تجدد ترقب المصريين لقرار لجنة تسعير الوقود، بينما تستقر الأسعار الرسمية عند 24 جنيهًا لبنزين 95 و22.25 لبنزين 92 و20.75 لبنزين 80، مقابل 20.50 جنيه للسولار و13 جنيهًا لغاز السيارات.

 

وتتصاعد المخاوف مع اقتراب المراجعة الجديدة، بعدما أعلنت الحكومة في أكتوبر 2025 تثبيت أسعار المنتجات البترولية دون زيادة لمدة عام على الأقل، قبل أن ترفعها فعليًا في مارس 2026، أي قبل اكتمال الفترة المعلنة.

 

 

تعهد عام انتهى قبل موعده

 

وفي أكتوبر 2025، جاء التعهد الرسمي بالتثبيت عقب زيادة رفعت بنزين 95 إلى 21 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 19.25 جنيه، والسولار إلى 17.5 جنيه، مع تأكيد استمرار الأسعار دون زيادة عامًا كاملًا على الأقل.

 

لكن في مارس 2026، تغير المسار تمامًا، فارتفع بنزين 95 إلى 24 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيه، والسولار إلى 20.50 جنيه، مع زيادة أسعار البوتاجاز وغاز السيارات.

 

وبذلك أصبحت الزيادة الجديدة المرتقبة مرتبطة بتعهد سابق لم يستمر حتى نهايته المعلنة، وهو ما يضاعف حساسية أي تحريك جديد، خصوصًا أن الوقود يدخل مباشرة في تكلفة المواصلات والشحن وتشغيل الأنشطة الإنتاجية والخدمية.

 

وفي هذا السياق، يرى هاني جنينة، الخبير الاقتصادي ورئيس قطاع البحوث بإحدى شركات الأوراق المالية، أن زيادة أسعار البنزين والسولار أصبحت مرجحة بقوة، مع ارتفاع خام برنت وتأثير سعر الصرف داخل معادلة التسعير.

 

وأوضح جنينة أن الفجوة بين أسعار الخام وأسعار السولار عالميًا اتسعت بصورة غير معتادة، مع ارتفاع تكلفة المنتجات المكررة مقارنة بالنفط الخام، بما يضيف عبئًا آخر على تكلفة توفير السولار للسوق المحلية.

 

كما أشار إلى أن اضطرابات مصافي التكرير والإمدادات العالمية دفعت أسعار الديزل إلى مستويات مرتفعة، بينما تتعرض طرق الإمداد والطاقة لضغوط إضافية نتيجة الصراعات والتحركات العسكرية والعقوبات وتغير مسارات التصدير.

 

وفي المقابل، لا يعني ارتفاع التكلفة العالمية أن الزيادة أصبحت قرارًا نافذًا بالفعل، إذ تظل الأسعار الحالية قائمة حتى صدور قرار رسمي، بينما تدور التوقعات الحالية حول زيادة قد تقترب من 10%.

 

 

زيادة الوقود تضرب دورة الأسعار

 

وتتجاوز آثار أي زيادة جديدة حدود محطات الوقود، لأن السولار يمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل سيارات النقل والشاحنات والمعدات والآلات، وبالتالي تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى تكلفة نقل الغذاء والسلع ومواد البناء.

 

وبينما يدفع صاحب السيارة فارق السعر مباشرة عند التموين، تتحمل الأسر غير المالكة للسيارات جزءًا من التكلفة أيضًا عبر أجرة المواصلات، وأسعار المنتجات المنقولة بين المحافظات، وتكاليف خدمات تعتمد على الوقود بصورة يومية.

 

وفي هذا الإطار، توقعت هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي، زيادة أسعار البنزين والسولار بنحو 10%، وربطت ذلك باستمرار صعود تكلفة النفط واضطراب الإمدادات، مع بقاء الضغوط التضخمية ممتدة خلال سبتمبر وأكتوبر.

 

وأضافت منير أن توقعات أكتوبر تتضمن ارتفاع التضخم الشهري بنحو 2.1%، وهو تقدير مبني جزئيًا على افتراض زيادة أسعار الوقود، بعدما تراكمت زيادات أسعار الطاقة بالفعل خلال الشهور السابقة.

 

وعلاوة على ذلك، يؤدي رفع السولار إلى زيادة تكلفة الرحلة بالنسبة لشاحنات البضائع وسيارات الأجرة والنقل الجماعي، ثم تنتقل الفاتورة إلى المنتج أو التاجر أو المستهلك وفق قدرة كل طرف على تحمل الزيادة.

 

كذلك تواجه المصانع ضغوطًا إضافية عندما ترتفع تكلفة نقل الخامات والمنتجات النهائية، خصوصًا المنشآت التي تعتمد على شبكات توزيع واسعة أو تنقل بضائع ثقيلة لمسافات طويلة بين مناطق الإنتاج والمخازن ومنافذ البيع.

 

ومن ثم لا تقف المشكلة عند سعر لتر الوقود، بل تمتد إلى سلسلة كاملة تبدأ من المصنع أو المزرعة وتنتهي عند المستهلك، وتصبح كل حلقة مرشحة لإضافة جزء من التكلفة الجديدة.

 

وفي السياق نفسه، قد تتحول زيادة بنحو 10% في الوقود إلى زيادة غير متساوية بين السلع، لأن طبيعة النقل وحجم الاستهلاك والمسافة وهوامش الربح تختلف من منتج إلى آخر ومن محافظة إلى أخرى.

 

 

الاستثمار عالق بين الوقود والتضخم

 

ويزداد أثر عدم اليقين عندما تحاول الشركات إعداد دراسات جدوى جديدة، لأن تقدير تكلفة النقل والطاقة والإنتاج يصبح أكثر صعوبة كلما تغيرت أسعار الوقود أو ارتفعت احتمالات إعادة تسعيرها خلال فترات قصيرة.

 

وفي هذا السياق، قال هاني جنينة إن بعض الشركات أصبحت أكثر حذرًا في اتخاذ قرارات الاستثمار، مع صعوبة بناء تقديرات مستقرة لتكاليف التشغيل في ظل تغير أسعار النفط والوقود عالميًا ومحليًا.

 

وأوضح أن المستثمر الذي يبدأ مشروعًا على تكلفة محددة قد يجد نفسه بعد شهور أمام فاتورة مختلفة للطاقة والنقل ومدخلات الإنتاج، بما يدفع بعض الشركات إلى تأجيل التوسع أو إعادة حساب خطط الإنفاق.

 

ومن ناحية أخرى، يضيف التضخم طبقة ثانية من الضغوط، لأن زيادة الوقود لا ترفع فقط تكلفة السلع، بل قد تؤثر أيضًا في مسار أسعار الفائدة وقرارات الاقتراض وتمويل المشروعات والاستثمارات الجديدة.

 

وفي هذا الإطار، قال محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن تحريك أسعار المحروقات يمكن أن يرفع التضخم بنحو نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية خلال فترة قصيرة قبل امتصاص جزء من الصدمة السعرية.

 

وأشار أنيس إلى أن أثر الوقود يمتد إلى الأسعار عبر النقل والإنتاج والخدمات، ما يجعل المحروقات من أكثر البنود قدرة على دفع موجة تضخم واسعة مقارنة بسلعة يظل تأثير ارتفاعها محصورًا داخل سوق ضيقة.

 

وفوق ذلك، تظهر الأرقام الحالية حجم ما تحملته الأسر بالفعل منذ مارس، بعدما ارتفعت أسطوانة البوتاجاز المنزلية إلى 275 جنيهًا، والأسطوانة زنة 25 كيلوجرامًا إلى 550 جنيهًا، وغاز السيارات إلى 13 جنيهًا.

 

وبينما تستند معادلة التسعير إلى أسعار النفط وسعر الصرف وتكاليف الاستيراد، يبقى المواطن في نهاية السلسلة معرضًا لتداعيات القرار عبر المواصلات والأسواق والخدمات، سواء كان يمتلك سيارة أو يعتمد كليًا على النقل العام.

 

وفي الوقت نفسه، سجل خام برنت في أحدث بيانات وزارة البترول المتاحة 98.56 دولارًا للبرميل في 23 سبتمبر، وهو مستوى مرتفع يزيد حساسية المراجعة المقبلة لأي استمرار في صعود النفط أو تراجع الجنيه.

 

ولهذا لا تدور المسألة حول بضعة جنيهات تضاف إلى خزان السيارة فقط، وإنما حول تكلفة تنتقل بين قطاعات الاقتصاد، وتضغط على قرارات المنتج والتاجر والسائق والأسرة، في توقيت لم تتلاش فيه آثار الزيادات السابقة.

 

وأخيرًا، يبقى القرار الرسمي وحده الفيصل في تحديد الأسعار الجديدة، لكن مقارنة التعهد الصادر في أكتوبر 2025 بزيادة مارس 2026 تجعل المراجعة المقبلة محاطة بأسئلة مباشرة حول استقرار سياسة التسعير وقدرة الأسر والأسواق على تحمل جولة أخرى.