجانب الياباني، فضلًا عن تعديل العلوم للصفوف الرابع والخامس والسادس.

 

وفي وصف الفجوة داخل الفصل، تقول شيماء سمير، والدة أحد الطلاب، إن الرياضيات الجديدة تفترض إتقان التلاميذ أسسًا حسابية لم يتعلموها سابقًا، فيواجهون عمليات تبدو لهم معقدة دون تمهيد كاف.

 

كذلك تحدثت أم لخمسة طلاب عن مناهج تحتاج إلى تخفيف يراعي مستويات الأطفال، ومعلمين قادرين على تدريسها، محذرة من أن الضغط المتزايد يدفع الأسر نحو الدروس الخصوصية بدل تقليص الاعتماد عليها.

 

ومن ثم، يصبح نقل أسلوب تعليمي من بيئة إلى أخرى خطوة ناقصة إذا غاب الإعداد السابق للطلاب، أو دخل المعلم الفصل دون تدريب كاف على شرح الأفكار الجديدة وأهدافها.

 

وفوق صعوبات الرياضيات، تمتد شكاوى الأسر إلى كثافة المحتوى في العلوم والدراسات الاجتماعية، بينما تثير مقررات إدارة الأعمال والبرمجة في البكالوريا تساؤلات مماثلة بشأن ملاءمة التطبيق وجاهزية التدريس.

 

وفي مدارس اعتاد فيها كثير من الطلاب التركيز على التحصيل المباشر، يحتاج التعلم القائم على الأنشطة وحل المشكلات إلى وقت وتجهيزات وخطة متدرجة، بدل تحميل الطفل فجأة مسؤولية التكيف وحده.

 

ويرى أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة الدكتور عاصم حجازي أن رياضيات الصف الثالث تعتمد على حل المشكلات والتفكير، في حين لم يتلق الطلاب إعدادًا سابقًا مماثلًا لما تلقاه أقرانهم في اليابان.

 

لذلك يرى حجازي أن تطبيق هذه المناهج يحتاج إلى بيئة مدرسية مناسبة ومعلم مدرب وطالب مستعد، وهي عناصر لا يمكن تعويض نقصها بإضافة صفحات جديدة إلى الكتب.

 

 

وعود التهدئة أمام اختبار الفصول

 

وفي مواجهة الشكاوى، اعتبر مساعد وزير التربية والتعليم لتطوير المناهج الدكتور أكرم حسن أن صعوبة منهج الصف الثالث ظاهرية ومؤقتة، وتوقع تراجعها بعد نحو شهر من اعتياد المعلمين والتلاميذ الطريقة الجديدة.

 

لكن انتظار مرور شهر يترك الأسر والأطفال يواجهون الصعوبة الحالية بلا حل واضح؛ فالتوقع بزوال الأزمة لا يجيب وحده عن فجوات التأسيس ولا عن قدرة المعلمين على شرح الدروس.

 

وعقب تصاعد الجدل، طالب مصطفى مدبولي خلال اجتماع مع مسؤولي التعليم بإيضاح ما يتعلق بإتاحة التعليم وجودته، والتعامل بوضوح مع القضايا التي تشغل الأسر المصرية مع بداية العام الدراسي.

 

وفي المقابل، تحتاج تلك المطالبة إلى إجراءات يلمسها التلميذ داخل الفصل، تبدأ بشرح ما تغير في المقررات، وتحديد الدروس التي تفترض مهارات سابقة، ثم معالجة النقص قبل تراكم الواجبات.

 

كما اقترح حجازي شرح المناهج الصعبة عبر مواد مصورة تبث لجميع المدارس، بما يساعد التلاميذ والمعلمين على فهمها، إلى جانب تخفيف بعض الأجزاء بدل ترك الفصول وحدها أمام عبء التفسير.

 

ثم إن إتاحة الشرح لجميع المدارس قد تخفف تفاوت قدرة الأسر على طلب المساعدة خارجها؛ فلا يصبح فهم المنهج مرهونًا بوقت ولي الأمر أو بقدرته على تحمل تكلفة درس خصوصي.

 

وبالتوازي مع الشرح، يظل تدريب المعلمين ضرورة لا تؤجل؛ إذ يصعب مطالبة طفل بتعلم حل المشكلات إذا لم يمتلك من يدرسه الوقت والأدوات لفهم طريقة تقديمها.

 

وعوضًا عن الاكتفاء بوصف الصعوبة بأنها مرحلة عابرة، تستطيع الوزارة قياس أثر المناهج الجديدة داخل الفصول والاستماع إلى الشكاوى، ثم تعديل ما يثبت أنه يتجاوز استعداد الأطفال وظروف المدارس.

 

وفي المحصلة، لن يقاس نجاح التغيير بعدد الكتب المعدلة أو سرعة إعلان إنجازها، بل بقدرة طفل المرحلة الابتدائية على التعلم دون أن يخسر طفولته بين الواجبات والتقييمات والدروس الخصوصية.